| 

في اللحظة التي انتقلت فيها هيئات الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية إلى أرض الوطن بعد أوسلو، لمس الاتحاد التحديات النوعية التي تنتظره في المرحلة النوعية الجديدة، بدءا من بناء الاتحاد في الساحة الأهم وهي ساحة الوطن، مرورا بتحدي توحيد المرأة الفلسطينية ما بين داخل الوطن وخارجها، وليس انتهاء بالقيام بالتطويرات اللازمة على برنامجه ونظامه الداخلي وبما يلبي الواقع الجديد، الذي باتت ترسم معالمه اتفاقيات انتقالية أسست لواقع مختلف، يتمثل في استمرار وجود الاحتلال وسيطرته على الأرض والموارد، مع نشوء كيان تديره السلطة الفلسطينية التي أسندت لها الاتفاقيات بعض الصلاحيات التشريعية والتنفيذية والإدارية. وفي ظل هذا الواقع، كان لا بد من الامساك بالبرنامج الذي يجمع ما بين المهمات الوطنية والمهمات ذات الطبيعة الاجتماعية والديمقراطية.
كانت أمام الاتحاد العام للمرأة تحديات تنظيمية تتمثل باستحقاق توحيد هيئات الاتحاد ما بين الداخل والخارج، ووضع الآليات المناسبة لعملية دمج الهيئات، لا سيما تلك العائدة من الخارج (أغلبية عضوات الأمانة العامة والمجلس الإداري) مع الهيئات المعتمدة كهيئات مسؤولة في كلٍ من الضفة الغربية وقطاع غزة. وكان عليه كذلك الوقوف أمام تباين الأسس المعتمدة في بناء وتشكيل هيئات الاتحاد في الخارج عن تلك الأسس المعتمدة في الداخل. حيث اعتمدت ساحات الخارج، في لبنان وسوريا ومصر والعراق والإمارات والكويت والجزائر والسودان واليمن وتونس وغيرها على التنسيب الفردي المباشر، بينما اعتمد الاتحاد في الداخل في تشكيل هيئاته على التنسيق بين مختلف الأطر والجمعيات النسائية القائمة ككتل جماعية نظرا لطبيعة الأوضاع السائدة وظروف العمل السري.
لذلك، كان على قيادة الاتحاد إعادة الاعتبار لعمل الاتحاد في الوطن، من دون الوقوع في المحذور المعاكس لما وقع أثناء تركيز ثقل عمل الاتحاد في الخارج، وتهميش الداخل الذي كان يتم العامل معه كفروع.

بين 1994 والمؤتمر الخامس 2009

لم تكن مسيرة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية وردية كما بدت على صعيد التوجهات النظرية، بل صادفت عثرات موضوعية ذات صلة بانعكاسات الواقع الوطني تحت الاحتلال، والعثرات الذاتية المتعلقة ببنية الاتحاد وقدرته على الولوج والانخراط في الواقع الجديد من موقع التأثير به. لقد عمل الاتحاد على تكييف برنامجه ومهماته بما يتناسب مع الواقع الجديد وتطوراته، لكن مجمل التطويرات لم تنعكس في الميدان لجهة تفعيل دور القاعدة وتحقيق الجماهيرية المنشودة.
لقد قام الاتحاد بحل مسألتين لا غنى عنهما: تتمثل الأولى بإجراء التعديلات اللازمة على النظام الداخلي، وبما يمكن من التعامل مع كل محافظة وجعلها بمثابة فرع للاتحاد. والثانية: إقرار صيغة التنسيب الفردي لعضوية الاتحاد، وتشكيل لجان تحضيرية تمهيدا لعقد المؤتمر العام في أيار 2009 بعد خمس وعشرين عاما من عقد المؤتمر العام الرابع، وخمسة عشر عاما من عودة أطر الاتحاد القيادية، متمما انتخاب المجلس الإداري الذي وازن بين الساحات الرئيسية.

