| 

تعود جذور الحركة النسائية في فلسطين إلى ماقبل النكبة، وكانت أولى بوادر الحراك النسائي في فلسطين حين خرجت تظاهرة نسائية في العفولة في سنة 1893 احتجاجاً على إنشاء أول مستوطنة يهودية على أرضها، وشكلت هذه التظاهرة أول عمل نسائي منظم ضد الهجرة اليهودية إلى فلسطين، لينتظم بعد ذلك الجهد النسائي ويتبلور في الجمعيات النسائية التي بدأتها النساء المسيحيات، خاصة الأرثوذكسيات. وكانت أول جمعية نسائية قد ظهرت في عكا عام 1903 وسميت جمعية «إغاثة المسكين الأرثوذكسية» برئاسة نبيهة المالكي. كما أسست جمعيتان أخريان هما «عضد اليتيمات الأرثوذكسية» في يافا سنة 1910، وجمعية «الإحسان المسيحية» عام 1911. وكانت غاية هذه الجمعيات الاهتمام بشؤون المرأة الصحية والثقافية ورفع مستواها المعيشي. ثم توالى تأليف الجمعيات مثل رابطة النساء العربيات في القدس 1919، والاتحاد النسائي العربي في نابلس 1921 الذي أسسته مريم هاشم، والاتحاد النسائي في القدس 1928 برئاسة ميليا السكاكيني.
شاركت النساء عام 1920 في تظاهرة ضمت نحو 40 ألف متظاهر ضد وعد بلفور في القدس. وكان للمرأة الفلسطينية شأن مهم في التظاهرة ضد زيارة تشرشل القدس في 28/3/1921.
تميزت الحركة النسائية خلال العشرينيات وبداية الثلاثينيات بتمركزها في المدن الكبرى مثل القدس وعكا ويافا ونابلس، وضمت النساء المتعلمات من الطبقة العليا والوسطى اللواتي كنّ في معظمهن قريبات أو زوجات لقادة الأحزاب الفلسطينية آنذاك. ومع هذا لم تصل أي امرأة لأي منصب قيادي أو حتى تشترك في الهيئات التأسيسية أو القيادية للأحزاب الفلسطينية التي اقتصرت مناصبها وزعامتها على الرجال وحدهم.
شكلت ثورة البراق 1929 التي ألهبت المشاعر الوطنية الفلسطينية؛ دفعة جديدة للحراك النسوي الفلسطيني. فعقد، في إثرها، أول مؤتمر نسائي في القدس وهو المؤتمر النسائي الفلسطيني والعربي الأول. حيث فتحت السيدة طرب عبد الهادي زوجة السياسي المعروف عوني عبد الهادي في 21/1/1929 بيتها لاستقبال وفود النساء الفلسطينيات اللواتي وصل عددهن الى 300 امرأة من مختلف أنحاء فلسطين. ترأست المؤتمر السيدة زكية الحسيني، والسيدات محفوظة النابلسي وكاترين شكري ذيب ومتيل مغنم. وقد بحث المؤتمر قضيتين أساسييتين: الهجرة اليهودية وتمليك الأراضي لليهود. وشكلن وفداً زار المندوب السامي وزوجته وقدمن عريضة طالبن فيها بإلغاء وعد بلفور ومنع الهجرة اليهودية، كما تضمنت احتجاجاً على إساءة الشرطة معاملة السجناء العرب وطالبن بإقالة المسؤولين عن تعذيب السجناء. وقد رفضت بعض عضوات الوفد شرب القهوة التي قدمها المندوب لهن، بحجة أنهن لا يشربن القهوة إلا في بيوت الأصدقاء. وبعد نهاية المؤتمر غادر الوفد بسيارت بلغ عددها ثمانين سيارة، جابت شوارع القدس كتظاهرة احتجاجية على رفض المندوب السامي السماح لهن بالقيام بتظاهرة احتجاجية ضد السياسات الانتدابية.
شكلت ثورة عام 1936- 1939 بداية المشاركة الشعبية النسائية التي ما عادت تقتصر على النخبة وحدها. حيث أدت النساء الريفيات دوراً أساسياً في دعم الثورة من خلال تقديم المساعدات للثوار في الجبال، وسقط منهن عدد من الشهيدات، كما حُكم على كل من السيدات صبيحة الجلاد من طولكرم ولطيفة المغربي وهنا عودة بالسجن ما بين 5 و7 سنوات بتهمة حيازة السلاح. في حين اقتصر نشاط نساء المدن على الأعمال الخيرية والمؤتمرات الشعبية والعربية والقيام بالتظاهرات.
أسهمت الحركة النسائية في فضح السياسة الانتدابية وطالبت بتأييد الشعب الفلسطيني؛ مثل البرقية التي أرسلتها جمعية الاتحاد النسائي في عكا إلى الحركة النسائية في مصر تلوم فيها شعب مصر لعدم فعل شيء لفلسطين في محنتها وخاصة بعد توصيات لجنة بيل لتقسيم فلسطين. جاء في البرقية: « أتتركونا وحدنا وفيكم لسان يتكلم وقلب ينبض؟ أتتهود الأرض المقدسة وفي مصر خمسة عشر مليوناً من المسلمين؟
مع النكبة الفلسطينية اندثر الكثير من الجمعيات والاتحادات النسائية، وتحول نشاط النساء، ولا سيما في الشتات الجديد، الى السياسة، علاوة على الأعمال الخيرية والإنمائية، وبدأ عصر جديد في تاريخ النساء الفلسطينيات.

كاتبة سورية