| 

على الرغم من أن محافظة بيت لحم تعتبر من أكثر المدن الفلسطينية تميزا بالتنوع الاجتماعي والمؤسسي والديني والثقافي، إلى جانب تميزها باقتصادات السياحة والحجر والرخام، والموارد البشرية، إلا ان اقتصاداتها بالمجمل لا ترتقي إلى مستوى اقتصادات مدن أخرى مثل رام الله ونابلس والخليل، أو حتى جنين، فهي تعتبر من الأسواق الضعيفة قياسا على مدن الضفة الرئيسية، وتتميز سوقها بنسبة بطالة عالية. ويعتمد الاقتصاد في مدينة بيت لحم على قطاعات اقتصادية عدة، أهمها قطاع الموظفين، حيث يستوعب هذا القطاع 30% من القوى العاملة. وقد أظهرت نتائج المسح الميداني لتوزيع الأيدي العاملة بحسب النشاط الاقتصادي في مدينة بيت لحم (الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني)، أن قطاع الخدمات يأتي في المرتبة الثانية، ويستوعب 26% من الأيدي العاملة، ثم قطاع التجارة بنسبة 23%، وقطاع الصناعة بنسبة 18%، ومن ثم سوق العمل الإسرائيلية التي تستوعب 2% من الأيدي العاملة، فيما يحل أخيرا قطاع الزراعة بنسبة 1% ويوجد في مدينة بيت لحم عدد من النشاطات الاقتصادية أهمها صناعة الحرف اليدوية الشرقية (الصدف، خشب الزيتون ... الخ)، مناشير الحجر، مصانع الباطون والنسيج.
يقول الدكتور جاد اسحق، المدير التنفيذي لمعهد البحوث التطبيقة «أريج» أن الأوضاع الاقتصادية في بيت لحم تراجعت كثيراً «بسبب الاجراءات الإسرائيلية، حيث أن كثيراً من المواطنين فقدوا مصدر دخلهم الرئيسي، وأصبحوا عاطلين عن العمل، وهذا الوضع دفع العاطلين عن العمل إلى التوجه نحو العمل في مجال الخدمات»، علما بأن معدل البطالة في مدينة بيت لحم يصل إلى 27% بحسب أحدث الإحصاءات.
وتبلغ مساحة مدينة بيت لحم حوالى 10,611 دونما، منها 6,535 دونما هي أراض قابلة للزراعة، و1,373 دونما أراض سكنية. وتعتمد معظم الزراعة في بيت لحم على مياه الأمطار. أما المساحة المروية، فتعتمد على مياه الشبكة العامة. وتزرع فيها الأنواع المختلفة من الخضروات البعلية والمروية المكشوفة. وأهم أنواع الأشجار المثمرة هي الزيتون والحمضيات واللوزيات والتفاحيات والجوزيات وأنواع فاكهة أخرى، كما أن بعض سكان بيت لحم يقومون بتربية الماشية، والدجاج اللاحم والبياض، والنحل.


لتعليم

بلغت نسبة الأمية لدى سكان مدينة بيت لحم عام 2007، حوالى 3.4%، وشكلت نسبة الإناث 67.6%. ومن مجموع السكان المتعلمين، وكان هناك 12.4% يستطيعون القراءة والكتابة، و23.5% أنهوا دراستهم الابتدائية، و26.6% أنهوا دراستهم الإعدادية، و21.5% أنهوا دراستهم الثانوية، و15.6% أنهوا دراستهم العليا. وعلى صعيد مؤسسات التعليم للمراحل الأساسية والثانوية، فيوجد في المدينة 12 مدرسة حكومية تديرها وزارة التربية والتعليم العالي، و15 مدرسة خاصة تتولى إدارتها مؤسسات دينية، كما توجد مدرسة واحدة تتولى إدارتها وكالة تشغيل وغوث اللاجئين (الأونروا).
وفي ما يتعلق بالتعليم الجامعي، توجد في مدينة بيت لحم جامعاتان هما جامعة بيت لحم، وكلية فلسطين الأهلية الجامعية. كما توجد في المدينة كلية متوسطة واحدة، هي كلية مستشفى الكاريتاس للتمريض.