ما بعد المؤتمر

يحسب لاتحاد المرأة انفراده بالاستجابة لقرار المجلس المركزي لمنظمة التحرير الذي دعا المنظمات الشعبية إلى عقد مؤتمرتها العامة، من خلال عملية التحضير التنظيمية وتجديد الهيئات بالانتخاب من القاعدة وصولا لعقد المؤتمر العام، بما في ذلك إقرار التوجهات البرنامجية والتعديلات على النظام الداخلي. وعلى الرغم من الإيجابيات المسجلة للاتحاد، إلا أن العملية كانت منقوصة، حيث لم يتمكن الاتحاد من بناء جميع الهيئات الوسيطة المستهدفة، وهي الهيئات المسند لها تولي مهمة التواصل مع القاعدة الواسعة وتمتين العلاقة معها، واشتقاق المهام وتلمس الاحتياجات معها، ومن أجل رفع وعيها بحقوقها ودرجة اهتمامها بالمهمات وانخراطها بها.
أنجزت المؤتمرات مهماتها التنظيمية، لكن لوحظ في تقييم تجربة الأداء، أن اختيار عضوات الهيئات القيادية لم يكن الاختيار الأصوب والأكثر ملاءمة ودقة لطبيعة المهام المنوطة بها، الأمر الذي أدى إلى تعثر خطة استكمال بناء الاتحاد التي رفع شعارها الاتحاد، وعدم قدرته على استنهاض قاعدته وتفعيل الدور الوطني للنساء في المقاومة الشعبية، إذ تميز بالتقطع والموسمية والمناسباتية. ولكن في الوقت ذاته، يسجل للاتحاد قيادته للحركة النسائية باتجاه وضع واقتراح السياسات والتدخلات الكفيلة بتطوير مشاركة المرأة وترؤس الاتحاد لإئتلاف قانون الأحوال الشخصية وعضويته في الائتلاف الوطني لقانون العقوبات والتقدم بالتعديلات القانونية عليهما، كما ظهر نفوذ وقوة الاتحاد في قيادته لحملة الضغط والتعبئة من أجل تبني «الكوتا» في القوانين الانتخابية، وهو الأمر الذي تحقق بنجاح.

آليات من شأنها تحقيق الهدف

ولاستكمال مسيرة استنهاض الاتحاد العام للمرأة، ثمة آليات لا بد من اعتمادها على الصعيد التنظيمي، من أبرزها:
1- دعم أي توجهات تسعى لتوسيع دائرة المنتسبات للاتحاد في كافة فروعه في الداخل والخارج، ويمكن الاستفادة من أنشطته المختلفة لتفعيل هذا الاستهداف.
2- إقرار صيغ مرنة لتنسيب العضوات لدى الفروع في جميع الساحات، بما فيها تخفيف معايير ومقاييس العضوية.
3- العمل لتحقيق صيغة مع الأطر والمؤسسات النسوية المختلفة، وبما يكرس الاتحاد مظلة وطنية ونسوية عامة لها، وبدون أن تنتفي أو تنتهي الهوية الخاصة لكل منها.
4- الأمر الذي لا يقل أهمية عن تفعيل دور الاتحاد يتجسد بتحديد الأولويات مع النساء من مختلف المواقع من أجل اشتقاق المهام ذات الاحتياج والأولوية بعيدا عن الاسقاطات الذهنية النخبوية.
5- دمقرطة الحياة الداخلية عبر بناء الهيئات الوسيطة «المحلية والمناطقية»، وتجديد بنية الاتحاد باستهداف تنسيب الحالات الشابة والفئات الاجتماعية كالعاملات والمهنيات والطالبات.

الاتحاد العام للمرأة الى أين؟

يتضح من التجربة العملية التي خاضها الاتحاد العام بأنه حقق نجاحا نسبيا في تجاوز أزمته المتمثلة بأزمة البرنامج الذي يعكس الهموم الوطنية والاجتماعية للنساء، أو في تجاوز أزمة الأداة القيادية وتجديدها. إلا أن النتائج المتوخاة، لم تأتِ كما كان مأمولاً منها على صعيد دور الاتحاد الجماهيري والوطني، وعلى صعيد حيويته في التعامل مع القضايا النسوية. إن متطلبات استكمال البناء في السياق الفلسطيني تستدعي الخروج بالتفكير من الصناديق المغلقة والمساحات المريحة في كنف «الكوتا» ومظلة الدور التاريخي الماضوي، واستيعاب مستجدات الواقع الفلسطيني واستحقاقاته وبما يفضي إلى اشتقاق البدائل للوصول الى استعادة الدور والوحدة.
ولا شك في أن أي إنجاز وطني على صعيد استعادة الوحدة الوطنية سينعكس تلقائيا على اتحاد المرأة، دون تجاهل دواعي التطوير والتغيير في خدمة الغرض. ولحين ذلك، ودون استباق للأمور المتحركة على الصعيد السياسي، يمكن التفكير بالسيناريوهات التالية لتطوير هيكلية الاتحاد:

