| 

إياد ميكانيكي سيارات في الأربعين. يعمل في إصلاح السيارات منذ كان مراهقاً، ولكنه لم ينتسب في أي يوم من الأيام إلى نقابة. له الكثير من الديون على أصحاب السيارات، لكنه لا يعرف أي جهة يستطيع أن يأتمنها على تمثيله وتحصيل حقوقه. ومثله روان، الخريجة منذ عامين في كلية الحقوق والإدارة العامة، والعاملة بموجب عقد غير مثبت في إحدى الشركات الفلسطينية الخاصة. فهي لا تتمتع بحقوق تقاعد ولا علاوات ولا مكافآت نهاية خدمة، لأن عقد عملها الأول محدد بثمانية عشر شهراً لا غير. وكالكثيرين غيرها، قد تنهي عقدها لتجد نفسها بلا عمل. فلا سبيل واضحا أو معروفا إلى التثبيت في الوظيفة. روان أيضاً لم تنتسب إلى أي إطار نقابي منذ بدأت تعمل. بل إنها لا تعرف أسماء الاتحادات النقابية في فلسطين، ولا تعرف أن في فلسطين، منذ عام 2012، قانوناً للحد الأدنى للأجور.
الضمان الاجتماعي والحماية الاجتماعية والحد الأدنى للأجور، هي من القضايا المطلبية الرئيسية للحركة النقابية الفلسطينية. حركة تناضل من أجل القضايا العمالية، في سياق صراع سياسي مع الاحتلال يفرض نفسه بقوة تطغى على أصوات المطالبات الاجتماعية الخجولة، إضافة لكونها منقسمة إلى عدة أطر تفتقر إلى التنسيق في ما بينها. وجهات نظر متقاطعة حول أولويات القضايا الاجتماعية في مقولة «بناء الدولة والتنمية تحت الاحتلال». فالبناء مكلف، والحماية الاجتماعية للعمال مكلفة. وكل التكاليف تتضاعف في ظل اقتصاد معتمد على أموال المانحين، ومقيد بسلاسل الاحتلال وسطوته. فأين تقع المطالب النقابية والعمالية على أجندة السلطة؟ وأين منها القطاع الخاص، الذي ينجح على الرغم من كل شيء بالانتعاش في حدود تفرضها الظروف؟ وما هو تأثير الالتزامات الدولية للسلطة الفلسطينية في سير هذه القضايا قدماً؟ وما هو واقعها اليوم، وما هو الأفق المرسوم أمامها؟

الحد الأدنى للأجور

يقول حسين الفقهاء، أمين السر للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، إن الحد الأدنى للأجور ورد في قانون العمل الفلسطيني لعام 2000، لكنه أقر للمرة الأولى عام 2012. ويضيف: تم تأليف لجنة تضم خمسة ممثلين عن القطاع لخاص، وخمسة عن النقابات، وخمسة عن الحكومة. كنا في الحركة النقابية قد اتفقنا على عدم القبول بأقل من 1750 شيكلا شهرياً كحد أدنى للأجور، لكن الاتحادات الأخرى قبلت بحد 1450 شيكلاً، فقاطعنا الاجتماع. ويتابع: تم التأكيد على 1450 شيكلاً في اجتماع ثان في أواخر 2012، على أن يبدأ تطبيق القانون اعتباراً من الأول من كانون الثاني من عام 2013. ويقول محمود زيادة، الأمين العام لاتحاد النقابات الفلسطينية المستقلة: الحد الأدنى تم التوصل إليه بعد مفاوضات طويلة مع القطاع الخاص. كنا نفاوض على شيكلين وثلاثة وأربعة شواكل.. التحدي الحقيقي الآن هو أن نجعل القانون يطبق لأن معظم المنشآت لم تلتزم به. ويرى بلال ذوابة، المدير العام لوزارة العمل، ان «قانون الحد الأدنى للأجور نص على إعادة تقييم الحد الأدنى في بداية كل عام، غير أن بعض القطاعات لا تلتزم به، إذ ان رياض الأطفال ومنشآت النسيج لم تلتزم هذا القانون». ويقول: إن ضعف الجهاز الرقابي لوزارة العمل، إضافة لضعف الحركة النقابية، يجعل من الصعب فرض الالتزام على الجميع. ويؤكد الدكتور سمير عبد الله، المدير العام لمعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني ـ ماس، أن الحد الأدنى للأجور يجب أن يتناسب مع إنتاجية المنشآت، «لأن فرض حد أدنى للأجور على منشأة إنتاجيتها أقل من هذا الحد الأدنى هو الحكم بالإعدام عليها.. هذا ما حصل مع منشآت النسيج ومع رياض الأطفال. لكن الفقهاء يؤكد أن «الحد الأدنى للأجور مبني على أساس معايير دولية لقياس خط الفقر، ولا يوفي بالحد الأدنى من حاجات العاملين للعيش بكرامة».

