| 

ظهرت النقابات العمالية في فلسطين مبكراً، وربما صار عمرها اليوم نحو مئة سنة أو قريباً منها. وكانت مدينة حيفا هي المركز الذي انطلقت منه التحركات العمالية الأولى لتنتشر في بقية المناطق الفلسطينية، ولا سيما في يافا والناصرة. وكانت حيفا ميناء فلسطين الكبير الذي تدفقت عليه وعلى المدينة أفواج من السوريين واللبنانيين، وبعض المصريين والعراقيين، علاوة على الهجرات اليهودية المتلاحقة، الأمر الذي جعل المدينة وميناءها مكاناً لتفاعل الأفكار والحركات السياسية، ولا سيما المبادئ الاشتراكية التي حملها بعض المهاجرين اليهود، وميداناً لظهور الحركات النقابية اللاحقة. وأبرز النقابات التي ظهرت في فلسطين قبل النكبة كانت التالية:
1ـ جمعية العمال العربية الفلسطينية: أُسست نواتها الأولى في سنة 1920 من عمال سكك الحديد في حيفا. وكان المبادر إليها عبد الحميد حيمور، وهو من أصل دمشقي. وفي سنة 1923 افتتحت «النادي الخيري لعمال سكك الحديد». وفي 21/3/1925 تقدمت من السلطات البريطانية لطلب التصريح القانوني، وفي 8/8/1925 أصبحت نقابة معترفاً بها رسمياً، وبرز من بين ناشطيها عبد الحميد حيمور وشقيقه عبد حيمور وحسين نصار وسعيد قواص ومصطفى محمدين وكامل ياسين وسامي طه وأحمد اليماني. وفي سنة 1935 بلغ عدد أعضائها نحو أحد عشر ألفاً، وارتفع في سنة 1945 إلى خمسين ألفاً، مع 42 فرعاً في فلسطين. وقد أصدرت الجمعية عدداً واحداً من جريدة «العامل العربي» في 4/5/1930، لكن هذا العدد أتلف في المطبعة. وعقدت الجمعية مؤتمرها التأسيسي في حيفا في 11/1/1930، ومؤتمرها الأول في حيفا أيضاً في 29/8/1946، ومؤتمرها الثاني في آب 1947. وبعد النكبة لم يبق من الجمعية إلا فرع نابلس الذي قاده حسني صالح الخفش، وتمكن من إبقاء العمل النقابي حياً من خلال هذا الفرع.
2ـ جمعية العمال العرب: أسس هذه الجمعية عمال الميناء والبناء في يافا في 1/9/1934، وكان الفضل في تأسيسها لميشال متري، وتولى جورج منصور منصب سكرتير الجمعية منذ سنة 1935 حتى سنة 1937. ووصل عدد أعضائها إلى نحو خمسة آلاف عضو، وكان لها شأن مهم في الإضراب الكبير سنة 1936. وبعد اغتيال ميشال متري في أواخر سنة 1936 اندثرت الجمعية.
3ـ اتحاد نقابات العمال العرب: ظهرت في حيفا سنة 1942 برئاسة بولس فرح وعدد من الشيوعيين. لكن هؤلاء لم يلبثوا ان انضموا إلى جمعية العمال العربية الفلسطينية ذات الطابع القومي العربي واليساري معاً.
4ـ مؤتمر العمال العرب: نشأت هذه النقابة لتمثل التيار الشيوعي في الحركة النقابية العمالية الفلسطينية. وكان الخلاف نشب في جمعية العمال العربية الفلسطينية بين التيار الشيوعي وبقية الأعضاء على تمثيل العمال في المؤتمر التحضيري للاتحاد الدولي للعمال الذي عقد في لندن في شباط 1945، ثم على تسمية أعضاء الوفد العمالي الفلسطيني إلى مؤتمر النقابات الدولي في باريس الذي عقد في أيلول 1945، فانسحب الشيوعيون من جمعية العمال العربية الفلسطينية، وعقدوا مؤتمراً في يافا في 19/8/1945 وأعلنوا في نهايته تأسيس مؤتمر العمال العرب، وانتخبوا لجنة تنفيذية مؤلفة من فؤاد نصار وخليل شنير ومخلص عمرو وبولس فرح وسليم القاسم وحسن أبو عيشة. وبهذا التصرف شق الشيوعيون الحركة النقابية في فلسطين، وكانت النكبة على الأبواب.


* كاتب فلسطيني