السيناريو الأول:
الاعتماد على التنسيب الفردي والتمثيل النسبي

اعتمد المؤتمر الخامس قرار التنسيب الفردي بهدف توسيع قاعدة الاتحاد الجماهيرية، للخروج من الدائرة النخبوية، بل والتمسك بتنسيب النساء بغض النظر عن انتماءاتهن السياسية والاجتماعية. وهذا الاقتراح الذي تؤيده الفصائل السياسية والأطر النسوية يعتمد على حملة تنسيب شاملة من جهة، وعلى إيجاد الصيغ الوسيطة التي تتمكن من ربط الجمهور بهيئات الاتحاد على مستوى المحافظة من جهة ثانية.
ايجابيات التنسيب الفردي عديدة، منها قدرة الاتحاد على التحول إلى اتحاد جماهيري، وبما يمكنه من توسيع هيئاته الوسيطة ونقل مركز الثقل على الهيئات الوسيطة والمنظمات القاعدية، والتخفيف من اتساع الفجوة والبعد بين الهيئات القيادية والقاعدية وجسر العلاقة بينها بعدما تم تحويل المنتسبات إلى مجرد أوراق انتساب، ليس من فائدة لها سوى استخدامها في تحسين وضع الأطر النسوية في مفاوضات تشكيل الهيئات والمحاصصة اعتمادا على ما جرى في انتخابات 2009.

السيناريو الثاني:
صيغة التنسيق بين الأطر والجمعيات

هذا الاقتراح بديل من آلية التنسيب الفردي التي تجد مبرراتها في التجربة العملية التي سجل عليها عدد من الانتقادات. لقد مثلت تجربة التنسيب الفردي أداة قياس للتقويم وتوسيع قاعدة الاتحاد التي نشطت بها الأطر النسوية عبر تنسيب اعضائها وإطارها، بينما لم تتمكن المستقلات من المنافسة فبقيت تنسيباتهن نادرة ومحدودة لا تتعدى 1% من عدد منتسبات الاتحاد البالغ نحو مائة ألف عضوة في الضفة الغربية.
يجد هذا الاقتراح مبرراته من البيئة التي يعمل بها الاتحاد، بوجود عديد البنى النسائية؛ الجمعيات والمراكز والمؤسسات النسوية، مختلفة التوجهات والتخصصات، وبخاصة في الوطن، وكذلك في لبنان، وربما ينطبق هذا على الساحة الأردنية ذات الخصوصية والاعتبارات السياسية. كذلك، فالاتحاد موجود إلى جانب الأطر النسائية التابعة للفصائل السياسية التي تستهدف تنظيم النساء في بنى وهياكل عامودية من القاعدة للقمة وفقا لبرامجها ومنطلقاتها، وتستهدف توسيع حجمها ونفوذها وانتشارها الجغرافي.
وعلى الرغم من تباين الأدوار لمنظمة التحرير عن قواعدها الجماهيرية ممثلة بالمنظمات الشعبية، حيث لا تقوم منظمة التحرير بتنظيم الشعب في أطرها، وتوكل المهمة للأحزاب والفصائل، إلا أن المنظمة تعبر عن الفلسطينيين ككيان سياسي تمثيلي لهم. لذلك، لم لا يكون الاتحاد اطارا تمثيليا للنساء دون تنظيم مباشر لهن، بل يعمل على وضع السياسات الوطنية والاجتماعية العامة التي تقوم بتجسيدها الأطر النسائية وتطبيقها والدعوة لها والتثقيف والتوعية بها مع باقي المكونات النسائية. وبالتالي، يتم وفق هذا السيناريو انتساب الأطر والجمعيات النسائية ككتل في الاتحاد، ويعبر برنامج الاتحاد المتوافق عليه عن الموقف النسائي الفلسطيني ويسعى لتكريس دوره كحركة اجتماعية للنساء وكمعبر عن مصالحهن وهمومهن.

