| 

تعيش النساء في قطاع غزة حياة صعبة أسوةً بباقي فئات المجتمع، منذ أن فرض الحصار السياسي والأمني والاقتصادي، وهو الأمر الذي جعل المجتمع يفتقر الى الاستقرار، خصوصاً في ظل غياب سلطة سياسية موحدة وقوية تستطيع الأخذ بزمام الأمور، والمساهمة في ترسيخ الاستقرار والتخفيف من حدة المشكلات الاجتماعية المتمثلة في ارتفاع نسب العنف والجريمة، والمشاكل الاقتصادية التي انبثق عنها تزايد في معدلات الفقر والبطالة، وكذلك القانونية من ناحية تطبيق قوانين عفا عليها الزمن، ولا تزال تطبق في المحاكم الشرعية والمدنية. هذه الظروف مجتمعة أثرت سلباً في كيفية التعاطي إزاء قضايا المرأة.
المرأة الفلسطينية أصبحت تدفع الثمن مضاعفاً جراء هذه الأوضاع، ما جعلها في مكانة اجتماعية وقانونية متدنية، إذ تعاني التمييز والظلم الواقع عليها بما يتناقض مع مواثيق حقوق الإنسان، واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). ويتضح أن هناك تفاقماً شديداً لحالة التمييز ضد المرأة، على المستوى القانوني والرسمي، وبالتالي على المستوى الاجتماعي، حيث لا يزال كثير من التشريعات الوطنية الرئيسية، تتضمن تمييزاً ضد المرأة، خصوصاً قوانين العائلة والعقوبات والتأمينات الاجتماعية. كما أن التشريعات التي تم تحديثها على قاعدة إقرار مبدأ المساواة غير مؤهلة للتطبيق بسبب غياب اللوائح التنفيذية المكملة لهذه القوانين، عدا عن التمييز ضد المرأة على المستوى الثقافي لجهة استمرار الأنماط الاجتماعية والثقافية القائمة على التمييز باعتبار المرأة في المكانة الأدنى من الرجل، ما ساهم في مصادرة حقوقها الإنسانية من منظور النوع الاجتماعي وتقسيم الأدوار بين المرأة والرجل، إذ أن المرأة تعاني ارتفاع نسب العنف ضدها، بكافة أشكاله ابتداءً بالعنف اللفظي وانتهاءً بحالات القتل والانتحار الآخذة في الازدياد، لاسيما في قطاع غزة. فقد رصدت منذ بداية العام 2013 تسع حالات كانت الضحايا من الإناث، منها خمس جرائم قتل، وأربع حالات انتحار لنساء وفتيات ما بين 16 و65 عاماً. وهذا يعد مؤشراً خطيراً على تهديد حياة النساء، مقارنة بعدد الجرائم التي ارتكبت بحق نساء في الأعوام السابقة، إذ شهد هذا العام ارتفاعاً غير مسبوق في عدد حالات قتل النساء، إما على خلفية شجارات عائلية، او بذريعة الدفاع عن «الشرف»، إضافة إلى انتحار أخريات نتيجة لما يتعرضن له من عنف وخوف من العائلة. ومع ذلك، تقع على كاهل المرأة مسؤوليات أكثر بكثير مما تقع على الرجل، من حيث ممارستها للدور الإنجابي وتربية الأطفال، وعملها خارج المنزل، فهذه كلها مسؤوليات ومتطلبات يجب على النساء القيام بها صباحاً ومساءً، ومع هذا تُحرم النساء من كافة الحقوق التي شرعتها كافة القوانين والأديان والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وفي المقابل نجد المرأة لا تطالب بحقوقها، وذلك يرجع إلى أحلام النساء البسيطة المتمثلة في العيش بأمان.

