| 

يحق للزوج منع زوجته من العمل لمجرد رغبته في ذلك، وفق قانون الأحوال الشخصية الأردني للعام 1976، والمعمول به في الأراضي الفلسطينية، وبالتحديد في الضفة الغربية، وهو ما اعتبرته الناشطة والإعلامية ناهد أبو طعيمة انتهاكاً صارخاً لحق الإنسان، وهي هنا المرأة في العمل، لافتة إلى وجود نصوص تتعارض مع ذلك في قانون العمل. وقالت: قانون الأحوال الشخصية الأردني المعمول به في الضفة الغربية يعطي الرجل الحق في منع زوجته من العمل، في حين أن وجود نصوص تتعارض مع ذلك في قانون العمل الفلسطيني لم يلغ هذا الحق، على الرغم قلة استخدامه إلا ان فكرة وجوده كنص قانوني فكرة عنصرية تتعارض مع حق المرأة في العمل. وشددت أبو طعيمة، في حديث لـ«ملحق فلسطين»، على أن «المرأة العاملة في فلسطين تعاني على أكثر من صعيد، فغير التعنيف والتحرش، هناك الأجور غير المتساوية مع أمثالها أو من هم دونها في التعليم والخبرة وربما الكفاءة من الذكور». وأضافت: هذا يعبر عن ذهنية مجتمعية قائمة على أن القوامة للرجل، باعتباره من يصرف على البيت، وبالتالي عمل المرأة يأتي في درجة ثانية، أو ربما أقل أيضاً، وهذا ينعكس على طبيعة الأجور للنساء العاملات. ولفتت إلى أن العديد من المؤسسات، وبخاصة في القطاع الخاص، لا تلتزم الحد الأدنى للأجور (1450 شيكلا)، أي ما يقارب 400 دولار أميركي شهريا، كاشفة عن أن بعض العاملات في مصانع للخياطة وغيرها، لاسيما في مدن وبلدات شمال الضفة الغربية، لا يتقاضين أكثر من 400 شيكل شهريا (115 دولارا أميركيا)، «ولا أحد يحرك ساكناً»!
تقول أبو طعيمة: هناك مؤسسات لا تحترم حق المرأة القانوني والإنساني في ساعات الرضاعة، وإجازات الأمومة. أعرف أن امرأة كانت تعمل بنظام العقود في مؤسسة حكومية رفض التجديد لها بسبب الحمل، وهذا ينطبق على العديد من المؤسسات الخاصة والمصانع. ليس هناك أي احترام للدور الإنجابي للمرأة العاملة، بل إن ثمة نوعاً من الشيزوفرينيا إزاء هذا الدور، فالمجتمع يطالب المرأة بالإنجاب، والعديد من مؤسساته لا تحترم حقوق العاملات الفلسطينيات المرتبة على الإنجاب.

لا بد من الردع

تعزو أبو طعيمة ما وصفته باستهتار أرباب العمل، واضطهادهم حقوق النساء العمالية، ليس لخلل في النصوص القانونية والذهنية المجتمعية فحسب، بل بالدرجة الأولى لخلل في الرقابة، متسائلة: كيف لأربعين مراقبا في وزارة العمل القيام بدور فاعل في عملهم؟! لافتة إلى أن عدم وجود نيابة متخصصة بمثل هذه القضايا والانتهاكات، وعدم وجود استراتيجية واضحة من الحكومة ممثلة بوزارة شؤون المرأة، «يساعد في تفاقم ظاهرة انتهاك حقوق النساء العاملات في فلسطين واضطهادهن». وترى أبو طعيمة أن الحل يكمن في عقوبات رادعة لكل من ينتهك حقوق النساء العاملات، سواء فيما يتعلق بالعنف أو التحرش أو عدم الالتزام بالحد الأدنى للأجور. وقالت: لو تمت معاقبة عدد قليل من أرباب العمل بسبب انتهاكات حقوق العاملات، سيعلم بقية أرباب العمل أن الانتهاكات لن تمر، لكن للأسف لا رقابة ولا تفتيش فاعلين، ولا عقوبات.