الخدمات الصحية

تعتبر الخدمات الطبية في مدينة بيت لحم متطورة بشكل جيد، حيث تتولى وزارة الصحة ومؤسسات غير حكومية وخاصة عاملة في القطاع الصحي الإشراف على هذا القطاع في المدينة. وتقوم هذه المؤسسات بتقديم خدماتها من خلال المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية. ويوجد في المدينة مستشفى حكومي واحد تابع لوزارة الصحة وهو مستشفى محمد سعيد كمال للأمراض النفسية، إضافة إلى وجود مستشفيين خاصين هما مستشفى العائلة المقدسة، ومستشفى الكاريتاس للأطفال. كما يوجد العديد من الجمعيات الخيرية والمؤسسات الطبية والعيادات الصحية الخاصة، حيث تمكنت هذه الجمعيات والمؤسسات بجهودها من أداء مهمات متعددة في مجال الرعاية الصحية والتنمية الاجتماعية.
وتعتبر بيت لحم من بين أوائل المدن الفلسطينية التي كان لديها مجلس بلدي محلي، حيث نظمت أول انتخابات للمجلس البلدي في عام 1872، ووصل تعداد سكانها في ذلك الوقت إلى 5000 نسمة.

الجمعيات والمؤسسات المحلية

بحسب معهد «أريج»، يوجد في بيت لحم عدد كبير من الجمعيات والمؤسسات المحلية يزيد على 120 مؤسسة تقدم خدماتها لمختلف فئات المجتمع، وفي عدة مجالات اجتماعية ثقافية وشبابية وفنية وكشفية ورياضية وغيرها، وهي تغطي احتياجات قطاعات واسعة من المجتمع المحلي، وأهمها إلى جانب بلدية المدينة: جمعية الاتحاد النسائي وتأسست عام 1947، وبدأت العمل في مجال الإسعاف الأولي للجرحى، وتوفر حاليا خدمات العلاج الطبي، ومراكز تغذية للأطفال وتلاميذ المدارس بالتعاون مع وكالة الغوث وجهات خيرية أخرى، ومؤسسة بسمة للثقافة والفنون وتأسست عام 1995 بهدف إحياء التراث الثقافي والفني والشعبي، ومساندة المرأة، والمركز الثقافي للأطفال وتأسس عام 1993 بالتعاون مع الجمعية العربية للتأهيل، و«هولي لاند ترست» وهي منظمة أهلية تأسست عام 1998 بهدف تقوية وتطوير المجتمع الفلسطيني، وجمعية شبيبة الأرض المقدسة وتأسست عام 1989 بهدف وقاية الشباب من المخدرات والأمراض الاجتماعية، والحفاظ على التراث الفلسطيني التلحمي، ووقف الهجرة، والجمعية الإبراهيمية الخيرية وتأسست عام 1985، وتهدف إلى تقديم الخدمات الاجتماعية والطبية والرياضية والثقافية لأهالي المنطقة، وجمعية رعاية اليتيم وتأسست عام 1997 لتوفير الاهتمام الشامل والرعاية النوعية لحوالي 1300 يتيم في المحافظة، ومركز التراث الفلسطيني وتأسس عام 1991 بهدف إحياء التراث الفلسطيني في العالم، وذلك من خلال العلاقات الوطيدة التي بناها المركز عربيا ودوليا، ونادي الأسير الفلسطيني وتأسس عام 1993، بمبادرة من المعتقلين أنفسهم، ومن منطلق حاجتهم إلى مؤسسة وطنية ترعى شؤونهم وشؤون أسرهم، ومركز السلام، هو مركز ثقافي، تأسس عام 2000، بهدف تنظيم النشاطات ذات العلاقة بالسلام والديموقراطية، والتسامح الديني والثقافة، وجمعية مشاغل تأهيل الفتيات وتأسست عام 1972 بهدف رفع المستوى الثقافي والاجتماعي والمادي لدى المرأة الفلسطينية، وغيرها الكثير من الجمعيات والمؤسسات غير الربحية.

