| 

المرأة الفلسطينية في مناطق 1948 جزء لا يتجزأ من شعبها ومن قضاياه، ومن معاناته ونضاله. وقد كان للمرأة الفلسطينية وما زالت شأن فاعل في بناء مجتمعها وبناء مؤسساته، دفعت ثمنا كامرأة وأم وزوجة إبان التهجير والنكبة التي حلت بشعبها، وما زالت تبعاتها تنعكس في قوانين وممارسات عنصرية ضد أبناء هذا الشعب وبناته.
لم يبدأ تاريخ النشاط النسائي الفلسطيني بعد العام 1948، بل سبقه بكثير. فقد شهدت بدايات القرن الماضي أول مظاهر العمل النسائي في الحيز العام من خلال إقامة الجمعيات الخيرية، ونعرف ان أولى الجمعيات التي تشكلت في مدينة عكا عام 1903 كانت «الجمعية الأرثوذكسية لمساعدة الفقراء». ولحقتها جمعية «عضد اليتيمات الأرثوذكسيات» في يافا عام 1910. وكانت المدن الفلسطينية مركز نشاط للجمعيات النسائية التي بدأت كجمعيات خيرية تهدف إلى تقديم الخدمات والمساعدة المجتمعية، وبخاصة للفتيات.
مع وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، سرعان ما تحولت الجمعيات النسائية من العمل الخيري الى العمل المجتمعي والسياسي، وسجلت أولى الجمعيات التي حملت جدول أعمال سياسياً في بداية سنوات العشرين «اتحاد السيدات العربيات في فلسطين»، تبعها الاتحاد العربي في حيفا ويافا ونابلس، ومن ثم «جمعية السيدات العربيات» في القدس عام 1928 وسجلت كأول جمعية ينص دستورها رسميا على حق المرأة في تعاطي الشؤون السياسية، وأقامت لاحقا فروعا لها في مناطق مختلفة. وكانت ثورة البراق نقطة انعطاف في مسار الحركة النسائية الفلسطينية، فعقدت مؤتمرها الأول في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 1929 الذي انتخب لجنة ذهبت لمقابلة المندوب السامي، وسميت منذ ذلك الحين بـ«اللجنة التنفيذية للسيدات العربيات». وشكل المؤتمر أول إطار سياسي نقابي جامع للحركة النسائية الفلسطينية. ووفقا لقرارات المؤتمر، تألفت جمعيات نسائية إضافية في القدس وعكا والناصرة وحيفا ورام الله وطولكرم وصفد.
تبنت الحركة النسائية الفلسطينية المطالب الوطنية التي طرحتها قيادة الحركة الوطنية: إلغاء وعد بلفور، وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين وإنشاء حكومة وطنية من أجل الاستقلال. وعملت النساء، وبخاصة في المدن، ضمن أطرهن الأبرز - الجمعيات - بالتوازي والتنسيق مع الحركة الوطنية. وتميزت قيادات هذه الجمعيات بكونها نشأت على أيدي نشيطات الحركة وغالبيتهن زوجات وبنات قادة الحركة الوطنية، من النساء المتعلمات المثقفات، وأيضا نساء الموظفين في حكومة الانتداب.