محاولات رسمية

من جانبها، فرقت ربيحة ذياب، وزيرة شؤون المرأة الفلسطينية، ما بين القطاع الخاص والقطاع العام في ما يتعلق بحالة عدم المساواة في الأجور بين النساء والرجال، مشيرة في حديث لـ«ملحق فلسطين» إلى أن «هذه الظاهرة منتشرة بوضوح في القطاع الخاص، وهذا بسبب شجع بعض أرباب العمل، واستغلال معاناة النساء، خاصة اللواتي يعانين من ظروف اجتماعية صعبة. وتتضح الصورة بشكل جلي إذا قورنت أجور النساء العاملات بالذكور. فأرباب العمل يفضلون النساء من باب كونهن الأقل تذمراً وشكوى وقبولاً لظروف العمل، وبخاصة في حالة الضائقة الاقتصادية». وقالت ذياب: نعلم أن العديد من الشركات والمصانع لا تلتزم الحد الأدنى للأجور الذي أقرته الحكومة، والغريب أن العديد من العاملات، بل ربما كثير منهن، عارضن هذا القرار، على اعتبار أن الصرامة في تطبيقه قد تؤدي إلى قيام أصحاب الشركات والمصانع بتسريح عدد منهن من باب تقليل النفقات. لم نتلق أي شكاوى بهذه الخصوص، لكننا نتابع بعض الانتهاكات التي نعلم عنها من دون شكاوى بالتنسيق مع وزارة العمل، وبدأنا بفتح نقاشات مع أصحاب الشركات والمصانع للحيلولة دون تفاقم هذه الظاهرة، والعمل على الحد منها. وأضافت: نتعامل مع قضية النساء العاملات كجزء من قضية عامة، مع التركيز على موضوع مساواة النساء العاملات بالذكور، وذلك من خلال المتابعة مع أصحاب المصانع والشركات، وتفعيل فرق التفتيش التي هي من مسؤولية وزارة العمل، ونتعاون معها، وبخاصة ما يتعلق بحقوق النساء العاملات.

بالأرقام

تشير إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أنه على الرغم من انخفاض الفجوة بين الرجال والنساء في المشاركة في القوى العاملة، لا تزال مشاركة الرجال تزيد أكثر من 4 أضعاف على مشاركة النساء (خلال عام 2011). ووفق الإحصاءات ذاتها، تعتبر أعلى نسبة مشاركة في القوى العاملة بين النساء الحاصلات على 13 سنة دراسية فأكثر. بالمقابل فإن أعلى مشاركة في القوى العاملة بين الرجال هي للحاصلين على 1ـ 6 سنوات دراسية. وأشارت الإحصاءات إلى أن قطاعي الخدمات (59,7%)، والزراعة (22,2%) هما المشغل الرئيسي للنساء العاملات في فلسطين، وأن المهن التي تمارسها النساء لا تزال تنحصر في المهن التقليدية، إذ أن أكثر من نصف النساء يعملن فنيات، وخمس النساء يعملن في مهنة الزراعة، كما أن الفجوة في معدلات البطالة بين النساء والرجال في اتساع.
في السياق ذاته، تفيد الإحصاءات بأن 7% من النساء العاملات مستخدمات بأجر، مقابل 64,1% من الرجال، في حين تنخفض نسبة صاحبات الأعمال إلى 3,9% مقارنة بـ 7,4% للرجال. وبلغت نسبة البطالة بين النساء اللواتي أنهين 13 سنة دراسية فأكثر 38,8% من بين النساء المشاركات في القوى العاملة، مقارنة بـ 14,8% بين الرجال المشاركين في القوى العاملة، في حين تشكل النساء حوالى ثلث العاملين في القطاع الزراعي للعام 2011.
بحسب الإحصاءات أيضاً فإن 18,1% من الأفراد العاملين في فلسطين هن نساء مقابل 81,9% من الذكور، و12,3% من العاملين في القطاع العام من درجة مدير عام (A4) هن نساء، مقابل 87,7% من الرجال في نفس الدرجة، و13,6% من أعضاء المجلس التشريعي في عام 2011 هن نساء، و4,3% فقط من السفراء في الخارج في العام 2011 نساء، مقارنة بـ 95,7% منهم رجال، و11,3% من القضاة نساء، و17,9% من المهندسين المنتسبين في النقابة هن نساء، مقارنة بـ 82,1% رجال، و17,1% من الصحافيين في فلسطين هن من النساء، مقارنة بـ 82,9% رجال.

تفاقم الظاهرة

في تعقيبها على هذا الواقع، قالت آمال خريشة، رئيسة جمعية الـمرأة العاملة الفلسطينية للتنمية، «إن هذه الظاهرة في تفاقم». وأضافت: مؤشرات الفقر في الأراضي الفلسطينية تؤكد أن ظاهرة بطالة النساء العاملات في ازدياد، وهذا يعني أنه بات لزاما علينا تصعيد الخطوات على صعيد استراتيجيات الاقتصاد الفلسطيني ككل. هناك فجوة بين النصوص القانونية والواقع. ونوهت إلى أن «الحركة النسوية والنقابية لا تقدم ما يرقى لمقاومة اضطهاد النساء العاملات، وأكبر دليل على ذلك ما تتعرض له النساء العاملات حتى اللحظة». وتابعت: بحسب القانون الفلسطيني، العمل حق أساسي سواء للرجال أم النساء، لكن الإحصاءات تفيد بأن نسبة النساء العاملات من مجمل العاملين في سوق العمل تبلغ 17%، وهي أقل نسبة في الوطن العربي بعد السعودية، وهذا يدلل أن لا مساواة وأن هناك فجوة في النوع الاجتماعي في سوق العمل الفلسطينية. وعزت ذلك إلى الصورة النمطية المجتمعية التي ترى في عمل المرأة مجرد «احتياط»، فحين فرضت سلطات الاحتلال قيودا على العمالة الفلسطينية داخل الخط الأخضر، تم تسريح العديد من السيدات لمصلحة الرجال ممن فقدوا أعمالهم هناك، مع أن النساء بما نسبته 30% هن المسؤولات عن إدارة الشؤون الاقتصادية للأسر، وفق دراسة للبنك الدولي.
وتحدثت خريشة عن «غياب الإرادة السياسية لتشغيل النساء، فعلى الرغم من إقامة صندوق لتشغيل النساء بالتعاون مع منظمة العمل الدولية ووزارتي العمل وشؤون المرأة وعدة مؤسسات نسوية، إلا أن الصندوق لا يزال على حاله فارغاً». كما أشارت إلى تأثير الاحتلال وخنقه الاقتصاد الفلسطيني وانعكاساته على زيادة البطالة لدى النساء، إضافة إلى عدم الاعتراف بما وصفته بالعمل غير الرسمي في التعاونيات والأعمال الزراعية والمشاريع العائلية. وقالت: القانون الفلسطيني يتحدث عن توحيد الأجر بغض النظر عن الجنس، لكن من خلال الزيارات الميدانية لفريق جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية تبين أن العديــــد من العامــــلات يتقاضين ثلثي راتب نظرائهم من الذكــــور، وفي بعــــض الحــــالات الثلث!

