| 

على مسافة نحو 600 متر من مساكن مستوطنة «ألون شيفوت»، وهي مستوطنة صغيرة ضمن تجمع مستوطنات «غوش عتسيون» جنوب غربي بيت لحم، ويطمح نزلاؤها إلى ابتلاع أكبر مساحة إضافية من الأراضي، يواصل جمال جابر أسعد البقاء على «خط المواجهة» للذود عن غرفة وحيدة و34 دونما تملكها العائلة في «خلّة الفحم».
القصة التي تعيشها عائلة الفلسطيني جمال جابر من بلدة ارطاس جنوب المدينة (63 عاما) في مواجهة المستوطنين للدفاع عن أرض كونت معها عشرة طويلة من العيش والملح وتعلق الروح، تمثل في الواقع واحدة من قصص عديدة يعايشها الكثير من العائلات من بلدتي ارطاس والخضر وقرى صغيرة تمتد حقولها على التلال بين بيت لحم والخليل، حيث يواصل الاحتلال بدأب تنفيذ خطط قديمة/ جديدة لخلق تواصل يهودي «ديمغرافي» يساهم في جعل المستوطنات المقامة في المنطقة جزءا من مشروع «القدس الكبرى»، وهو مشروع كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكد المضي في تنفيذه خلال لقاء جمعه مع حشد من المستوطنين في «غوش عتسيون» خلال أيار/مايو الماضي. وقال المواطن جابر المقيم مع عائلته المؤلفة من 8 أشخاص في غرفة عتيقة فوق تلة بين مستوطنات «ألون شيفوت» و«أفرات» و«أليعازر» و«دانيال»(ينقل المياه إلى الغرفة في عبوات من بيت لحم)، في حديث لـ«ملحق فلسطين»، إنه تمكن في شباط من العام الماضي من استرداد الدونمات الـ 34 بعد مثابرته على متابعة اعتراض قانوني قدمه للمحكمة العليا الإسرائيلية، وذلك بعد عام و10 أشهر على احتلالها وطرده منها بالقوة من قبل مجموعة من المستوطنين، موضحا أن اعتداءات المستوطنين المتكررة عليه وعائلته، ومحاولتهم قتله وإضرام النار في الغرفة مرتين، وهدم مرحاض خارج الغرفة 4 مرات، ثم الاستيلاء على أرضه وطرده منها بالقوة قبل تحويل الغرفة حيث يقيم الآن إلى «كنيس» لتأدية طقوس يهودية، كل ذلك كان استند إلى ذريعة واهية ومثيرة للسخرية، مفادها أن «مجموعات من اليهود الأوائل كانت مرّت من هنا واستحمت في ينابيع بالمنطقة»!
أما أحمد صلاح، منسق لجنة مقاومة الاستيطان في بلدة الخضر التي أقيم على أراضيها عدد من المستوطنات ضمن ما يعرف بتجمع «غوش عتسيون»، بينها «أفرات» و«دانيال» و«اليعازر» و«سيدي بوعز»، فيقول إن سلطات الاحتلال تستهدف من «شد الخناق» على عائلة جمال جابر وأصحاب الحقول المجاورة، إفراغ «خلة الفحم» و«بيت اسكاريا» المتجاورتين (تضمان 5 منازل بنيت قبل العام 1967) من أي تواجد للمواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك بغرض زراعة الحقول والاعتناء بأشجارها، مشيرا إلى أن الانتهاكات الإسرائيلية بغرض التوسع الاستيطاني جنوب غربي بيت لحم، كما في مواقع أخرى شمال وشرق المحافظة، شملت خلال الأيام الأخيرة تدشين أول مبنى من الاسمنت المسلح في «سيدي بوزع». ولفت إلى أن القرار بالبناء في البؤرة الاستيطانية الصغيرة التي كانت في وقت سابق موقعا عسكريا سيطر على 300 دونم، يندرج ضمن خطة استيطانية أوسع نطاقا كان أعلن عنها قبل 6 أشهر وتقضي بتحويل 40 موقعا عسكريا في أنحاء من الضفة إلى «مستوطنات مدنية».