من النشاط إلى القتال والاعتقال

شهدت الفترة ما بين 1929 و1948 نشاطاً منظماً ومكثفاً ناجماً عن التدهور في الوضع السياسي، حيث وفرت الجمعيات واللجان النسائية إطار عمل للمرأة، فساهمت في تطوير الوعي العام. ولم تكن النساء حتى هذه اللحظة قد انضممن إلى الأحزاب التي ظهرت في الثلاثينيات. كان للنساء دور في التجنيد للإضراب عام 1936، وتجندت قياديات الحركة للنزول إلى الشوارع وحث النساء على التبرع بالأموال والحلي لمصلحة الثورة وإنجاح الإضراب ومقاطعة البضائع اليهودية. وقد بادرن لاحقا لإقامة مؤتمر الشرق في مصر برعاية هدى شعراوي لدعم فلسطين وقضيتها.
من المعروف أن نشاطاً موازياً شهدته نساء القرى، ولا سيما في فترات المد الثوري، وبخاصة ثورة 1936، ولاحقا في سنة 1948، هو التجند لإيصال السلاح والطعام والشراب الى المجاهدين في الجبال، ومنهن من حملن السلاح وقاتلن دفاعا عن البيت والأرض. وشهدت فترة الانتداب البريطاني اعتقالات لنساء وصلت مدته أحيانا الى سنوات طويلة. ونعرف عن ساذج نصار كونها أول معتقلة إدارية في فترة الانتداب واتهمت بكونها «امرأة خطرة جدا».
وشهدت فترة الانتداب أطرا نسائية في المدن حملت السلاح وقاومت الاحتلال، أبرزها «زهرة الأقحوان» التي أقيمت في يافا على أيدي ناريمان ومهيبة خورشيد، اللتين حملتا السلاح ودربتا رجالا ونساء على مهاجمة مستوطنات يهودية في المنطقة خلال العام 1948. وكجزء من حماية النساء لم يتم توثيق أسمائهن في كثير من الأحيان ما أدى مع الوقت الى فقدان الأسماء والى البلبلة في هوية القائمات عليه، كما حدث مع «زهرة الأقحوان»، إذ تفاوتت المصادر التاريخية في تقييمها هذا النشاط وهذا الإطار، فمنها من وصفه بأنه إطار قدم خدمات تمريض ومساعدة للثوار، ومنها من شكك في كون قيادته نسائية، لكن القائمات على التنظيم أكدن بأنفسهن نوعية هذا النشاط في مقابلات أجريت معهن، وقامت كاتبة هذه السطور بإجراء إحداها.

بين التهجير والحكم العسكري

كان لنكبة 1948 أثرها في الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية وأطرها. فلأول مرة انقسمت الحركة الوطنية بين داخل وخارج وتشتت أفرادها، وكذلك كان حال الحركة النسائية. لكن سرعان ما قامت النساء الفلسطينيات في أماكن اللجوء، وبخاصة لبنان، بمحاولة تجميع قدراتهن والنهوض مجددا لمواصلة النشاط على المستويات العربية والإقليمية والدولية نصرة لفلسطين. واستطاعت النساء الفلسطينيات في الشتات، التواصل في ما بينهن، الأمر الذي منعت منه فلسطينيات 1948 اللواتي فرضت عليهن قسرا المواطنة الإسرائيلية، ووقعن تحت حكم عسكري عرقل حركتهن في الداخل كما الخارج، وهو حكم استمر حتى سنة 1966، ومنع فيه كل تنظم سياسي وقيدت حريات الرأي والحركة والنشاط السياسي.
في عام 1949 عقد في بيروت المؤتمر النسائي العربي بحضور الهيئات النسائية العربية المختلفة، وقد حضرته النساء الفلسطينيات وعملن على تشكيل هيئة نسائية فلسطينية تشرف على خدمة اللاجئين بالتعاون مع الهيئات واللجان المختلفة في لبنان. وشاركن في العام 1954 في المؤتمر العربي العام المنعقد في لبنان، وانخرطن في عضوية جمعيات لبنانية قائمة، ومنذ تلك اللحظة شاركن في كثير من المؤتمرات الإقليمية والدولية. وظهرت في مرحلة لاحقة «جمعية إنعاش المخيم» على أيدي اوغيت كالان وشرمين حنينة وسيرين الحسيني وأخريات، وفي فلسطين، عانت النساء من تبعات النكبة والحكم العسكري والتهجير وفقدان الأرض والمسكن والتهجير القسري الداخلي، وعانين من التقييدات التي فرضها الحكم العسكري. وفي العام 1948 أقيمت حركة النهضة بداية في الناصرة، ومن ثم أقامت فروعا لها في عكا وحيفا، فجاءت لتقاوم الاحتلال والتهجير وتساعد اللاجئين، وتشكلت بالأساس من نساء مقربات من عصبة التحرر الوطني أو عضوات في الحزب الشيوعي الإسرائيلي. ورفعن شعارات تتعلق بالخبز والعمل وإطلاق سراح المعتقلين والسجناء، وإعادة اللاجئين ولمّ الشمل، ومنهن من فرضت عليهن الإقامة الجبرية والاعتقال. وكان البعد الطبقي بارزا في عمل هذا التنظيم النسائي الذي نظم دورات وتدريب للنساء لمحو الأمية، وكذلك ورشات تدريب، وفتح حضانات لمساعدة النساء الأمهات على الخروج للعمل. هذا النموذج من العمل تبنته لاحقا جمعيات نسائية وأطر أقيمت في السبعينيات والثمانينيات، وتشكلت غالبيتها على أيدي ناشطات هذا التنظيم الذي تحول لاحقا وسريعا إلى حركة النساء الديموقراطيات التي ضمت في عضويتها عربيات ويهوديات.