أسباب عدم المساواة

أشارت دراسة لوحدة المرأة في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين إلى تأثر دور المرأة في عملية الإنتاج وموقعها في سوق العمل بعدد من العوامل أهمها: العادات والتقاليد الموروثة التي حصرت دور المرأة في مهن محددة، وكذلك في مواقع عمل محددة، وعدم وجود خطط تنموية تسعى لاستيعاب اليد العاملة النسائية وفق منهج اقتصادي اجتماعي يأخذ في الإعتبار الحاجات والخصائص الأساسية لاستيعاب المرأة في مواقع الإنتاج، بما في ذلك خطط التدريب والتأهيل المهني، والتضارب في قوانين العمل المرعية (السائدة)، وهو ما يزيد من مستوى الجهل أحياناً، والارتباك أحيانا أخرى في التعامل مع هذه القوانين والإفادة من جوانبها الإيجابية لمعالجة قضايا المرأة العاملة وتحقيق حقوقها.
أضافت الدراسة: إن السياسة التي يمارسها بعض أرباب العمل تقوم على التمييز في الأجور، وحرمان المرأة العاملة من حق الإجازة السنوية، والمرضية، وإجازات الأمومة والطفولة المدفوعة الأجر، مشيرة إلى أن تقدم المرأة العاملة للعب دورها الاقتصادي والاجتماعي والوطني في ظل الظروف المستجدة لم يخفف من أعباء الاضطهاد الذي تعانيه على المستوى الاجتماعي، بالإضافة إلى ما تعانيه المرأة كغيرها من الفلسطينيين من اضطهاد سياسي قومي بسبب سياسات الاحتلال، وبهذا نستطيع القول إن المرأة الفلسطينية تعاني الاضطهاد على ثلاثة مستويات: اجتماعي وطبقي وسياسي. وتابعت الدراسة: بالإضافة إلى ذلك، تعاني النساء أيضا من تمييز في الأجور، إذ يحصل الرجال الذين لديهم المؤهلات نفسها على أجور أعلى من زميلاتهم النساء، سواء كانوا يعملون في قطاع الخدمات أو القطاع العام أو في القطاع الخاص، في العديد مـــــن الحالات.. ومثــــــلما نعلـــــــم فـــــــإن هذه المشكلة ليست مشكلة عربية أو فلسطينية فقط. وأضافت: لكن هذا يعني في بلد مثل فلسطين أن الأســـــر التي تعيلها النساء بالذات كثيرا ما تعاني من الفقر، وعلى الرغــــــم من أن ظروف العمل ليست مزهرة قطّ بالنسبة للنــــــــساء الفلسطينيات، إلاَّ أنهن تمكن مع ذلك من تحقيق تقدم كبــــــــير في الأعوام الأخيرة. فقد نجحن بفضل جهودهن في التأثير على التشريعات، إذ تضمن الآن شكليًا المادة الخامســــــة والعشرون من القانون الأساسي الفلسطيني المســــــاواة في العمــــل بــــين الرجل والمرأة. لكن مثلما نعرف أيضا من بلدان أخرى غالبــــا ما تـــكون النظرية والممارسة مخــــــــتلفتين تمام الاختلاف.. وعلاوة على ذلك تواجه النساء في طــــــــريقهن إلى عالم العمل عقبات ثقافية، ليس فقط لأن المجتــــــــمع لا يزال يرى عمل النساء على أنّه ضرورة مالية، بينــــــــما تحاول غالبية النساء من خلال عملهن تحقيق ذاتهن، فهـــــناك الكثــــــير أيضا من الحواجز الثقــــــافية الــــــتي لا تتـــــضح من اللحـــــــظة الأولى، وهي حـــــواجز خــــفية وغير ظاهرة، وأحيـــــانا محـــجوبة.

* صحافي مقيم في رام الله.