| 

لعل أهم نجاح حققه الحراك النسوي الفلسطيني في مناطق 1948 خلال الأعوام الأخيرة كامن تمكنه من فرض نفسه على الخطاب السياسي العام. فقد استطاعت الجمعيات النسوية المتعددة في الفكر والممارسة أن تتحدى الهيمنة الذكورية على الحيّز السياسي من جهة، والتيار الأصولي المتصاعد من جهة أخرى. وساهمت في طرح أجندة نسوية ليبرالية وأحيانًا راديكالية.

التسعينيات: نقطة تحوّل

لا شك في أن تعدّد الجمعيات النسوية في الداخل الفلسطيني الآن، وكذلك تعدد توجهاتها الفكرية، ما هما إلا مؤشر إلى وجود حراك نسوي فلسطيني فاعل ونشط. وقد استطاعت الجمعيات النسوية الفلسطينية منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين أن تنفصل بصورة شبه تامة عن الجمعيات النسوية الإسرائيلية. ففي التسعينيات شهد المجتمع الأهلي الفلسطيني تحولا في تعزيز هذا القطاع كقطاع مستقل، حيث تأسس في تلك الفترة العديد من الجمعيات النسوية التي تهدف إلى تدعيم وحماية المرأة الفلسطينية، وكان أبرزها الجمعيات والمراكز التالية: جمعية «نساء ضد العنف» (1992) ومركزها في الناصرة؛ «السوار- الحركة النسويّة العربيّة لدعم ضحايا الاعتداءات الجنسيّة» (1997) ومركزها في حيفا؛ «كيان» (1998) وهو تنظيم نسوي يهدف إلى تدعيم النساء من حيث حقوقهن الفردية والجماعية، ورفع مكانة المرأة اجتماعيًا وحثها على الاستقلال الاقتصادي، وتنمية دورها القيادي في المجتمع، ومركزه أيضًا في حيفا؛ «معاً» (2000) وهو اتحاد التنظيمات النسائية العربية في النقب، وقد تأسس من طرف ممثلات عن التنظيمات المختلفة من أجل تمكين ورفع مكانة المرأة العربية في النقب بواسطة مبادرات مشتركة؛ «مشروع أصوات- نساء فلسطينيّات مثليّات الجنس» (2002)؛ برنامج الدراسات النسويّة الفلسطينيّة في مركز مدى الكرمل- حيفا (2005)، والذي يعمل على دراسة وضع المرأة الفلسطينية في إسرائيل، وتحليل مظاهر القمع التي تتعرض لها النساء، ووضع سياسات للنهوض بوضع المرأة الفلسطينية من خلال برنامج الدراسات النسوية، وغيره الكثير من الجمعيات التي عملت وما زالت تعمل على النهوض بمكانة المرأة الفلسطينية في الداخل الفلسطيني.
وبعد سنة 2000 ظهرت أيضًا أطر نسائية ذات أجندة سياسية واضحة، على غرار اتّحاد المرأة التقدّميّ (2004) الذي أقيم إلى جانب حزب التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ، وتبنّى نموذج عمله السياسيّ في نشاطه مع النساء.
تحاول هذه الجمعيات النسوية الآن الربط الحقيقي بين السياسي والنسوي، كما تحاول من خلال عملها جندرة العديد من القضايا السياسية العامة، كقانون المواطنة الذي يمنع أزواج وزوجات مواطنين وسكّان من الداخل الفلسطيني أو مواطني الدول العربية من الحصول على مكانة قانونيّة في إسرائيل، وقانون برافر- بيغن الذي يهدد بتدمير عشرات القرى غير المعترف بها في النقب وتهجير عشرات آلاف المواطنين العرب البدو، ومصادرة نحو 800,000 دونم من الأراضي العربية.
كما أنها نجحت في توجيه أصابع الاتهام في قضية قتل النساء المتزايدة ليس الى البنية والثقافة الاجتماعية السائدة فحسب، الى نحو مؤسسات الدولة والشرطة التي تساهم في تعزيز هذه الظاهرة أيضاً.