مشكلات مستعصية

تعاني مدينة بيت لحم كغيرها من مدن وقرى المحافظة مشكلات كثيرة لا بد من معالجتها وإيجاد حلول لها، من أبرزها أزمة المياه، إذ تنقطع المياه لفترات طويلة في فصل الصيف عن أحياء كثيرة في المدينة. ويعود ذلك إلى أسباب عدة، أبرزها الهيمنة الإسرائيلية على مصادر المياه الفلسطينية، وبالتالي اعتماد سلطة المياه والمجاري بشكل كبير على شراء المياه من شركة «ميكوروت» الإسرائيلية لتزويد مدينة بيت لحم وغيرها من المدن والقرى التي تعمل على خدمتها بالمياه، مما يشكل عائقا أمامها في تنظيم ضخ المياه وتوزيعها بين التجمعات السكانية. لذا فهي تقوم بتوزيع المياه إلى المناطق المختلفة بشكل دوري، لأن كميات المياه المتاحة لا تكفي لسد احتياجات السكان (يبلغ معدل استهلاك الفرد من المياه في مدينة بيت لحم 95 لترا في اليوم، وهو معدل متدن مقارنة مع الحد الأدنى المقترح من قبل منظمة الصحة العالمية). وهناك سبب آخر يتعلق بارتفاع نسبة الفاقد في شبكة المياه. فعلى الرغم من قيام سلطة المياه والمجاري بإعادة تجديد جزء من الشبكة، وبناء خزانات جديدة، وتغيير عدادات المشتركين، إلا ان ممارسات بعض المواطنين المتمثلة بسرقة المياه، وتركيب الوصلات غير الشرعية، والعبث بالعدادات، تزيد من نسبة الفاقد.
إلى جانب ذلك، تعاني المدينة مشكلة إدارة المياه العادمة، إذ يتم استخدام الحفر الامتصاصية في الأحياء غير الموصولة بشبكة الصرف الصحي، وقيام بعض المواطنين بتصريف المياه العادمة في الشوارع العامة جراء عدم تمكنهم من تغطية التكاليف العالية اللازمة لنضحها، مما يتسبب بمكاره صحية وانتشار الأوبئة والأمراض داخل هذه الأحياء. كما أن استخدام هذه الحفر يهدد بتلويث المياه الجوفية، حيث أنها تبنى من دون تبطين، وذلك حتى يسهل نفاذ المياه العادمة إلى طبقات الأرض، وبالتالي تجنب استخدام سيارات النضح لتفريغ الحفر من وقت إلى آخر. وهناك أيضا مشكلة عدم معالجة المياه العادمة التي يتم تجميعها بواسطة شبكة الصرف الصحي في المدينة، حيث ان الجزء الأكبر منها ينساب في منطقة «وادي النار» دون الأخذ بعين الاعتبار الأضرار البيئية والصحية الناجمة عن ذلك.
أما فيما يخص إدارة النفايات الصلبة، فإن المشكلة الأبرز تكمن في عدم وجود مكب نفايات صحي ومركزي لخدمة مدينة بيت لحم والتجمعات الأخرى في المحافظة، وذلك يعود بشكل رئيسي إلى العراقيل التي تضعها سلطات الاحتلال الإسرائيلي أمام الهيئات المحلية والمؤسسات الوطنية، والتي تتعلق بإصدار تراخيص لإقامة مثل هذه المكبات، حيث أن الأراضي المناسبة لذلك تقع ضمن المناطق المصنفة (ج) والخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. كما أن تنفيذ مثل هذه المشاريع يعتمد على التمويل من الدول المانحة. وتجدر الإشارة إلى أنه يجري حاليا العمل على إنشاء مكب صحي للتخلص من النفايات الصلبة بحيث يخدم محافظتي الخليل وبيت لحم.

مشاريع للنهوض بأوضاع المدينة

تسعى بلدية بيت لحم بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني في المدينة وسكانها إلى تنفيذ عدة مشاريع خلال الأعوام القادمة، من أهمها تطوير البلدة القديمة وتأهيلها، لتصبح مرفقا سياحيا هاما، مع الحفاظ على طابعها التاريخي والتراثي، واستكمال بناء المدينة الصناعية بالتعاون مع بلدية بيت لحم، وإقامة مشاريع صناعية متوسطة، مثل مصانع الخشب، والألمنيوم وغيرها، وإنشاء منطقة صناعية لخدمة محافظة بيت لحم، وإيجاد أماكن ومنشآت ترفيهية لتنشيط السياحة الداخلية والخارجية، وإعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية لتلبية احتياجات المشاريع السابقة، واستكمال تسوية الأراضي، وتوسيع المخطط التنظيمي/الهيكلي لبلدية بيت لحم، وإيجاد آلية مناسبة لتسويق المنتجات المحلية، بحيث يحصل المنتجون المحليون على أسعار منصفة وعادلة لمنتجاتهم، وإنشاء مسلخ نموذجي وصحي، وإنشاء مكب صحي للنفايات الصلبة غير الخطرة، بحيث يخدم المحافظة بأكملها، واستكمال مشروع الصرف الصحي، وربط جميع الوحدات السكنية والمنشآت بالشبكة العامة، وإنشاء محطة مركزية لمعالجة المياه العادمة الناتجة عن المدينة والتجمعات المجاورة، والمتدفقة في «وادي النار»، وإعادة استخدام المياه المعالجة في مجال الزراعة، وإنشاء مدينة رياضية شاملة للنهوض بالمستوى الرياضي بين فئة الشباب، وبناء مكتبات وحدائق عامة. وكلها مشاريع ضرورية للنهوض بأوضاع المدينة إلى مستوى يليق بمكانتها التاريخية، ولتعزيز صمودها في مواجهة مخططات الاستيطان والمصادرة الإسرائيلية، لكن تنفيذها رهن أولا بالتغلب على عراقيل الاحتلال، وثانيا بتوفر الموارد المالية اللازمة.

* باحثة مقيمة في بيت لحم.