بيئة قانونية تكرس التمييز
 
من ينظر الى الواقع القانوني في فلسطين يجد نفسه أمام عدد من القوانين البالية، المتناقضة التي يحتكم إليها الفلسطينيون في المحاكم، ومنها قوانين عثمانية، أردنية ومصرية موجودة منذ أكثر من نصف قرن، وبريطانية وضعها المندوب السامي. والجدير بالذكر أن تلك القوانين تغيرت عشرات المرات في البلد الأم، وحتى يومنا هذا لم يستطع المشرع الفلسطيني استبدالها أو تشريع غيرها، وذلك يرجع إلى أسباب عدة، منها الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة الذي عطّل دور المجلس التشريعي، حيث لم يجتمع أعضاؤه منذ ست سنوات، وبالتالي لم يتم سن تشريعات جديدة، ما ساهم في استمرار تكريس التمييز ضد النساء.
أدت القوانين السارية في فلسطين دوراً كبيراً في مصادرة حقوق المرأة، وعززت مفهوم الدونية لدى المرأة وكرست من ولاية ووصاية الرجل على المرأة، لأن المرجعية الفكرية التي استندت عليها القوانين سارية المفعول مؤسسة على ان المرأة ضعيفة وغير منتجة، وأن الحفاظ على «شرف» المجتمع والعائلة يتطلب الوصاية على المرأة وسلوكها وجسدها. فمثلاً قانون العقوبات في بعض مواده أعطى الحق للرجل في أن ينفذ جريمة القتل ضد المرأة، بل وساق له الأعذار والتبريرات بادعاء أن القاتل يدافع عن شرفه وشرف غيره، بارتكاب المرأة عملاً منافياً للأخلاق، وهو ما يسمى بـ«جرائم الشرف»، التي أصبحت غطاءً لارتكاب المزيد من جرائم القتل بحق النساء. فهناك العديد من النساء قتلن لأسباب ترجع لرفضهن التنازل عن حقهن في الميراث، إضافة إلى جرائم الإيذاء البدني التي تنجم عن ممارسة العنف المتمثل بالضرب المبرح، والذي كان سبباً في قتل بعض النساء. وعوضاً عن ذلك، فإن الجاني يفلت من العقاب، رغم وجود أركان الجريمة وأدواتها كلها، إذ أن القانون يأتي دائماً لمصلحة الرجل، باعتبار أن الجريمة ترتكب بدعوى «الدفاع عن الشرف»، والدليل هو المدة الزمنية التي يمكثها القاتل في السجن والتي تقدر بستة أشهر، وأحياناً ثلاثة أشهر فقط، وبعدها يعود الى ممارسة حياته الطبيعية وكأن شيئاً لم يكن! كما لم ينص القانون في ثناياه على حماية المرأة، مما تتعرض له من عنف عائلي يرتكب بحقها، سواء على يد الأب، الأخ الخ...
يتجلّى التمييز ضد المرأة أيضا في وجود منظومة من العادات والتقاليد في المجتمع الفلسطيني المتوارثة في عملية التنشئة الاجتماعية، والتي تحط من مكانة المرأة ودورها في المجتمع، وتكرس السلطة الذكورية على النساء، والتي تحابي وتميز الرجل عن المرأة.

