| 

السباحة هي انعتاق موقت للجسد البشري من الملابس أمام الناس، الأمر الذي يؤدي، بالتدريج، إلى تحول جذري في مفاهيم الحياء، وفي النظرة إلى الجسد الذكري والأنثوي معاً. والمعروف أن تقاليد السباحة لم تكن شائعة جداً في فلسطين مع أن كثيراً من مدنها وقراها تقع على الساحل. فأبناء يافا تعلموا السباحة بعد الحرب العالمية الأولى، تماماً مثل أبناء طرابلس الشام الذين كانوا يجهلون السباحة في البحر، ويكتفون بالسباحة في نهر أبو علي. وبــــعد فيـــــضان نهر أبو علي في سنة 1955 انهار هذا التقليد، وتحول النــــاس إلى السباحة البحرية. وفي فلسطين موســـــمان تاريخيان تختلط فيهما النساء بالرجال في طقوس مــــوروثة هما أربعاء أيوب والنبي روبين. وللأســـــف فإن موسم النبي روبين الذي كان يقام سنوياً بالقرب مــــــن مصب نهر روبين إلى الغرب من الرملة قد اندثر منذ النكبــــة في سنة 1948. وهذا الموسم هو طقس من طقوس الخــــصب (زفة النبي روبين) حيث تلتقي مياه النــــهر مياه البحر، وهو موسم ديني في شكله، لكنه، في مضمونه، مناسبة للتخفف من انضباط الحياة اليومية المحافظة للنساء والرجال معاً. أما موسم «أربعاء أيوب» فهو الرديف الإسلامي لعيد الفصح المسيحي، وهو يبدأ عند الغسق في آخر ثلاثاء قبل الفصح الـــــــشرقي، فيــــــقف الآلاف عند شاطئ غزة والعريش بانتظار أن يلامس قرص الشمــــــس سطح البحر، وما ان يحدث ذلك حتى يندفع الآلاف من النــــساء والرجال إلى المياه، ولا يخرجون منها إلا بعد المغـــــيب. وللأسف ثانية، فقد فتحت حركة الاخوان المسلمين (حــــــماس لاحقاً) معركة ضد احتفالات أربعاء أيوب، ولم ترَ فيها إلا إخلالاً بالحياء عند النساء، وملامسة غير مقبولة لجسد المرأة في مياه البحر (انظر: سليم تماري، الجبل ضد البحر، رام الله: مؤسسة مواطـــــــن، 2005). وقد نجح الاخوان المسلمون في إلغــــــاء هـــــــذه الاحـــــــتفالات بعد سنة 1982، أي بعد خروج م.ت.ف. من لبنان وانحـــــــسار دورها السياسي.
وفي 25/9/1990 دعت القيادة الموحدة للانتفاضة في بيان مشهور إلى التمسك بالحشمة، ودانت بكلمات صارمة مرتادي البحر مــــــن النساء. وكانت غزة أول مدينة متوسطية تمنع فيها سباحة النساء بمرسوم سياسي. فلا عجب، والحال هــــــذه، أن تتـــــحول النــــــساء إلى غطاء الرأس بعدما كن، في أوج صعود الثورة الفلسطينية، سافرات ومناضلات. ولا عـــــــجب أيضاً ان يرفـــــع في مخـيمات لبنان شعار «أختاه: حجابــــــك دمي» في الوقت الذي كان الجيش الإسرائيلي يفتك بالــــــناس في الضفة الغربية.