الضمان الاجتماعي

تم في العام 2003 إقرار قانون التأمينات الاجتماعية الفلسطيني، الذي تم إلغاؤه عام 2007، إذ قال الرئيس محمود عباس يومها إن «القانون غير قابل للحياة». ويشرح الفقهاء الفرق بين التأمينات الاجتماعية والضمان الاجتماعي بقوله: التأمينات الاجتماعية تتعلق بأمور محددة، مثل الرعاية الصحية، أو إصابات العمل. أما الضمان الاجتماعي فهو أشمل. إذ يشمل التقاعد والتعويضات وكل الجوانب الأخرى.
ويقول زيادة: إن مشروع الضمان الاجتماعي جاء ليحل محل قانون التأمينات الاجتماعية الملغى، غير أن قانون التأمينات الاجتماعية لم يكن قد طبق بالأساس، وجاء مشروع قانون الضمان ليعوض عن قانون ملغى، ولم يطبق أيضا.
تم تأليف لجنة وطنية برئاسة رئيس الوزراء السابق سلام فياض، في أواخر عام 2012، لدراسة مشروع القانون، بمساعدة من خبراء عرب ودوليين. غير أن القطاع الخاص وضع الكثير من العراقيل. وبحسب الفقهاء، «كان ممثلو القطاع الخاص في اللجنة يصرون على أن القيود المفروضة في ظل الاحتلال ترتب على الضمان الاجتماعي تكلفة غير محتملة على المنشآت الفلسطينية». ويقول عبد الله إن الموارد التي يتمتع بها الاقتصاد الفلسطيني «لا تسمح بتحمل أعباء الضمان الاجتماعي. فالاقتصاد الفلسطيني معتمد بشكل رئيسي على المساعدات والدعم، والمانحون لا يميلون إلى دعم العجز الفلسطيني». غير أن الحركة النقابية ترى الأمور من منظور آخر. إذ يؤكد الفقهاء أن لقانون الضمان الاجتماعي أثرا إيجابيا على القطاع الخاص أيضاً، ويضيف: يعتقدون أن الضمان الاجتماعي سيزيد التكاليف على القطاع الخاص، لكنهم لا يعرفون أن قانون الضمان الاجتماعي يوفر على القطاع الخاص الكثير من التكاليف الحالية، مثل بدل نهاية الخدمة. نحن طرحنا رؤية لتطبيق قانون الضمان الاجتماعي قائمة على مبدأ شمولية الضمان مع تدرج التطبيق. أي أننا لا نطالب بتطبيق الضمان الشامل دفعة واحدة، بل نسعى للتدرج بتطبيقه، بدءاً بحماية المرأة وحصتها في سوق العمل والحماية المستحقة ذات العلاقة بالأمومة وغيرها.
أمام تعثر إقرار قانون الضمان الاجتماعي، بادرت بعض أطراف القطاع الخاص إلى طرح مشروع لشركة ضمان اجتماعي خاصة. ويؤكد عبد الله أن «الأطراف المشاركة بالمشروع هي من المستثمرين الكبار، فهناك بنوك وشركات قابضة تسعى لتأسيس شركة خاصة للضمان الاجتماعي، تكون بمثابة صندوق ضمان اجتماعي خاص». غير أن زيادة يرى أن هذا المشروع هو «بمثابة تحويل الضمان الاجتماعي والحقوق الاجتماعية إلى سلعة، حيث ستتحول حقوق العمال إلى سلعة تستثمر لأغراض ربحية». ومع ذلك، يؤكد عبد الله أن الحكومة أوقفت المشروع، ويقول: هذا مشروع لإدارة المليارات من الدولارات. ولا تستطيع السلطة الوطنية أن تتركه للقطاع الخاص، في حين يصرّ زيادة على أن «المشروع لا يزال مطروحاً».

