| 

وُلدت الحركة النسوية الفلسطينية من رحم حركة التحرر الوطني فتأثرت وأثّرت فيها، وتفاعلت بشكل جدلي مع إسقاطاتها وتحولاتها الإيجابية. وتداخلت صيرورة تطّور الحركة النسوية كحركة منظمة في علاقة جدلية مع مراحل حركة التحرر الوطني المختلفة منذ بداية المقاومة ضد الاستعمار البريطاني والغزو الصهيوني في عشرينيات القرن الماضي، مروراً بمشاركة المرأة في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وتشكيل الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في منتصف الستينيات، وهو الأمر الذي ساهم في تنظيم نضالات النساء الفلسطينيات وتوحيد أهدافهن في أماكن وجودهن في بلدان الشتات. وكان دائما الشعار المطروح في المقدمة في سياق نضال الحركة النسوية هو ضرورة إنجاز تحرير فلسطين وبناء الدولة الوطنية باعتباره المقدمة للتحرر الاجتماعي. واقتصر الدور الاجتماعي لقيادة الحركة النسوية وفق المعطيات المطروحة في كل مرحلة زمنية.
تطور نضال الحركة النسوية كنقلة نوعية في فلسطين خلال الانتفاضة الأولى في ثمانينيات القرن الماضي، بتشكيل الأطر النسوية التابعة للقوى والتنظيمات الفلسطينية، وانعكس ذلك على نشاط المرأة الفلسطينية في مناطق 1948 وتفاعلاتها مع سائر حلقات العمل النسوي الفلسطيني. ومن المفارقات السلبية أن ما أنجزته المرأة من نضالات على مدار العهود الماضية لم يترجم إلى وجود ملموس لها في مواقع قيادية على مستوى الأحزاب وأُطر منظمة التحرير الفلسطينية، ولم يؤخذ دورها في الاعتبار كانعكاس طبيعى لحجم هذه المشاركة، وهذا مرده إلى الهيمنة الذكورية على العمل السياسي والجمود الفكري والثقافي إزاء القضايا الاجتماعية.

"أوسلو" والسلطة والتباس الأولويات النسوية

طرأ تحول مهم على العمل النسوي المنظم في أعقاب مشروع أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تنامت بشكل كبير الجمعيات والمؤسسات والمراكز النسوية في سياق تبلور المجتمع المدني، ووقعت الحركة النسوية في مشكلة حقيقية في تحديد أولويات أهدافها وتوجهاتها، ما بين البرنامج الوطني المرتبط بالنضال لمقاومة المحتل، وأهداف المرحلة الجديدة حيث ساد اعتقاد بأن قيام السلطة يعني "الاستقلال الوطني"، وجرى التركيز على أجندة التطوير الاجتماعي وخوض الصراعات مع السلطة لانتزاع حقوق للمرأة لتضمينها في القوانين التي سنتها السلطة.
اختلفت مكونات الحركة النسوية بسبب تدخل الدور الرسمي في صوغ مكوناتها، إذ تم تأليف لجنة التنسيق الوزارية للمرأة بترشيح أغلبية أعضائها من جانب الرئيس مباشرةً، ثم تأسيس وزارة للمرأة، كما تم تعيين بعض النساء في مناصب مهمة ليس على قاعدة نضالهن النسوي بل نتيجة علاقات تبعية تنظيمية أو عشائرية، ما أدى الى تراجع دور الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية والأطر النسوية الحزبية بشكل عام، نظرا لاستيعاب النساء من عضوات الاتحاد بشكل واسع في وظائف السلطة، الأمر الذي فرّغ المحتوى الطوعي للعمل النضالي النسوي، في حين لم تتمخض التشريعات التي تم سنها في ظل السلطة عن حقوق جوهرية تضمن تحقيق مطالب الحركة النسوية، خصوصا فيما يخص قوانين مثل الأحوال الشخصية ومناهضة العنف ضد المرأة. ولا شك في أن المعارك العديدة التي خاضتها النسويات من أجل تحقيق بعض المكاسب القانونية تؤكد أنه تم تحصيلها بشق الأنفس، ولاسيما على صعيد المشاركة في مراكز صنع القرار.