حضور نسائي في الأطر السياسية

شهدت الثمانينيات عامة، ارتفاعا نوعيا في عدد الجمعيات الأهلية العامة، وضمنها النسائية، ونهضة في العمل الأهلي، مع ظهور الجمعيات الأهلية القطرية الأكبر على الساحة، والتي برزت خاصة في توجهها التمكيني للنساء. وجاءت التسعينيات لتشهد إقامة جمعيات نسوية ذات فكر نسوي. وشهدت هذه الفترة حضور النساء في أطر سياسية حزبية، كلجنة المرأة العربية التقدمية التي نشطت في الأساس في الجامعات. وكان هذا العقد عقد انطلاقة في العمل الطالبي والحركة الطالبية العربية، أكان ذلك في الاتحاد القطري للطلاب الجامعيين العرب، أو لجان الطلاب في الجامعات، أو نوادي المتخرجين في المدن والقرى العربية.
تميزت أواخر الثمانينيات بظهور أنوية الحركة النسوية الفلسطينية ضمن أطر الحركة الإسرائيلية في المدن، والتي أقامت أول خطوط الطوارئ لمساعدة ضحايا الاعتداءات الجنسية. ومن ثم شهدت التسعينيات قيام جمعيات وأطر نسوية فلسطينية ذات فكر نسوي، وتشكل أطر وائتلافات نسوية الفكر، مشتركة التنظيم. فقد شهدت التسعينيات خاصة نقلة نوعية وتعزيزا للعمل الأهلي الفلسطيني المستقل والممأسس. وتوج منتصف التسعينيات بإقامة اتحاد الجمعيات الأهلية العربية اتجاه، الذي انضوت تحت إطاره أغلبية الجمعيات الأهلية الفلسطينية المسجلة، وقد زاد عدد الجمعيات ازديادا ملحوظا في التسعينيات. وقد تفاعلت النساء على مستويين: نسوي مركزي من خلال تنظيمات نسوية نسائية، ونسوي تقاطعي داخل جمعيات قائمة، إضافة لتبني بعض الجمعيات الكبيرة التوجه الاجتماعي، وتبني بعض المؤسسات العامة والحقوقية مشاريع خاصة بالنساء ومكانة النساء كمشروع النساء والقانون في جمعية «عدالة»، ومشروع حقوق المرأة في المؤسسة العربية لحقوق الإنسان، الذي تولت إدارته نساء نسويات.

