| 

اختلف رواة التاريخ الفلسطيني في الحادثة أو الفترة الزمنية التي يمكن اعتبارها نقطة انطلاق مسيرة نضال المرأة الفلسطينية، لكن الباحث أحمد مروات نبش في التاريخ جيداً، ووجد أن مسيرة نضال المرأة الفلسطينية بدأت في العام 1929، وهو العام الذي شهد «انتفاضة البراق»، حيث تم تأسيس ما عرف باسم «اتحاد العاصمة النسائي» في القدس، وقام بدور رائد، على حد تعبيره، في مختلف مجالات العمل الاجتماعي والخيري لخدمة المجتمع الفلسطيني، «منذ السنوات الأولى للمواجهات بين العرب أصحاب الأرض، والوافدين اليهود». وقد أُسس الاتحاد من نساء كن يشكل رموزاً للعمل الاجتماعي في المدينة المقدسة، من بينهن زليخة الشهابي، وإميليا السكاكيني، وكان معهن بعض بنات العائلات المقدسية المعروفة كعائلتي الحسيني والنشاشيبي. وكان الهدف الأساسي للاتحاد مناهضة الانتداب البريطانيِ والوقوف في وجه الاستيطان الصهيوني. وفي العام نفسه، بعد مؤتمر عام عقد في القدس في تشرين الأول/ أكتوبر 1929، تم تأليف «لجنة السيدات العربيات» بحضور 300 سيدة عربية. وكان من بين ما قام به الاتحاد، تأسيس لجنة للإسعافات الأوليَّة، مارست نشاطها الميداني في تقديم الخدمات المختلفة على أرض المعارك التي كانت تقع بين الحين والآخر بين الفلسطينيين واليهود الغازين، كما شاركت بعض عناصر الاتحاد في النِّضال المسلَّح على الأرض في ميادين الجهاد الوطني المختلفة. كما قام الاتحاد النسائي، بتأسيس مستوصف لمعالجة الفقراء، والتَّطعيم ضد الأمراض الوافدة، وتشكلت لجنة خاصة لإدارته، ذكرت في بعض إحصائياتها أنها قامت بمعالجة أكثر من 2500 مريض، كان نصفهم من الأطفال، خلال الفترة التي ظل المستوصف يعمل فيها. وكان من بين أنشطة الاتحاد تنوير الرأي العام داخل وخارج العالم العربي، بالقضية الفلسطينية وبحقيقة المشروع الصهيوني في فلسطين، عن طريق الاتصال بالأطباء والمفكرين والأدباء ومختلف المنظمات العالمية، وذلك من خلال البيانات والفعاليات المختلفة مثل الندوات، من أجل حشد الدعم للقضية الفلسطينية.
قال مروات: كان ذلك التحرر الأول للمرأة الفلسطينية من الاضطهاد وعبودية الذكور الذين هيمنوا على طاقاتها وإمكانياتها العظيمة تجاة المساواة في المجتمع الفلسطيني، وفي اتخاذها القرارات كلها في النشاط السياسي والميداني والنهوض نحو العدالة التي آمنت وحاربت من أجلها. وأضاف: المرأة الفلسطينية اختارت أن تكون جندية في صفوف الدفاع عن فلسطين واختارت لها برنامجا اجتماعيا تمثل بالأعمال الخيرية وكانت كفيلة بأن تخدم قضيتها بكل أمانة ولو بالنزر اليسير.. كانت أهمية العمل للمرأة وتقدمها بمجتمعها تتعزز بالشهادة العلمية الأكاديمية كأحد شروط النجاح وعدم استمرارية العمل الميداني المرهق كعمل بعض الكادحات الذي تمثل في السوق العربي كبيع الخضروات وعلب الكبريت بين الأزقة والشوارع والعمل في مصانع التبغ مقابل ثمن بخس، والخدمة في البيوت. مع هذا، فقد قامت المرأة المتعلمة من خلال الجمعيات القانونية بخطوات تتماشى مع واقع الحياة الصعبة التي تمر بها فلسطين والانتداب بوجود الصهيونيين الذين بدأ شبحهم يزحف في تلك الحقبة الزمنية. خلص