في الخضر المنكوبة بالاستيطان بدرجة أكبر قياسا إلى بلدات أخرى من المحافظة، قال صلاح إن الأنشطة الاستيطانية الجارية على قدم وساق فوق أراضي البلدة تشمل هذه الأيام ورشة بناء لإنشاء مدرسة دينية يهودية في الموقع الاستيطاني المسمى «هاتامار»، وهو موقع يضم نحو 50 منزلا نقالا «كرفانات»، وكان أقيم خلال السنوات الماضية وسيطر على 500 دونم في منطقة «باطن المعصي»، إضافة إلى بدء أعمال البناء في موقع «جفاعوت» بمنطقة «أم حمدين» الذي تبعد مساكنه 30 مترا فقط عن منازل المواطنين، مذكرا في هذا المجال بأن البلدة التي يزيد تعداد أهلها على 12 ألف مواطن ومنكوبة بالمستوطنات والشوارع الاستيطانية و«جدار الفصل»، باتت محاصرة في نحو ألفي دونم (منها 500 دونم مملوكة لـ«دير الخضر») من أصل 22 ألف دونم هي مساحة أراضيها الإجمالية قبل عام 1967. وأوضح في هذا الخصوص أن المستوطنات والشوارع الاستيطانية ابتلعت نحو 7 آلاف دونم، فيما يحتجز الجدار 13 ألف دونم، بينها 6 آلاف دونم مزروعة بالعنب واللوزيات ومختلف الأشجار المثمرة.
قال سهيل خليلية، مدير وحدة مراقبة الاستيطان في معهد الأبحاث التطبيقية «أريج»، في حديث لـ«ملحق فلسطين» بخصوص نشأة وتطور الاستيطان في بيت لحم ومحيطها منذ أعيد بناء مستوطنة «كفار عتسيون» بعد حرب حزيران 67 ثم إقامة «روش تسوريم» بعد عامين، أن «بلدة الخضر غرب المدينة تمثل في الواقع أبرز ضحية للتوحش الاستيطاني في المحافظة التي بلغت مساحتها قبل الاحتلال 608 كيلو مترات مربعة، وهي بفعل ذلك (الخضر) في طريقها إلى أن تغدو أقرب إلى «تجمع مكتظ بالسكان ومنزوع الأراضي». وبحسب خليلية، يقيم الاحتلال على أراضي محافظة بيت لحم (حتى الآن) 20 مستوطنة وأكثر من 19 بؤرة استيطانية تضم نحو 112 ألف مستوطن وتفرض سيطرتها الفعلية على 20 كيلو مترا مربعا، حيث أن هذه البؤر إما مرشحة للانضمام إلى مستوطنات قائمة أو التحول إلى مستوطنات جديدة، فيما تظهر المخططات الهيكلية للمستوطنات وجود خطط لتوسيع سيطرتها لتطال ما يزيد على 52 كيلومترا مربعا، موضحا أن البؤر الاستيطانية الصغيرة أقيمت ما بين عامي 1996 و2007، بينما تشير معطيات «أريج» إلى أن طول الشوارع الاستيطانية التي تم شقها في أراضي المحافظة وتلك المخطط لشقها يبلغ 122.66 كيلو مترا (بواقع مساحة قدرها 12.3 كيلو مترا مربعا).
في السياق ذاته، تشير بيانات «أريج» المتصلة بالاستيطان في محافظة بيت لحم إلى أن اتفاقية أوسلو الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية و«إسرائيل» عام 1993، خلقت تقسيمات إدارية صنفت بمقتضاها نحو 70 في المئة من أراضي المحافظة، وهي المناطق حيث تتركز الهجمة الاستيطانية، كمنطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، وهي تضم نحو 300 كيلو متر مربع شرق المحافظة (حتى البحر الميت) مصنفة باعتبارها «أراضي عسكرية مغلقة» و73 كيلو مترا مربعا من الأراضي باتت معزولة وراء الجدار.