ضعف الحركة العمالية

يعزو ذوابة عدم إقرار قانون الضمان الاجتماعي إلى ضعف الحركة النقابية، ويقول: نحن بصدد قطاع خاص متماسك وقوي، له كلمة موحدة، تقابله حركة نقابية منقسمة إلى ثلاثة اتحادات لا تجمع كلها مجتمعة أكثر من 17% من القوى العاملة الفلسطينية. ويضيف: لو كان الحراك العمالي الفلسطيني قوياً بما فيه الكفاية لاستطاع أن يفرض قانون الضمان الاجتماعي في الشارع، بل لما تم إلغاء قانون التأمينات الاجتماعية عام 2007.
أما زيادة، فيعتبر أن «ضعف الحركة النقابية ليس مبرراً لغياب الحماية الاجتماعية اللازمة للعمال الفلسطينيين. فضعف الحركة النقابية هو حق يراد به باطل. وعندما تقرأ القوانين والإعلانات الرسمية تشعر بالارتياح لأن الحكومة الفلسطينية تحمل رسالة اجتماعية، لكنها في الواقع ليست سوى حبر على ورق». ويختلف ذوابة مع هذا التقييم لدور الحكومة، ويقول: الحكومة تلعب دور الوسيط. نحن ندير الحوار الاجتماعي ونقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف. وبحسب الفقهاء، فإن «ضعف الحركة النقابية يرجع إلى الظروف الخاصة للمجتمع الفلسطيني، فالظروف الاقتصادية الصعبة لها دور في انخفاض معدل الانتساب النقابي، إذ ان العامل الذي لا يحصل على معاش يومه لا يفكر عادة بالانتساب والنشاط النقابي. كذلك، فإن الروابط الاجتماعية في الأوساط الأكثر فقراً تلعب دوراً في إضعاف النشاط النقابي». في المقابل، يرى زيادة أن ضعف الحركة النقابية يعود بالأساس لما أسماه بطش أرباب العمل، ويقول: لا شيء يقيد أرباب العمل. لا القانون ولا أي التزامات. فقانون العمل الفلسطيني ينص على منع الفصل التعسفي، الذي يشمل الفصل من العمل بسبب الانتساب أو النشاط النقابي. لكن في فقرة أخرى يذكر القانون أن عقوبة الفصل التعسفي هي تعويض بقيمة راتب شهرين من كل سنة خدمة، الأمر الذي يجعل الفصل على خلفية نقابية أمراً سهلاً بالنسبة لرب العمل. أي كما نقول في الوسط النقابي «الدية معروفة»!

الاعتماد على المانحين والبنك الدولي

يشير ذوابة إلى أن «أموال المساعدات للسلطة تأتي في معظمها لهدف محدد، وعندما تأتي أموال مخصصة لتدريب كوادر الشرطة على سبيل المثال، أو من أجل ترميم البنى التحتية، لا نستطيع أن نستخدم تلك الأموال في مشاريع الحماية الاجتماعية». ويذكر عبد الله أن الميزانية الفلسطينية تعاني باستمرار من العجز، «فقد نشأت السلطة الفلسطينية وهي مثقلة بالالتزامات الدولية والاجتماعية. ووضعت الاتفاقات آلية لتسلم السلطة لأموال الجمارك، عن طريق إسرائيل، التي تحتجز تلك الأموال لتستخدمها للابتزاز السياسي». ويتابع: كثرت التزامات السلطة المالية بعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 وتفاقمت أزمتها. وعلى الرغم من المساعدات العربية التي تزامنت مع الانتفاضة، إلا ان الميزانية الفلسطينية استمرت في الاعتماد على المساعدات الخارجية. صار المانحون يتعاملون بشكل مباشر مع القطاع الخاص في جزء كبير من المساعدات. وبعد التوجه إلى الأمم المتحدة، انقطع جزء من المساعدات الخارجية، وخاصة الأميركية. ويرى ذوابة، «يلعب البنك الدولي دوراً مباشراً في غياب الحماية الاجتماعية للعاملين، فالبنك الدولي ليس مؤسسة خيرية، إنه بنك استثماري. وعندما يرى أن الحماية الاجتماعية التي نسعى إليها لا تتناسب مع قدراتنا الاقتصادية، فإنه يضغط باتجاه إلغائها. ويقول الفقهاء: دور البنك الدولي يبدو واضحاً في تحديد أولويات السياسة المالية الفلسطينية، فهو الذي أوصى بإلغاء قانون التأمينات الاجتماعية عام 2007، والقضايا الاجتماعية ليست من أولوياته.
* صحافي مقيم في رام الله