جمعيات ذات طرح نسوي

من الجمعيات ذات الطرح النسوي التي ظهرت في هذه الفترة: الفنار (1991)، جمعية نساء ضد العنف (1992)، كيان (1998)، السوار (1997)، إضافة الى ائتلافات خاصة طرحت قضايا أكثر حساسية كمحاربة جريمة القتل على خلفية ما يسمى «شرف العائلة»، حيث أقيم ائتلاف البديــــــــل (1995)، وسبـــــقه تشكيل لجنة «من أجل مجتمع معافى» (1994)، لمحاربة هــــذه الظاهرة. وعمل هذا التنظيم بشكل نسوي راديكالي من خــــــلال تنظيم أولى التظاهرات القطرية المنـــــــددة بالقتل، وكتابة بيانات وعريضة تطالب باستقالة شخــــــصيات وطنية تمثيلية تدلي بتصريحات تشرع القتل وتتفهمـــــــه، كما قام هذا التنظيم بمهاجمة الدولة ومؤسساتها، وبخاصة الشـــــرطة التــــــي تتقاعــــــس عن القيام بواجبها، وعــــــمل الإعلام على تغيير مفاهـــــيم ومصطلــــحات رائجة وتضـــــر بالنساء.
شهدت التسعينيات ايضا، إقامة لجان عمل مع أطر حقوقية، منها «لجنة العمل للمساواة في قضايا الأحوال الشخصية» (1995)، ولجنة العمل على مكانة المرأة الفلسطينية في إسرائيل (1997). أما في سنوات الألفية الثالثة، فتمأسست هذه الجمعيات وازداد عددها ورقعة نشاطها الجغرافي. وبعض مشاريع هذه الجمعيات التي تمركزت بالأساس في المدن تحولت لاحقا إلى جمعيات محلية. وبرزت جمعيات نسوية إضافية مثل نساء وآفاق (2002)، التي اعتمدت النصوص الدينية مرجعية لها، وحاولت طرح نظرة نقدية لتفاسير دينية تقليدية تحط من مكانة المرأة. وبرزت في هذه الفترة ائتلافات جديدة منها «اتحاد الجمعيات النسائية العربية في النقب» (2000) الذي وضع المرأة البدوية على أجندة العمل. وكانت هناك نماذج عمل لم تستمر لفترة طويلة كـ«فلسطينيات ضد الاحتلال» (2000). وبرز أيضا إطار سياسي إضافي هو اتحاد المرأة التقدمي (2004) إلى جانب حزب التجمع الوطني الديموقراطي. وبرزت في هذه الفترة قضايا جديدة وائتلافات جديدة، منها ائتلاف الجمعيات من أجل تمثيل النساء وقضاياهن في لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية (2005). وظهر المنتدى العربي لجنسانية الفرد والأسرة، أصوات - نساء فلسطينيات مثليات الجنس، إضافة الى تأسيس برنامج الدراسات النسوية في مركز مدى الكرمل في حيفا، ومحاولة تشكيل اتحاد لجان المرأة الفلسطينية العالمة (2008). وآخر هذه الأطر كان المنتدى النسوي الفلسطيني الذي أعلن عن تأسيسه رسميا في عام 2012.
الخطاب بين الواقع والتمرد عليه
من الواضح أن سيرورة تطور العمل النسائي الفلسطيني هي سيرورة طويلة وغنية، جاءت دائما متأثرة بالأحداث وبالسياق السياسي الاحتلالي المتواصل الذي عانته فلسطين ونساؤها منذ العهد العثماني مرورا بالانتداب ولاحقا قيام دولة إسرائيل. لذلك، جاء خطاب النساء متماشيا مع واقعهن، لكنه أحيانا سبقه وتمرد عليه كما حدث مع الأطر النسوية التي أقيمت في التسعينيات، والتي رفضـــــت تهمــــــيش الخطـــــاب الاجـــــــتماعي والقضايا الحساسة وقتل النساء، وهي قضــــــايا تم تأجيلها كي لا تحدث النقاشات حولها شرخا أو خلافا داخليا في الأحزاب، أو في صفوف الحركة الوطنية، إلى أن طرحتها الأطر النسوية بحدة رافضة ازدواجية المعايـــــــــير في التـــــعامل مع قضايا المرأة مقابل القضايا الوطنية. فسبــــــق خـــــطاب الجمعيات خطاب الأحزاب الوطنية في قضايا المرأة، إلا أن النـــــساء اللاتي أقمن هذه الأطر كن في الغالب ناشــــطات حزبيات وقياديات في الحركة الطلابية، ونشطن أيضا داخل الأحزاب.
إن مسيرة عمل النساء الفلسطينيات طويلة ومستمرة، وكذلك كفاحهن على عدة صعد داخل مجتمعهن، وأمام الدولة وأجهزتها التي تتآمر عليهن وتستعمل مفاهيم مجتمعية أحيانا لقمعهن، أو تتوانى في تقديم الحلول والعلاج لقضايا حساسة كقتل النساء والتنكيل بهن. وقد اكتسبت النساء الفلسطينيات الناشطات في الجمعيات خبرات كبيرة في العمل والتنظيم الأهلي والمجتمعي، وغالبيتهن من الناشطات الحزبيات اللواتي يعملن للتأثير في الأحزاب والأطر السياسية التي ينتمين اليها.

* باحثة وناشطة نسوية - حيفا.