على صعيد آخر، أظهرت البيانات أيضا أن مسار «جدار الفصل» الذي يتلوى في أراضي المحافظة بطول 86.1 كيلو مترا من مدينة بيت ساحور شرقا، مارا بالمدخل الشمالي لمدينة بيت لحم وعازلا لمستوطنة «هار حوما» المقامة على جبل أبو غنيم، ثم باتجاه الجزء الغربي من مدينة بيت جالا بغرض عزل مستوطنتي «جيلو» و«هار جيلو»، ثم باتجاه بلدات المحافظة الغربية: الولجة، بتير، نحالين، حوسان وواد فوكين، وصولا إلى مستوطنات «تجمع غوش عتسيون» جنوب غربي المحافظة، إنما يرسم في حال اكتماله وفق المخططات المعلنة أمرا واقعا يقضي بتمزيق المحافظة بما يضمن بقاء المستوطنات المقامة على أراضيها، وأكثر من ذلك، يراعي خطط توسعها مستقبلا في إطار «القدس الكبرى».
«الجدار» الذي أقامته قوات الاحتلال بذريعة «حماية الأمن الشخصي للإسرائيليين»، صممت مقاطعه المارة في أراضي محافظة بيت لحم بطريقة تعزل معها، إضافة إلى المستوطنات التي أقيمت في المحافظة، بلدات بتير وحوسان ونحالين ووادي فوكين، وخرب عفانة وبيت زكريا والبلوطة (تضم جميعها نحو 25 ألف مواطن)، فيما يحاصر بلدة الولجة ضمن طوق عازل من جهاتها الشرقية والشمالية والغربية، زيادة على تطويقها من الجهة الجنوبية بشارع «أمني» تحت سيطرة قوات الاحتلال، وبذلك يعزل الجدار المصمم بطريقة تضمن «النمو الطبيعي» للمستوطنات في إطار «القدس الكبرى» كما أشار مدير وحدة مراقبة الاستيطان في معهد «أريج» سهيل خليلية - نحو 160,647 دونما من أراضي المحافظة، بينها 113,836 دونما من الأراضي الزراعية و28,034 دونما من الأراضي المفتوحة، لافتا في السياق ذاته إلى أن وصول الكثير من المزارعين إلى حقولهم وراء الجدار، قد يخضع في المستقبل لجملة من القيود؛ كأن يطلب منهم إثبات ملكياتهم لها لدى «الإدارة المدنية» الإسرائيلية، أو بمقتضى تصاريح خاصة!
تبقى الإشارة، إلى أن سياسة التوسع الاستيطاني في محافظة بيت لحم، بما تشمل من شوارع استيطانية ومقاطع متصلة من «جدار الفصل» العنصري، كانت استندت عبر السنين منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، إلى مئات الأوامر العسكرية التي أصدرها جيش الاحتلال، وهي أوامر لم تكن في غالبيتها متاحة للاعتراضات القانونية، بينها كما تبين معطيات متوفرة لدى معهد «أريج» 146 أمرا قضت بمصادرة آلاف الدونمات، بما في ذلك 44 أمرا لصالح إقامة جدار الفصل و41 أمرا بغرض الاستخدامات العسكرية، حيث بينت الوقائع المتكررة أن تلك «الاستخدامات» مجرد ذريعة لتحويل مئات الدونمات إلى مواقع استيطانية، كما هو حال 300 دونم من أراضي بلدة الخضر حيث يجرى الآن بناء وحدات استيطانية من الاسمنت المسلح في»سيدي بوعز»!

* صحافي فلسطيني مقيم في مدينة الخليل.