| 

كانت السمة الرئيسة لنضالات المرأة الفلسطينية في مرحلة ما بعد النكبة، وبالتحديد في الخمسينيات وحتى منتصف الستينيات من القرن الماضي هي الانتظام في الجمعيات والروابط والاتحادات، خاصة أن عمل النساء الاجتماعي السياسي المنظم ترافق في تلك الفترة مع بروز الطابع السياسي للعمل، فكانت النضالات النسوية الفلسطينية ضمن تنظيمات سياسية حزبية، فأُسست الجمعيات والروابط والاتحادات التي تعنى بتنظيم عمل النساء السياسي النقابي الاجتماعي، فمنها ما استمر في الاسم، مثل «جمعية النهضة النسائية» في أراضي 1948، ثم تغير اسمها في وقت لاحق إلى «حركة النساء الديمقراطيات»، ومنها ما توقف بعد حظره مثل «رابطة الدفاع عن حقوق المرأة في القدس وأريحا»، ومنها ما استمر في العمل يحمل بالاسم ذاته مثل «الاتحاد النسائي العربي الفلسطيني في لبنان». وهي محطات تناولتها الباحثة والمؤرخة فيحاء عبد الهادي في سلسلة كتب عن التجربة النضالية والسياسية ومشاركة المرأة الفلسطينية، وتطور أدوارها، منذ الثلاثينيات من القرن الماضي، بما فيها الفترة الواقعة بين النكبة والنكسة.
أُسست جمعية النهضة النسائية بعد النكبة بأشهر قليلة، وبالتحديد في تشرين الثاني/ نوفمبر 1948، حين أحست النساء بضرورة تأسيس إطار عمل منظم، يمكنهن من العمل السياسي لرفع وعي المرأة سياسياً، ونقابياً، واجتماعياً، واستجابة لأهدافها ورؤيتها لعلاقة العمل الاجتماعي بالعمل الوطني والسياسي. وعملت الجمعية منذ تأسيسها على تنظيم المحاضرات السياسية، وفتح صفوف محو الأمية، ومشاغل خياطة وتطريز يدوي لتدريب المرأة على العمل الإنتاجي، بالإضافة إلى التثقيف حول قضايا المرأة والطفل، إلا أن اسم الجمعية تغير في العام 1951 إلى «حركة النساء الديمقراطيات»، حيث ضمت نساء يهوديات تشتركن في الرؤية والأهداف مع النساء العربيات. ومثلما غيرت النساء العربيات اسم «جمعية النهضة النسائية»، غيرت النساء اليهوديات، اسم «جمعية النساء التقدميات»، وأسسن معاً «حركة النساء القوميات»، وفق سميرة خوري، إحدى الناشطات في الحركة التي لا تزال قائمة، وزميلتها ابتهاج خوري، التي أشارت إلى أنه كان لسميرة خوري (أم جابر) شأن كبير في تأسيس الجمعية أو الحركة.
في عام 1951، أُسست «رابطة الدفاع عن حقوق المرأة» في القدس، ثم في أريحا، وهي مؤسسة نسائية تقدمية نشأت بالتزامن مع تأسيس الحزب الشيوعي الأردني في العام نفسه، حيث عملت في مجالي السياسة وحقوق المرأة، لكنها لم تحصل على ترخيص من السلطات الأردنية، آنذاك، ومع ذلك استمرت في العمل حتى عام 1975، وفق سحاب حسني شاهين، التي أشارت إلى أن التأسيس كان بالاتفاق مع «خلايا ماركسية في شرق الأردن»، وأُسست الجمعية التي لا تزال يحمل اسمها جسم نسائي في العاصمة الأردنية عمّان.
في نهاية الأربعينيات، أُسست جمعية رابطة السيدات الفلسطينيات في سوريا برئاسة طلعت الغصين من القدس، وفق ما أشارت إليه آمنة الشناوي، إحدى المنتسبات للجمعية، في دراسة صدرت عن مركز المرأة الفلسطينية للأبحاث والتوثيق، وكانت نشاطاتها تتمحور على العمل التربوي، حيث أُسست مدارس للاجئين الفلسطينيين، بعضها أغلق من السلطات السورية، بالإضافة إلى نشاطات نسوية، لافتة إلى أن العاملات كن متطوعات. وفي أوائل الخمسينيات، تأسست الجمعية النسائية الفلسطينية في سورية، وتركز عملها في الميدان الثقافي والطبي، حيث كانت تدرب طالبات المدارس على الدفاع المدني والإسعافات، تدريباً نظرياً وعملياً، بالإضافة إلى النشاط الثقافي، الذي أدارته رئيسة الجمعية الصحافية ساذج نصار، وفق ما أشارت إليه لوسيا توفيق حجازي، التي كانت في الصف العاشر، واستفادت من نشاطات الجمعية. في الفترة نفسها أُسست جمعية سيدات الخليل، لتنظيم أنشطة اجتماعية ثم تقديم خدمات اجتماعية ذات طابع سياسي غير مباشر.. ووفق مكرم القصراوي، فقد امتد إلى نابلس والقدس، وكانت أم عبد شاكر عمرو من أوائل المبادرات لتأسيسها، لتكون أول جمعية نسوية في تاريخ الخليل ربما، ومعها خديجة عابدين، وسهام طبيلة، ووصفية الجريدلي، ولطفية أبو ليلى، ومنور العلمي. وبدأت عملها في مجال العمل الصحي، ثم توسعت نحو تقديم خدمات اجتماعية ومهنية، وأحياناً «سياسية سرية»، دون توضيح معالمها. أما الاتحاد النسائي العربي الفلسطيني في لبنان، فأُسس عام 1952، وقام بنشاط اجتماعي سياسي، تطور في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، وامتد حتى اليوم. في تلك الفترة شاركت النساء بكثافة في التظاهرات السياسية، وأبرزهما تظاهرة إسقاط حلف بغداد عام 1954، والتظاهرة ضد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، والتي تصفها عصام عبد الهادي، رئيسة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية منذ تأسيسه في العام 1965، بالتاريخية، حيث كان للنساء شأن فاعل في تحريك الشارع، وتنظيم التظاهرتين اللتين أدت إحداهما إلى إسقاط حلف بغداد.