الانقسام السياسي والحركة النسوية

ازدادت معاناة المرأة الفلسطينية حدة في ظل استمرار الصراع الداخلي وانشغال حركتي فتح وحماس في الصراع على السلطة، نتيجة تعمّق الانقسام السياسي والجغرافي في الساحة الفلسطينية وتفاقم الصراع بوتيرة متصاعدة، ما ترك آثارا سلبية بعيدة المدى على الحركة النسوية ودورها ارتباطا بأثر هذا الصراع السلبي في مجمل القضية الوطنية الفلسطينية، أو لجهة آثاره السلبية المباشرة على حياة المواطنين بسبب الإجراءات السياسية والإدارية للحكومتين في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي من شأنها ان تعزّز نفوذهما وإحكام قبضتهما على مقدرات الأمور (إنهاء التعددية السياسية، إسكات صوت المعارضة السياسية، مصادرة الحريات العامة من خلال اعتقال الأفراد على خلفية الانتماء السياسي وأفراد من العاملين في القطاع الإعلامي والعمل الأهلي ومنع التجمع السلمي وحرية التعبير، إلى جانب إغلاق عدد من مؤسسات العمل الأهلي، وتشديد إغلاق المعابر بين قطاع غزة والخارج وفصله تماما عن الضفة الغربية).
إن الواقع الذي عاشته المرأة الفلسطينية - ولا يزال - على الصعد كلها، يعتبر واقعا قاسيا ويهدد المكتسبات التي حققتها الحركة النسوية على مدار سنوات النضال الطويلة. وتتضح ملامح الانقسام السياسي بشكل أشد وطأة في قطاع غزة خصوصا، وذلك في ضوء تنامي التيار الأصولي الذي يسعى لصياغة المجتمع وفق أهدافه ورؤيته الأيديولوجية التي تنظر الى المرأة باعتبارها تابعا ومتاعا للرجل وليست شريكا أساسيا في بناء المجتمع.
ساهم الانقسام في نمو منظومة من القيم الاجتماعية والثقافية التي تكرس دور المرأة التقليدي وارتبط ذلك بادعاء المرجعية الدينية، ما أدى إلى تحجيم الهامش المتاح للناشطات الفلسطينيات وحرمهنَّ توسيع قاعدة تحالفاتهن داخل المجتمع، خصوصا أن معظم أحزاب المعارضة (اليسار) لم تعد قادرة على أن تكون مخلصة لأيديولوجيتها بسبب التطورات الناشئة في الساحة الفلسطينية، فلجأت إلى جهة اليمين محاولة أن تقلده في حجم مريديه وأتباعه. ولا شك في أن المرأة هي أبرز ضحايا هذا التغير الأيديولوجي، حيث ضحّت الأحزاب اليسارية بالنساء لتنال الشعبية الذكورية، وهو الأمر الذي انعكس في التطبيقات العملية في سياسة هذه الأحزاب لجهة ضعف تقدير مشاركة المرأة في العمل التنظيمي والسياسي وسيادة الثقافة الذكورية في التنظيمات، حيث النظرة للمرأة باعتبارها ملحقا أو تابعا. ولم تبادر القوى السياسية على اختلاف اتجاهاتها، وكذلك السلطة الرسمية، لإشراك النساء مثلا في لجان المصالحة الوطنية بالرغم من المطالب اليومية للحركة النسوية بضرورة هذه المشاركة.