السيناريو الثالث
الجمع بين الصيغة التنسيقية والتنسيب الفردي:

إن واقع وجود الجمعيات النسائية تاريخي ومعروف، ويشهد لها تقديم خدمات إغاثية وتوعوية وإقامتها مشاريعاً تنموية، كان من شأنها توفير فرص عمل للمرأة وتعزيز صمودها، عدا عن مساهمتها في التوعية وتعريف المرأة بحقوقها المختلفة. ومن هنا، فإن وجودها في عضوية الاتحاد كجمعيات ومراكز تتنسب إليه ككتل جماعية، وتمكينها من المشاركة في قيادته عبر الانخراط في بناه التنظيمية وفي رسم توجهاته وسياساته، مع محافظتها على كيانها وفقا لنظامها وترخيصها، سيحقق فائدة متبادلة بينهما، فالاتحاد سيستفيد من مشاريع الجمعيات وبرامجها، كما ستتمكن الجمعيات من خلال عضويتها بالاتحاد من المشاركة في رسم التوجهات النسوية والوطنية العامة، وفي إقرار الخطط عبر المشاركة ضمن صيغة تنسيقية.
أما ما يخص العضوية الفردية، فهي مهمة الأطر النسوية العاملة على تنظيم النساء والمستقلات، فقد شاركت الأطر والمستقلات في تأسيس الاتحاد وأعطته طابعه وهويته الجماهيرية والوطنية والسياسية كأحد قواعد ومكونات منظمة التحرير الفلسطينية، وبعد قيام السلطة الوطنية استمرت الأطر بمشاركة المستقلات في قيادة الاتحاد وتحمل مسؤولية استكمال بنائه، من خلال مشاركتها في تحمل أعباء عملية التنسيب الفردي وإعادة تموضعه في السياق النسوي والوطني في ظل المتغيرات التي حصلت بعد قيام السلطة الوطنية.
وعليه، تشكل هيئات الاتحاد على أساس الجمع بين عضوية ممثلات الجمعيات والأطر النسوية التي تضمن أوسع مشاركة لمكونات الحركة النسائية الفلسطينية، وتحافظ على خصوصية الاتحاد وسماته الجماهيرية المميزة كمنظمة شعبية من جهة، والبعد التخصصي من خلال الجمعيات والمراكز النسوية.

انضواء رابطة المرأة المسلمة في الاتحاد

في أعقاب الانتفاضة الثانية، تم تشكيل لجان طوارئ بقيادة الاتحاد العام وبمشاركة الجمعيات الكبيرة في عضويتها، ومنها رابطة المرأة المسلمة. ولكن لوحظ تفضيل الرابطة تنظيم الأنشطة الموازية للأنشطة التي تقوم بها لجنة الطوارئ.
ومن هنا، يسود اعتقاد عام أن ليس لدى الرابطة النية في أن تكون جزءا من الاتحاد، بل تقدم نفسها كإطار موازٍ ومنافس للاتحاد الذي أسس في عام 1965. وهو الأمر الذي خلق اعتقادا عاما بأنه ليس في وارد الرابطة الاندماج في الاتحاد، كما سجلت التحفظات على التسمية «المسلمة»، لحملها دلالات أيديولجية!
ووفقا للنظام الداخلي، فإن الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية يتوجه بالعضوية إلى جميع النساء الفلسطينيات بغض النظر عن انتماءاتهن ومعتقداتهن الفكرية أو السياسية، ويفتح أبوابه أمام الراغبات في الانتساب لعضويته ويوافق عليها بشروط مرنة ومخففة تقتصر على الموافقة والالتزام بالنظام الداخلي والبرنامج السياسي المشتق من برنامج منظمة التحرير، وببرنامجه الاجتماعي التحرري والمرجعيات التي يستند إليها في منطلقاته ممثلة بوثيقة الاستقلال، التي تحدد هوية النظام السياسي وبناء دولة القانون والمواطنة والمساواة، والموافقة على التزامات الاتحاد وانضمامه إلى الوثائق الدولية ذات العلاقة بالمرأة.

* عضو الأمانة العامة للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية.