| 

يجسد الباحث عصام سخنيني، حالة متميزة في ميدان التأريخ لما يمكن تسميته «المسألة اليهودية»، في جذورها وتفرعاتها وتعالقها مع محيطها، وتتجلى هذه الحالة في عدد كبير من المؤلفات المتخصصة بالديانة اليهودية وكتابها المقدس (التوراة)، وصولا إلى ارتباط هذه الديانة بالمشروع الصهيوني المعاصر: منطلقاته وأهدافه وأدواته والمزاعم التي قام عليها هذا المشروع ليبرر وجوده. وكثّف سخنيني عمله في عمليات الإبادة الجماعية من أيديولوجيا الكتاب العبري إلى المشروع الصهيوني، وأحدثها كتابه الجديد «مقاتل المسيحيين: نجران 523م والقدس 614م وصفحات أخرى من تاريخ التنكيل اليهودي بهم»، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2013).
كثيراً ما ردد سخنيني أن بعض المزاعم التي يكررها اليهود تنتمي إلى عالم الحكايات الخرافية التي لم تثبت صحتها تاريخيًا، وبعضها الآخر خضع للمبالغة والتهويل. ومع ذلك فهم يطلقون عبارة «إبادة الجنس» على ما تعرض له اليهود على أيدي النازيين، أما القتل والاضطهاد اللذين تعرض لهما الفلسطينيون، منذ نحو خمس وستين سنة، فلا يشار إليهما إلا لمامًا. وكان سخنيني قدم في كتابه «الجريمة المقدسة: الإبادة الجماعية من أيديولوجيا الكتاب العبري إلى المشروع الصهيوني» (بيروت ـ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، دراسة جادة لوضع الجرائم التي لحقت بالفلسطينيين، في سياق منظومة صهيونية شاملة تهدف إلى تنفيذ «الإبادة الجماعية» (Genocide) بحق الشعب الفلسطيني، هذه المنظومة التي تتضمن جرائم القتل الجماعي والترحيل السكاني والتطهير العرقي وإبادة المكان وتغيير الأسماء التاريخية وطمس الجغرافيا وتدمير البنى الاجتماعية للشعب الفلسطيني، وهذا هو جوهر الصهيونية التي تجسدها إسرائيل سياسياً. وهو اعتمد هذا المصطلح الذي ابتدعه الباحث القانوني البولندي رفائيل لمكين في أثناء الحرب العالمية الثانية، ودخل في القاموس الدولي في العام 1947. وقام سخنيني بذلك كله ضمن فهم جديد للمشروع الصهيوني، وتحليل بنيته الإبادية منذ نشأته، وفي أثناء صيرورته، ومحاولة إعادة تعريف المفاهيم والمصطلحات مثل «إبادة الجنس» و«التطهير العرقي» و«الترحيل» و«إبادة الذاكرة»، ثم عاد إلى دراسة تاريخ المشروع الصهيوني، لينتقل إلى البحث في خطاب الإبادة في الفكر الكتابي (التوراتي) وفي الفكر الصهيوني معاً. وكان ذلك كله مقدمة للانتقال إلى «إبادة الجنس» كما تجلت واقعياً في فلسطين بصورة تدمير المكان والذاكرة والهوية، وكما تجلت في علم الآثار الإسرائيلي الذي وضع نفسه خارج العلم وفي خدمة الإبادة الجماعية.

******

يميط كتابه الجديد اللثام عن المجزرتين الشهيرتين: نجران (523) والقدس (614) المسكوت عنهما جراء النسيان التاريخي الممنهج. والكتاب جاء ثمرة لاشتغاله على «عهد إيلياء» (العهدة العمرية)، والسؤال عن النص الوارد في العهد عن التعهد بـ«ألا يسكن في إيلياء معهم (أي مع أهلها) أحد من اليهود»، هذا النص الذي بسببه شكك المستشرقون بالعهدة، نتيجة موقف سياسي «مُجامل» للإسرائيليين اليوم، حيث قاده إثبات صحة هذه العهدة إلى البحث في المجزرة التي ارتكبها اليهود في القدس برعاية فارسية، قبل 23 سنة من استيلاء الخليفة عمر على المدينة. وكان البحث في هذه المجزرة مؤشرا على وجود «سلسلة من الجرائم كان اليهود قد ارتكبوها بحق المسيحيين»، ومنها جرت العودة لاكتشاف مجزرة نجران.
استعان الباحث بمجموعة من المصادر العربية والأجنبية التي ساعدته على تبيان تفصيلات الأحداث التي أودت بحياة عشرات الآلاف من المسيحيين في الفترة الزمنية المدروسة، فهو يؤرخ لتفاصيل المجزرتين ويضعنا أمام التشويه العَقَدي للمسيحية كديانة وعقيدة كما حاكها التلمود، كاشفا عن معطيين: الكراهية اليهودية للمسيحيين، والتأسيس لتاريخ مضاد لتاريخ المسيح، في موازاة التشويه الإيماني لعقائد المسيحية كما وضعها التلموديون.
يقدم الأب رفعت بدر، رئيس المكتب الكاثوليكي للدراسات والإعلام في عمّان للكتاب قائلاً إنه «يتحدّث عن صفحات، لا أقول حزينة، على الرغم ممّا فيها من دماء وموت، بل صفحات شكّلت بذارًا لانتشار ديانة سماوية، لم تستطع قوى البطش والظلام أن تئدها في مهدِها، بل ما زالت تسير إلى اليوم بتناغم ووئام مع شقيقاتها الديانات الأخرى، ومع كل الناس من ذوي النوايا الحسنة.» ويضيف بدر «يسرد الكتاب «مَقاتِل» المسيحيين أي المجازر بحقهم- في العصور الأولى، وبخاصة على أيدي اليهود الذين لم يستسيغوا أن تنشأ ديانة جديدة تشكل تهديدًا لوجودهم. وهكذا، مشبعين بعقلية رفض الاخر والرغبة بإلغاء الآخر وإفنائه، عمدوا إلى قتل «المعمّدين» والتنكيل بهم في كل من نجران، البلد العزيز الذي حوى بين جنباته العديد من المسيحيين منذ العصور الاولى (مجزرة نجران 523م)، وصولًا إلى مدينة القدس الشريف، وهي مركز الديانة المسيحية، وأم الكنائس جميعها، التي شهدت كذلك شتى أصناف التنكيل والمحارق».
وإذ يكتب الأب بدر «بنهم الجائع والعطش إلى معرفة الجذور، ليس فقط للمسيحية وإنما أيضًا للعربية»، فإنه يؤكد أن «ليس هنالك من تناقض في الفخر ما بين كون الإنسان عربيًا، وكونه مسيحيًا في آن واحد. وهو أمر لربما يشكل رسالة تعزية وتشجيع إلى مسيحيي اليوم الذين ما زالوا في المشرق العربي يضربون مثلًا تلو المثل في العيش المشترك مع إخوتهم المسلمين، مهما تعرّضوا له أحيانًا من أعمال تهجير على أيدي اليهود ذاتهم، كما في القدس وسائر القرى والمدن الفلسطينية، أو كذلك على أيدي أفراد وفئات تعادي المجتمع ككل، وتلبس رداء الدين وهو منها براء».
******
في فصول هذا الكتاب تبرز قضية استهداف المسيحية في مرمى الاضطهاد اليهودي، من خلال «صورة المسيح في التلمود»، و«التاريخ المضاد لتاريخ المسيح»، و«جرائم مبكرة: استهداف الرموز»، وفي «ردود الفعل المسيحية». ويستكمل المؤلف دراسته بإطلالة على «مَقاتل المسيحيين تحت المظلة الفارسية»، عبر الحديث عن علاقة الفرس بفكرة الخلاص اليهودي، ودور اليهود في اضطهاد المسيحيين في بلاد فارس، مع نماذج تطبيقية من هذا التعاون. بينما يذهب في الفصل الثالث لبحث المحرقة الأولى في نجران، ويخصص الفصل الرابع لمجزرة القدس. ويزوّد الكتاب بثلاثة ملاحق تتعلق بالمجازر المذكورة، الأول وثيقة «الحارث بن كعب زعيم مسيحيي نجران عند وقوع المجزرة»، والثاني بعنوان «رُهم بنت أزمع أبرز من قتل ذو نواس من مسيحيات نجران»، والثالث حول «مجزرة القدس كما وصفها شاهد العيان أنتيوخوس ستراتيجوس».
وبخصوص «مقاتل المسيحيين تحت المظلة الفارسية»، يقدم الكاتب دراسة للعلاقة بين اليهود والفرس ولفكرة أنّ الخلاص اليهودي يتأتى من الجانب الفارسي، مستندًا إلى مزاعم توراتية ثلاثة هي: إعادة الفرس اليهود المنفيين في بابل إلى أورشليم بعد تدمير الهيكل على أيدي البابليين، وأمر الفرس بإعادة بناء الهيكل، وإنشاء مقاطعة يهودية في أجزاء من فلسطين (أورشليم والمنطقة المحيطة بها) باسم اليهود. وهو يؤكد أن التوراة كُتبت في فترة الحكم الفارسي لفلسطين، وأنّ نظرية الخلاص وجدت تطبيقاتها العملية خلال الحروب البيزنطية ــ الفارسية التي استغلّها اليهود ضد المسيحيين تحت حماية الفرس أو بالتواطؤ معهم.
نفذ اليهود مجازر عدة بحق مسيحيي تلك المنطقة، أدت إلى قتل عدد كبير منهم إما بالسيف أو إبادة بالحريق محرقة نجران التي تحدث عنها القرآن في سورة البروج، من دون ذكر لتفاصيل حول من قُتل من النساء والرجال، ما جعل المفسرين يختلفون حول «أصحاب الأخدود»، مثلا، فيعرض المؤلف عددا من الروايات حولها. وهنا يكتب عن كيفية وصول المسيحية إلى الجزيرة العربية، فيورد فرضيات عدة: أولها دخول المسيحية اليمن من طريق رجل من الشام يدعى «فيميون»، وثانيها ما تذكره المصادر العربية من أنّ بداية المسيحية كانت باعتناق أحد ملوك حمير لها، وثالثها عن طريق الحبشة (المسيحية) وتأثيرها في بدايات الوجود المسيحي في جنوب الجزيرة العربية، ورابعا وأخيرًا، يذكر تأثير «كتاب الحميريين» الذي كُتب في الأصل بالسريانية، وينسب بداية المسيحية في نجران إلى حيان، وهو تاجر يمني اعتنق المسيحية وأقنع أسرته وأعدادًا من سكان المدينة. ثم ينتقل سخنيني أخيرًا إلى محرقة نجران نفسها، مفصلا روايتها، قبل الانتقال إلى مجزرة القدس التي يعتبرها أشد فظاعة.

* كاتب فلسطيني من الأردن.