المرأة والمشاركة السياسية
 

يتضح التمييز ضد المرأة في ممارسة السلطة الرسمية والأحزاب السياسية، بالرغم من الخطاب المعلن شكليا بتقدير دور المرأة، وأبرز تجليات هذا التمييز يتمثل في إبعاد وإقصاء النساء عن المشاركة السياسية، فلم تحصل النساء في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في عام 2006 إلاّ على عدد محدود من مقاعد المجلس التشريعي (13%)، وكان ذلك بسبب إقرار «الكوتا» النسوية في النظام الانتخابي، حيث لم تدعم القوى السياسية النساء للوصول للمجلس، ولم تدفع بعدد من النساء للترشح على مستوى الدوائر واكتفت بالحد الأدنى القانوني لـ«الكوتا» النسوية.
وتجدر الإشارة الى أن المؤسسات والاتحادات النسوية وعبر نضال طويل ومرير كانت قد نجحت في الحصول على نسبة مقاعد مخصصة للنساء 20% في القوائم وهي نسبة 50% فقط من مقاعد المجلس التشريعي، أما المقاعد المخصصة للدوائر وهي نصف مقاعد المجلس ي فلم يتم إقرار كوتا نسوية بها، ومن المؤسف القول ان النساء لم يتمكن من الفوز بأي من المقاعد في نظام الدوائر.
كما تقاعست التنظيمات والقوى السياسية عن إشراك المرأة بشكل حقيقي في الانتخابات البلدية التي جرت في الضفة الغربية. ويضاف إلى ذلك التمييز الرسمي ضد المرأة وتهميش دورها السياسى والقيادي، حيث تراجع بشكل ملحوظ وجود المرأة في المستويات القيادية في الوظيفة الحكومية. وتم إقصاء المرأة عن التمثيل في لجان المصالحة الوطنية في سياق الحوار الوطني لإنهاء الانقسام. فقد تم تشكيل لجان المصالحة الوطنية، التي تضم (80) قيادياً وكادراً من كافة الفصائل الفلسطينية دون مشاركة نسائية، وتم تعيين إمرأة واحدة في لجنة الانتخابات المشكلة بموجب اتفاق المصالحة، وهو الأمر الذي يعكس عدم الثقة بأن النساء يتمتعن بالكفاءة التي يتمتع بها الرجال في الحوار. وهنا يظهر أن الأحزاب السياسية تقف عائقاً أمام منح المرأة حقها في المشاركة السياسية كشريك أساسي في القرار كما كانت المرأة الشريك الرئيس في النضال جنباً إلى جنب مع الرجال في مواجهة الاحتلال.
وعلى الرغم من أن النساء متضررات من الانقسام مثلهن مثل باقي أفراد الشعب الفلسطيني، إلاّ أن الضريبة التي يدفعنها جراء استمرار هذا الانقسام هي ضريبة مضاعفة، باعتبارهن الأمهات اللواتي يعانين يوميا من الانقسام بين شطري الوطن، ومن ذلك أن أولاد الكثير منهن ينتمون في أغلب الأحيان إلى أكثر من تنظيم سياسي في البيت الواحد، الأمر الذي عاد بالضرر على هذه العائلات.

تراجع عن حقوق مكتسبة
 

يقع التمييز ضد المرأة بشكل فادح جراء الانقسام وتسلط الحكومة النافذة في غزة، وذلك بسبب التراجع عن الحقوق المكتسبة سابقا نتيجة القرارات والقوانين غير الدستورية التي تصدرها السلطات الرسمية وتنتهك حقوق المرأة. ففي العامين الأخيرين صدر قرار بفرض الزي الشرعي على طالبات المدارس الإعدادية والثانوية وطالبات جامعة الأقصى بغزة، وتم منع الاعتصام النسوي الذي يطالب بإنهاء الانقسام والاعتداء على المعتصمات، ومنع تدخين النرجيلة «الشيشة» من قبل النساء في الأماكن العامة مع السماح للرجال فقط بتدخينها، ومنع الفتيات من المشاركة في ماراثون رياضي تنظمه وكالة الغوث «الأنروا» بحجة أن هذه المشاركة تخالف القيم الدينية، إضافة إلى تحديد حصة المرأة من راتب زوجها الشهيد بقسط الثمن، بالرغم من أن قانون التقاعد يعطيها الحق في نصف الراتب، وهذه النظرة التمييزية تستند للاعتقاد بأن المرأة أقل أهلية من الرجل.
هذا التمييز في الأوضاع القانونية والاجتماعية، كان من أكبر المشكلات والعقبات التي تواجهها المرأة الفلسطينية على مدار عقود خلت، ولا يزال مستمرا، إذ يؤثر سلباً في حركتها وفي دورها الريادي في الأسرة والمجتمع.

* إعلامية ومسؤولة المشاريع في مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة ــ غزة