حراك وليس مبادرات فعلية

في لقاء خاص لـ«ملحق فلسطين» مع رفاه عنبتاوي، مديرة «كيان»، أشارت إلى وجود حراك نسوي في الداخل وعدم وجود حركة نسوية فعلية بعد، أي أنها ما زالت تفتقر إلى أجندة واضحة واستراتيجيا عمل للمدى البعيد. ومع ذلك، فقد استطاع هذا الحراك طرح أو فرض قضية النساء على الأجندة السياسية العامة.
وفي السنوات الأخيرة تحسنت العلاقة بين الجمعيات النسوية ومراكز صنع القرار، لكن عنبتاوي ترى أن هذه العلاقة هي بمثابة سيف ذي حدين، فمن جهة واحدة تظهر مواقف داعمة للمرأة ولحقوقها، لكن من جهة أخرى فإن حيز التنفيذ ليس مفهومًا ضمنًا. وتضيف: «لا توجد مبادرات فعلية لتحسين ظروف المرأة الفلسطينية، ونرى تجاوبا مع مبادرات بادرت إليها جمعيات نسوية لكن مع ذلك يعة وراديكالية في التسعينيات مما هو عليه اليوم، كما أن نتائج العمل النسوي كانت أفضل مرافقها الكثير من التحديات والصعوبات». وتعتقد عنبتاوي أن الحراك النسوي كان أكثر نجاما هي عليه الآن.
وأضافت: «إن العمل النسوي الحقيقي والأكثر نجاعة هو حث النساء على النشاط الميداني». ويقوم «كيان» بتجربة ميدانية من خلال «مشروع جسور» النسائي القطري الذي يضم نساء من مناطق مختلفة، ويهدف إلى تطوير ومأسسة حركه نسائية ميدانية للنساء العربيات في الداخل. وهو مشروع يعمل على تلبية حاجات النساء القياديات لتدعيم الدور القيادي للنساء العربيات وزيادة مشاركتهنّ الفعّالة وتأثيرهنّ في الحيّز العام. وتختم: «إن التغيير الحقيقي وبناء الحركة النسوية هما مهمة صعبة وتحتاجان إلى مسار طويل ولا يمكننا أن نرى نتائج مباشرة».
النساء في النقب بين المطرقة والسندان
كما ذكرنا أعلاه، يواجه جنوب فلسطين (النقب) هذه الأيام قانون برافر- بيغن الذي يهدد بتدمير عشرات القرى غير المعترف بها في النقب وتهجير عشرات آلاف المواطنين الفلسطينين البدو، ومصادرة نحو 800,000 دونم من الأراضي. ويشار إلى أن المتضرر الأساسي من هذا المخطط هم النساء والأطفال.
وتشير هند سلمان، الناطقة باسم «معًا» - اتحاد التنظيمات النسائية العربية في النقب، إلى أن الحراك النسوي نجح في العامين الأخيرين في فرض خطابه على الأجندة العامة وكسر بعض التابوهات في المجتمع الفلسطيني عامة، وفي النقب خاصة. لكن على الرغم من التقدم الملحوظ في بلورة الخطاب النسوي ما زال المجتمع يعيش بعقلية ذكورية أبوية ويتعامل مع النساء كقاصرات. وتضيف سلمان: «إننا في اتحاد معًا مع النساء في النقب بين المطرقة والسندان، فمن جهة نواجه التحدي الأصعب هذه الأيام وهو هدم البيوت و«مخطط برافر» الذي يرمي إلى اقتلاعنا من أرضنا، ومن جهة أخرى نواجه العنف ضد النساء وظاهرة تعدد الزوجات المستشرية في النقب ونتحدى من خلال العمل في هذه القضايا الاجتماعية الحارقة المجتمع المتزمت والثقافة الأبوية والذكورية السائدة».
كما تؤكد سلمان أن النساء يواجهن تحديا في مشاركتهن الفعلية في النضال السياسي إلى جانب الرجل. وتضيف: «حتى الآن لا توجد أي امرأة في لجنة التوجيه العليا لقضايا النقب، وهناك أصوات من داخل النقب أدانت حتى مشاركة النساء في الاحتجاجات للتصدي لمخطط برافر واعتبرتها غير شرعية لمجرّد كونهن نساء».
والمطلب الأهم لسلمان ولاتحاد «معًا» هو وجود نساء نسويات في مراكز صنع القرار كالبلديات أو المجالس المحلية والمحاكم الشرعية، وذلك بهدف تحقيق المساواة وبناء مجتمع سليم.
ولا بُد من أن نشير إلى أن إحدى أهم جبهات النضال التي يخوضها الحراك النسوي السياسي في الداخل هذه الأيام هي جبهة النضال من أجل مشاركة نسائية سياسية فعالة، وضمان وجود نساء نسويات في مراكز صنع القرار، حيث ان هذا النضال يشغل الأحزاب السياسية عامة والتقدمية خاصة، فضلا عن انشغال الجمعيات النسوية به.