فاتورة نسوية باهظة للعدوان الإسرائيلي

أما على المستوى الأمني والعسكري، فقد استغل الاحتلال الإسرائيلي حالة الانقسام السياسي الداخلي واستمر في عملياته العدوانية المكثفة، والتي كان أشدها الحرب الطويلة التي استغرقت شهرا بكامله في مطلع العام 2009، حيث راحت ضحيتها (115) شهيدة، إضافة إلى المئات من النساء اللواتي أصبن بجروح بالغة سببت للعديد منهن إعاقات دائمة. ثم جاءت الحرب الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 وراحت ضحيتها عائلات بأكملها، عدا عن التبعات الناجمة عن فقدان مئات النساء لأزواجهن أو أبنائهن، والمئات منهن ما زلن يعشن ظروفا صعبة نتيجة وجود معاق أو كثر في بيوتهن. كما تعرضت مئات النساء إلى التشرد خارج بيوتهن والعيش في الخيام أو بيوت الأقارب نتيجة هدم منازلهن ووقف حركة الإعمار والبناء بسبب الحصار الأمني والاقتصادي.
على المستوى الاجتماعي، تضررت المئات من النساء بسبب الضغوط النفسية والاجتماعية التي يعانيها الشعب الفلسطيني بسبب الانقسام، مما ساهم في زيادة معدلات العنف ضد المرأة، والتشتت العائلي ما بين مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث دفعت العشرات منهن ضريبة هذا الانقسام بطلاقهن من أزواجهن، سواء على خلفية الانتماء السياسي أو بسبب خروج أزواجهن بلا عودة من مناطق إقامة العائلة، خصوصا في قطاع غزة ، أو بسبب العنف الأسري الذي يتعرضن له. وعلى المستوى الاقتصادي، فإن سياسة إغلاق المعابر بين قطاع غزة والخارج وفصله تماما عن الضفة الغربية أثر على حياة السكان في القطاع على كافة المستويات، ودفعت المرأة ولا تزال الضريبة الأشد بحكم التزاماتها بمسؤوليات عائلية من جهة والضرر الواقع عليها كمواطنة من جهة أخرى، وقد فقدت الكثير من النساء أبناءهن وأزواجهن بسبب عملهم في الأنفاق الخطرة على الحدود ما بين قطاع غزة ومصر، بالإضافة الى تحملهن أعباء نقص الخدمات من انقطاع مستمر للتيار الكهربائي ونقص المحروقات وعدم توفر المواد الأساسية، خصوصا في حال اشتد الحصار وأغلق معبر رفح باعتباره البوابة الوحيدة لقطاع غزة.

عراقيل أمام الحركة النسوية

ساهم الانقسام في إطار الفصل الجغرافي والسياسي بالوطن في بروز عدد من المشكلات أثرت في البنية التنظيمية للحركة النسوية وكشف عددا من المشكلات، ومنها:
ـ تعرض عدد المؤسسات النسوية في قطاع غزة، ومنها مقر الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، للمصادرة والإغلاق، وهو ما أثر في قدرة هذه المؤسسات على الاستمرار في أداء دورها.
ـ تعرض الناشطات النسويات، خصوصا من حركة فتح، لتعطيل دورهن العملي بسبب القمع الذي مارسته الحكومة في غزة وحركة حماس.
ـ انقطاع التواصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، الأمر الذي شتت الحركة النسوية وبعثر جهودها، وجعل فكرة توحيد الخطاب النسوي من الصعوبة بمكان، خصوصا في ظل عدم قدرة الكادرات النسوية على الحركة والسفر من غزة إلى الضفة وبالعكس.
ـ انقسام المجلس التشريعي وتعطيل دوره أعاق تحقيق مطالب الحركة النسوية في تعديل القوانين على قاعدة العدالة والمساواة وضمان حقوق المرأة.
ـ تبعثر جهود الأطر النسوية الحزبية في ظل حالة الانقسام، لا سيما في قطاع غزة الواقع تحت تأثير الحصار السياسي، ما عزز الميل باتجاه أشكال من العمل الاجتماعي والدفاع الذاتي.
ـ ضعف التواصل بين المؤسسات والجمعيات النسوية بين قطاع غزة والضفة الغربية.
تتطلع الحركة النسوية اليوم إلى مستقبل أفضل للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، ولا شك في أنها، شأنها شأن القوى السياسية، منوط بها أن تؤدي دوراً مهماً وإيجابيا لتحقيق هذا المستقبل. وللنهوض بالحركة النسوية واستعادة دورها القوي والفاعل، فإن هذا يقتضي العمل الجاد لجهة تجاوز ما هو قائم من سلبيات وإعادة تنظيم الحركة النسوية انطلاقاً من مستوى التوافق النظري والأيديولوجي الفعلي بين الأطر المشاركة، والتي تقر بالتوجه نحو النظر لموقع المرأة كشريك أساسي للرجل في النضال والعمل والإنتاج والتنمية.

* كاتبة وناشطة نسوية مقيمة في غزة