مروات إلى أن «التاريخ النسوي في فلسطين ما قبل النكبة، وما ترافق من تأسيس الجمعيات النسائية، يبين أن النخبة التي نهضت بتأسيس هذه الجمعيات كانت من نساء الوجهاء في المدن المركزية التي مثلت السياسة المحلية، وخير دليل على ذلك اتحاد العاصمة النسائي الذي تأسس في روابي القدس في أواخر العشرينيات من القرن المنصرم وترأسته زليخة الشهابي، فأكثرية المنتسبات والقائمات بأعمال الاتحاد كن من نساء الوجهاء، ومنهن من عائلة الحسيني والنشاشيبي، علما أن بعض هذه العائلات دبت بها روح المنافسة التي مزقت فلسطين إلى نصفين بسبب النزعة العائلية والقبائلية الفارغة التي كانت أحد أسباب سقوط فلسطين جريحة مترنحة بالدماء غدرا»! وأشار إلى أنه في مثل هذه الظروف التي شهدتها فلسطين في أواخر الانتداب البريطاني تعمقت مظاهر الأزمة بأبعادها السياسية في إطار الصراع العربي ـ الصهيوني، وبأبعادها الاجتماعية في ظواهر الفقر والجهل والتخلف العام التي لحقت بصورة المرأة الفلسطينية قبيل النكبة، كما أوردت كاتبة يهودية اسمها سارة ليفي في صحيفة (دافار) الصهيونية في عددها الثالث من عام1937، إذ جاء في مقدمة مقالتها التي شوهت صورة المرأة والرجل الفلسطينيين «أود أن أتحدث عن شعورنا نحو العرب، فنحن وما زلنا نعطف على العرب عطفا أكيدا ونكن لهم الحب والصداقة إذ أننا نعلم أنهم أبناء إسماعيل وأن عطفهم علينا أيام الأندلس ما زال ماثلا، وحتى عندما جئنا إلى فلسطين وجدنا الأخلاق العربية التي تستحق المديح منا ومن العالم أجمع.. وليس هناك ما يستاؤني من العرب إلا رؤية المرأة، وأن معاملة الرجل العربي للمرأة العربية لهو أمر محزن جدا. وأود أن أقص على القراء قصة عربية وكم كنت أتمنى لو يسهل على الكثير من العرب بأن يفهم لغتنا العبرية لأخذوا بهذة القصة لما لها من عبر».
وروى مروات: ان ليفي كتبت تقول: «جاء يوما رجل عربي لصديقه اليهودي وقال له زوجتي مريضة وعلى وشك الموت، فقال اليهودي ألم تستدعِ الطبيب؟؟ فأجاب العربي ببرود لا أريد أن أعالجها فقد اجتازت الثلاثين بكثير والعلاج سيكلفني مالا يمكنني أن أشتري به زوجة فتية بعمر خمسة عشر ربيعا!! هذه هي المرأة العربية المسكينة، وهذه هي حالتها، إنها في نظر زوجها كسلعة أو جارية لا رحمة لها»! حسب ادعاء الكاتبة الصهيونية. وردا على هذه الكاتبة، انبرى كثير من النساء، ومن بينهن قدسية خورشيد وأسمى طوبي وغيرهما من الكاتبات والمثقفات، للدفاع عن صورة الرجل العربي وتفنيد التهم غير الصحيحة للعرب وتقاليدهم الغراء. أخذت الجمعيات والاتحادات النسائية تؤسس وتشكل فروعا لرعاية الطفولة ومراكز لإرشاد الأمهات ولكيفية الاعتناء بأطفالهن وتنشئتهم على خير استقامة.. وفي جميع المناسبات، كوعد بلفور وغيره، كانت المرأة المنتسبة للجمعيات والرابطات تقوم بإرسال البرقيات إلى لندن والحكومات المحلية تشجب بها وتستنكر خبث هذا القرار الذي غير مجرى التاريخ. كما أرسلت الناشطات مئات البرقيات والرسائل للاستغاثة بملوك العرب وأمرائهم للإفراج عن المناضلين السياسيين المبعدين عن ديارهم، كالذين أبعدوا لجزيرة «سيشل»، وغيرهم ممن قبعوا في سجون الانتداب.
كان من بين أهداف الاتحاد النسائي التي وضعتها المرأة الفلسطينية نصب عينيها ترسيخ المفهوم الثوري والقومي لدى الفلسطينيين والفلسطينيات من خلال تعميق ارتباطاتهم بالحركات الثورية العربية والعالمية، إضافة إلى تنوير الرأي العام بالقضية الفلسطينية عن طريق الاتصال بالمثقفين والمفكرين والعاملين في كل الحقول السياسية، وإثراء مفهوم القومية من خلال الندوات والنشرات وبوسائل أخرى عديدة، مثل المنشورات أو من خلال إذاعة «هنا القدس» الفلسطينية التي استقطبت شخصيات نسائية كثيرة، منهن قدسية خورشيد التي قدمت برنامج «شخصية المرأة الفلسطينية» العام 1938، وماري صروف شحادة التي كانت تقدم برنامج «التربية في الأسرة العربية»، والأديبة أسمى طوبي التي قدمت برنامج «حديث إلى الأم العربية».
ورأى مروات أن «من خلال عمل المرأة الميداني والصحافي والخيري، ومع تصاعد الأوضاع السياسية المزرية نحو العرب، تشابكت علاقة مشتركة بين المرأة والرجل للخوض في نتاج الأزمات العنصرية التي كانت تبرزها السياسة البريطانية بشكل مستمر».

محطات مميزة

أما الكاتبة والباحثة فيحاء عبد الهادي، التي أعدت سلسلة من ثلاثة أجزاء عن نضالات المرأة الفلسطينية في الثلاثينيات وحتى منتصف الستينيات من القرن الماضي، فنقلت عن الراوي بهجت أبو غربية، انطلاق مسيرة نسائية «مميزة» في العام 1933، اصطدمت فيها النساء بالشرطة البريطانية، حيث نظمت النساء تظاهرة برفقة بعض الشبان للحراسة، لكن «البوليس» اعتدى عليهن بالضرب وفرقهن، ومع ذلك أرسلن وفداً منهن، قابل المندوب السامي البريطاني، وقدم له رسالة احتجاج، ثم طاف على كل السفارات الأجنبية.
وفي 15 نيسان/ ابريل من ذات العام، وفق عبد الهادي، نظمت نساء فلسطينيات تظاهرة احتجاجية على زيارة مسؤولين بريطانيين إلى القدس ومدن فلسطينية أخرى، حيث سارت التظاهرة إلى مسجد عمر، وقامت سيدة مسيحية، ولأول مرة، بإلقاء خطبة من على منبر المسجد، وهي متيل مغنم، وحين واصل الموكب المسير إلى القبر المقدس، قامت سيدة مسلمة هي طرب عبد الهادي بإلقاء خطبة أمام مقر المسيح، ما يدل على وعي عميق، ورؤية ثاقبة للحركة النسائية.
وطافت عبد الهادي دول كثيرة لجمع معلومات عن «رفيقات القسام»، حيث قابلت 37 سيدة و6 رجال، وكانت أكثرهن علماً بهذا التجمع سعادة الكيلاني، التي أشارت إلى أن المجموعة انتهت باستشهاد الشيخ عز الدين القسام، ومن بين عضواتها: سعاد أبو السعود، وسميرة أبو غزالة ، وعواطف عبد الهادي، وعصام عبد الهادي، ورقية الحوري، إضافة إلى الكيلاني نفسها، وكانت تمتد على امتداد الجغرافيا الفلسطينية التاريخية، كما كانت مهامها سياسية اجتماعية نضالية، كتزويد المقاومين لسلطات الانتداب والعصابات الصهيونية بالسلاح، وبالطعام، وكن يرافقن الشيخ القسام ورجاله، ويقمن بتوفير التموين والتطبيب، وبعضهن يقوم بدور المراقبة، وكان لهن دور أساسي في إنجاح عمليات القسام ورجاله، وكن أنقذنهم في أكثر من مرة من الوقوع في يد البريطانيين.
في تلك الفترة من التاريخ الفلسطينيِ (ما قبل النكبة)، بدأت المرأة الفلسطينية في تعزيز وضعيتها عن طريق تنمية مكانتها في المجتمع الأكاديمي والعلمي، واتخذت المرأة المُتعلِّمة مكانتها الاجتماعية من خلال الجمعيات الأهلية وهيئات العمل العام المختلفة. وكان للمرأة الفلسطينية شأن بارز في ثورة العام 1936، وهو دور سياسي اجتماعي، يتمحور، وفق الباحثة عبد الهادي في التموين، والتحريض، ونقل الأخبار، ونقل الرسائل، وإخفاء الثوار وتهريبهم، وتمويه ومراقبة الطرق، وتخليص الرجال من الإنكليز، وضرب الحجارة، وإعداد مشاعل للثوار، وتقديم الإسعاف الأولي للجرحى، والعمل بالبريد للحفاظ على سرية المكالمات، بالإضافة إلى تأسيس الاتحادات والجمعيات، والمشاركة في المؤتمرات السياسية.

فترة الأربعينيات

في الأربعينيات من القرن الماضي، تعاظم نضال المرأة الفلسطينية السياسي والعسكري، وبخاصة بين عامي 1939 و1947. هكذا، تناولت الموسوعة الثانية مشاركة المرأة في الصدامات التي نشبت بين العرب واليهود بعد قرار التقسيم، وبخاصة في التظاهرات، في وقت استمرت فيه المرأة القروية بالعمل حلقة وصل بين الثوار. وبرزت في تلك الحقبة جمعيات واتحادات نسوية، فيما شارك بعض القيادات النسوية في عصبة التحرر الوطني، كسميحة خليل، ويسرى البربري. وظهرت في تلك الفترة، ضمن إطار العمل السياسي الاجتماعي العسكري للفلسطينيات، المنظمة النسائية السرية «زهرة الأقحوان». ولم تكن هذه المنظمة مجهولة الهوية، إذ كانت عضوات الجمعية من النساء المدينيات، ممن عملن في الجمعيات والمؤسسات النسوية.
بدأ نشاط «زهرة الأقحوان» خيرياً، أقرب إلى النادي الاجتماعي، ثم تطور إلى عمل عسكري منظم. ولدى استجوابها، قالت مهيبة خورشيد، مؤسِّسة الجمعية، إنها كانت تعنى أولاً بالوحدة بين الأديان، ومساعدة الطلبة الفقراء، قبل أن تتحول إلى العمل العسكري. ووقع هذا التحوّل الجذري في نشاط الجمعية عقب استشهاد طفل فلسطيني على يد جندي في الجيش البريطاني. وأشارت خورشيد إلى أن «مجاهدين من سيناء، وعدد من الألمان، شاركوا في العمل العسكري لزهرة الأقحوان». اللافت أن شعار الجمعية نُفذ في الهند، بتعليمات من المهاتما غاندي، وهو من تصميم خورشيد التي اختارت اسم «زهرة الأقحوان» مستوحية إياه من الزهرة القرمزية في الثورة الفرنسية، علاوة على دلالاته المحلية، إذ تنتشر الزهرة بكثافة في ربوع فلسطين.
كان نشاط «زهرة الأقحوان» كثيفاً في يافا، وبخاصة خلال الاشتباكات اليومية بين سكان يافا العرب وسكان تل أبيب اليهود، سواء عبر المقاومة المسلحة أو بجمع التبرعات ونقل الأسلحة للثوار، وفي ذات الفترة تقريبا تشكلت جمعية «التضامُن النسائيِّ» الفلسطينيَة، وكان مجال نشاطها الأساسي أعمال التَّمريض والإسعاف.
ترى الباحثة فيحاء عبد الهادي أن أهمية توثيق «أدوار المرأة الفلسطينية» في ثلاثينيات القرن وأربعينياته، تكمن في سدّ الثغرة الواضحة في الكتب التاريخية. إذ خلت هذه الأخيرة من تفاصيل وافية عن دور الفلسطينيات السياسي والعسكري في تلك الفترة. وتقول عبد الهادي: الحديث عن النضال النسوي الفلسطيني في كتب التاريخ هامشي، ولا يرقى إلى مستوى نضالات الفلسطينيات على الأرض ولا يوثّق كل شيء. لذا، كانت الفكرة بملء هذا النقص من خلال توثيق الذاكرة الفلسطينية عبر النساء.. من المعروف أن النساء يحبّذن الحديث عن تجاربهن أكثر من كتابتها على عكس الرجال، لكنهن يحتجن إلى من يسمعهن، وبالتالي كان لا بد من توثيق روايات النساء أنفسهن لا روايات أزواجهن أو أشقائهن أو أبنائهن عنهن. مع أنني في دراساتي لم أغفل الشهادات الذكورية، التي خُصص لها ما يقارب 10 في المئة من مجموع ما ورد من شهادات في الموسوعتين.

* صحافي فلسطيني مقيم في مدينة رام الله.