الزعبي: لا يمكن تجاهل السياسة

وقالت النائبة عن حزب التجمع الوطني الديموقراطي حنين الزعبي لـ«ملحق فلسطين»، إنه إذا كان بمقدور العمل السياسي والحزبي أن يتجاهل قضية النساء، أو أن يدير ظهره للنساء ولحقوقهن، فإن العمل النسوي لا يستطيع أن يتجاهل السياسة، فهو لا يستطيع التعاطي مع قضية دور المرأة في المجتمع وفي مراكز صنع القرار في الحيز العام من دون التعاطي مع السياسة.
وقد انتخبت الزعبي للكنيست للمرة الأولى في سنة 2009 عقب قيام حزب التجمع الوطني الديمقراطي بتحصين مكان للمرأة في مكان مضمون على لائحته الانتخابية. وتعتبر الزعبي أول برلمانية عربية فلسطينية عن حزب عربي قومي. وحتى الآن نجحت في فرض ثقافة سياسيّة جديدة ذات مضامين سياسة نسويّة وتقدّميّة تتحدّى ذكوريّة المجتمع، وذكوريّة السّياسة الإسرائيلية العسكرية.
تشير الزعبي إلى أن وكيل التغيير الأساسي في المجتمع هو الأحزاب، ولا مجال لأي تغيير حقيقي في حقوق المرأة ونضالها وتأثيرها في الحيز العام من دون وساطة وقيادة الأحزاب السياسية، كما أن الجمعيات النسوية لا تستطيع بمفردها إحداث تغيير حقيقي من دون تنسيق مع الأحزاب والاعتراف بتأثيرها الكبير في هذا المجال.
وتضيف: «لم تمثل الأحزاب ولم تنتج ثقافة مختلفة جوهريًا عن سقف المجتمع، ولم تطرح للمجتمع نموذجًا آخر، لكنها في الوقت ذاته هي ساحة الحل، وهي المكان الطبيعي والأكثر قابلية للنقاش حول مكانة المرأة، وهي المرشح القوي لطرح نموذج آخر من المرأة».
وتشدّد الزعبي على أن نجاح الحركات النسوية يكمن في وجودها في مكان قوى التغيير الاجتماعية، وفرض نفسها على الأحزاب كبوصلة اجتماعية، وهذا يحتم عليها الاعتراف بمكانة الأحزاب كساحة تغيير اجتماعي وتطوير حس سياسي قادر على الربط بين السياسي والنسوي.