ووقعت الناشطة رجاء أبو عماشة شهيدة في القدس، وهي تنزل العلم البريطاني من على السفارة البريطانية، كما هاجمت المتظاهرات سفارة تركيا لانضمامها إلى حلف بغداد، ودفنت في أريحا. وازداد عدد النساء اللواتي ساهمن في نقل المنشورات، منذ منتصف الخمسينيات، مع ازدياد انخراط المرأة في العمل الحزبي، وامتد عملهن إلى طباعة المنشورات، وتنظيم توزيعها. ومع ازدياد تعليم النساء ووعيهن السياسي، أصبحن يساهمن في كتابة المنشورات وتحرير الصحف الحزبية، وفق نهى قسيس نوفل، التي أدلت بشهادتها في الدراسة الآنفة الذكر. في الخمسينيات وحتى ما قبل احتلال عام 1967، كان للنساء دور بارز في التوعية السياسية، حيث شاركن في العديد من المحاضرات والندوات الثقافية، ومنها دورات محو الأمية ودورات الإسعاف، كما شاركن في المؤتمرات الفلسطينية المحلية، والمؤتمرات العربية، من دون أن تجدن الصعوبة ذاتها، التي صادفتهن في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن نفسه، ومن بين هذه المؤتمرات المجلس الوطني الفلسطيني الأول في القدس عام 1964، وفق شهادة حلوة جقمان.
وكان للفلسطينيات شأن تنظيمي مهم في بعض الأحزاب السياسية العربية، فاستمر عمل المرأة ضمن صفوف الحزب الشيوعي الأردني، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وبرزت مشاركتها ضمن حركة القوميين العرب منذ منتصف الخمسينيات.
أُسست لجنة المرأة في حركة فتح، بالتزامن مع تأسيس الحركة عام 1965، وأشارت سلوى حلمي أبو خضرا التي شاركت في نقاشات بالكويت بشأن ضرورة تأسيس تنظيم فلسطيني الانتماء، إلى أن إرهاصات ولادة حركة فتح كانت من خلال لقاءات عقدت في إحدى مدارس الكويت، لافتة إلى أن النشاط النسوي في بدايات «فتح كان لافتاً، متحدثة عن الدور البارز لنبيلة النمر القدومي (أم اللطف).
وفي الستينيات أيضا، أُسست منظمات وحركات وجمعيات نسوية فلسطينية في عدد من العواصم العربية كرابطة المرأة الفلسطينية في القاهرة عام 1965 التي أسستها سميرة أبو غزالة، والتنظيم النسائي الفلسطيني في الكويت عام 1963، وكان بمبادرة مجموعة من النساء بينهن سلمى الخضراء الجيوسي، ونبيلة القدومي، وغادة القدومي، وسلوى الخطيب، واتحاد المرأة الفلسطينية في العراق بمبادرة من وديعة قدورة خرطبيل. وفي الأراضي الفلسطينية، أُسس الاتحاد النسائي الفلسطيني في غزة عام 1964 برئاسة يسرى البربري، وجمعية المرابطات الخيرية في قلقيلية عام 1960 برئاسة ابتهاج نزال، والأبرز تأسيس الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية عام 1965، برئاسة عصام عبد الهادي. عن تأسيس الاتحاد، قالت عبد الهادي: بعد عام من نشوء منظمة التحرير وجدنا أن لا بد من وجود لفرع نسائي أو جناج نسائي للمنظمة، وهنا تشكلت لجنة تحضيرية لتوحيد جهد النساء الفلسطينيات في الداخل والخارج، خاصة أنه بعد النكبة خرجت العديد من القيادات النسوية اللواتي كن يعملن داخل الوطن إلى الدول المجاورة وشكلن هناك هيئات نسائية، متل جمعية العائدات في دمشق وأسستها سعادة الكيلاني، ورابطة المرأة الفلسطينية في مصر وأسستها سميرة أبو غزالة وغيرهما من الهيئات والجمعيات التي تشكلت في عدة دول عربية. وأضافت عبد الهادي: تشكلت لجنة تحضيرية للاتحاد من سعادة الكيلاني، وسلمى الخضراء الجيوسي، وسميرة أبو غزالة، ووديعة خرطبيل، وغيرهن، فاجتمعنا على أرض الوطن مع ممثلات للهيئات النسائية في الداخل، من أجل تأسيس هذا الاتحاد، بالتعاون مع الهيئات النسائية في داخل الوطن وخارجه، ومع دائرة التنظيم الشعبي في منظمة التحرير الفلسطينية. وبذلك كان ولا يزال الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية تنظيما شعبيا نسائيا ديمقراطيا، وممثلا شرعيا للمرأة الفلسطينية.

* صحافية فلسطينية مقيمة في مدينة رام الله