إسبنيولي: لا فصل الحراك النسوي
عن الحراك العام

تعتبر نبيلة إسبنيولي، وهي مرشحة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة للكنيست، ومديرة «مركز الطفولة» في الناصرة (أنشئ المركز سنة 1984 في مدينة النّاصرة وهو مؤسّسة حضانات النّاصرة وجمعيّة نسائيّة مستقلّة)، أن نضال المرأة الفلسطينية اليوم هو استمرار لنضالها الذي بدأ في أواخر القرن الثامن عشر. وتشير إلى أنه لا يمكن فصل الحراك النسوي عن الحراك العام للمجتمع الفلسطيني، وإلى أن تحديات النساء هي تحديات المجتمع بأكمله. وقالت إسبنيولي لـ«ملحق فلسطين»: «إن النساء الفلسطينيات موجودات دائما في خضم التحديات على المستوى السياسي وعلى المستوى الاجتماعي، وقد استطاع هذا الحراك النسوي الذي أعيشه منذ 40 عامًا أن ينجز كثيرًا، وأن يحافظ على هويتنا الفلسطينية، فنحن الفلسطينيات موجودات في جميع أنواع النضال المجتمعي والسياسي، ونحن وقفنا ضد التهميش وضد الشرذمة، ونحن من ناضل ضد العنف على أشكاله وضد قتل النساء».
وتؤكد أن النسوية هي ليست فقط خطاب مجتمع، بل هي فكر سياسي يحاول أن يغيّر في البنى الاجتماعية، وهو تحصيل حاصل للنضال المستمر في الداخل الفلسطيني.
وتوضح: «وفقا للفكر النسوي فإن الشخصي هو سياسي، لكننا كفلسطينيات نعمل على تحويل السياسي أيضًا إلى شخصي». وتضيف: «إن العمل بين الأحزاب والمجتمع المدني والجمعيات النسوية هو عمل متكامل، وهو إحدى الوسائل لتحصيل حقوق المرأة الفلسطينية في الداخل».

نحو حركة نسوية فلسطينية شاملة

إن أهم ما يميز الحراك النسوي اليوم هو الوعي الاجتماعي والسياسي، وكذلك طرح وإثارة قضايا المرأة في الحيز السياسي والاعلامي. وقد انعكس هذا الحـــــــراك مثلا من خلال تظاهرة حاشدة قامت بها الجماهير الفلـــــــسطينية في الداخل ضد مقتل النساء في سنة 2010، ودفـــــــع المرأة نحو الخروج إلى العمل في السنوات الأخيرة، وحثـــــــها عـــــــلى أخذ دورها القيادي، وإشراك الرجل في نضالها ضد القــــــمع الذكــــــوري الأبوي. ويصبو المجتمع الفلسطيني في الداخل إلى تحــــــويل هذا الحراك النسوي وهذا النشـــــاط النســـــائي والحقـــــوقي إلى حركة نسوية حقيقية، كــــــما يصبو إلى تسييس النسوية.
وإحدى التجارب الحديثة المثيرة للجدل والتي قد تحمل بذور حركة نسوية فلسطينية حقيقية هي المنتدى النسوي الفلسطيني الذي تأسس السنة الفائتة في الداخل الفلسطيني، حيث يضم مجموعة نساء ورجال فلسطينيين تملك رؤية اجتماعيّة سياسيّة نسويّة وطنيّة. وتحمل هذه المجموعة رؤية نسويّة شاملة ترفض القمع، وتعمل على مناهضته. ويحاول المنتدى إعادة بناء النّظم المجتمعيّة والسّياسيّة، بما فيها المنظومة الأبويّة، كما يسعى من خلال رؤيته النسوية لتحقيق عدالة اجتماعيّة، يلتزم فيها المجتمع باحترام حرّيّة المرأة في اختيار نهج حياتها واحترام حريتها. وكل هذا بالإضافة إلى النّضال لتحقيق الثّوابت الوطنيّة الفلسطينيّة كإنهاء الاحتلال، وحقّ عودة اللاجئين إلى بيوتهم الّتي تمّ تهجيرهم منها، وإقامة دولة فلسطينيّة مستقلّة ذات سيادة وعاصمتها القدس.

* صحافيـة وناشطة نسوية فلسطينية تقيم في حيفـا.