| 

يواجه العمال الفلسطينيون في أراضي 1948 تمييزاً مزمناً بحقهم منذ تأسيس إسرائيل. فهم يتقاضون أجورا متدنية، ولا يحصلون على حقوقهم التي ينص عليها القانون، والشركات والمصانع الكبيرة ترفض استيعابهم، بمن فيهم الأكاديميون. ويزداد الوضع سوءا بين النساء الفلسطينيات، اللواتي يضطر قسم من آلاف الأكاديميات بينهن إلى العمل في أعمال لا تتلاءم مع مستواهن التعليمي. وبينما تفتقر المدن والبلدات العربية للتصنيع، يضطر عشرات ألوف العمال إلى السفر مسافات بعيدة للحصول على لقمة العيش. وتصل نسبة البطالة بين العاملين الفلسطينيين إلى ما بين ثلاثة إلى أربعة أضعاف نسبتها العامة في البلاد. وبسبب هذه الأوضاع، فإن الأقلية العربية في إسرائيل تكون دائما أول المتضررين من الخطط الاقتصادية الحكومية التي تدفع كثيرين منهم، مع أنهم يعملون، إلى ما تحت خط الفقر.
إلى جانب إغلاق أبواب المصانع والشركات الإسرائيلية الكبيرة في وجه العرب، باستثناء استيعاب عدد قليل للغاية في بعضها، وهؤلاء يشكلون نسبة لا تذكر، فإن أبواب الوزارات المختلفة مغلقة أمام العرب أيضا. ويستثنى من ذلك وزارة التربية والتعليم، التي يعمل فيها عشرات آلاف المعلمين في المدارس العربية. وهؤلاء هم الفئة الأكثر تنظيما من خلال نقابات المعلمين، وحقوقهم متساوية مع حقوق نظرائهم اليهود. لكن معظم العمال العرب في مناطق 1948 يعملون في أعمال يمتنع اليهود عن العمل فيها.


شرط الخدمة العسكرية


قال رئيس كتلة الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة في الهستدروت، النقابي جميل أبو راس، لـ«ملحق فلسطين»، إن «العمال العرب داخل الخط الأخضر يتقاضون 70% من أجور اليهود الذين يعملون في المهنة نفسها. ومن الناحية الثانية، فإن أماكن العمل المتاحة للعرب قليلة، وتلك المتاحة لا تلائم المستوى التعليمي للكثيرين منهم، إذ إن 40% من الأكاديميين العرب لا يعملون في مهن لها علاقة بدراستهم الجامعية». وأضاف: ان البطالة في إسرائيل هي 7%، بينما البطالة بين العرب تتراوح ما بين 25% إلى 28%. تابع وبحسب أبو راس، فإن «نسبة عالية من عمال البناء في إسرائيل هم إما من العمال الفلسطينيين من داخل الخط الأخضر، أو من العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية». وبسبب عدم توافر أماكن عمل في المناطق العربية مثل الجليل والمثلث، فإن 80% من العمال العرب يعملون في مناطق بعيدة عن مكان سكناهم. وأشار إلى أن «سياسة الحكومات الإسرائيلية تتعمد عدم إقامة مناطق صناعية في مدننا وقرانا. والمناطق الصناعية الموجودة تشمل ورش عمل صغيرة جدا مثل كراجات إصلاح السيارات ومصانع الباطون والطوب والمناجر الصغيرة. وهي في الواقع مناطق صناعية بالاسم وليست قادرة على استيعاب عمال كثيرين».
كذلك، فإن العمل في المصانع والشركات الإسرائيلية الكبيرة والمنظمة نقابيا ليس متاحا للعمال الفلسطينيين. وتضع هذه المصانع والشركات شرطا بهدف منع استيعاب هؤلاء العمال، وهو أن يكون المتقدم للعمل فيها مُسرحا من الخدمة العسكرية. لكن الفلسطينيين في إسرائيل معفيون، بموجب القانون، من هذه الخدمة، إضافة إلى أنهم، كأقلية، يرفضون الخدمة في جيش الاحتلال. وقال أبو راس إن «القانون يمنع التمييز على هذه الخلفية، لكن هذه المصانع والشركات لا تطبق القانون». وعلى سبيل المثال، فإنه يعمل في شركة الكهرباء الإسرائيلية آلاف العمال، لكن عدد العمال العرب في الشركة لا يتجاوز الخمسة أشخاص. لكن أبو راس أشار إلى أن هناك عددا قليلا من المصانع الكبيرة التي تشغل عددا قليلا من العمال العرب في أعمال صعبة من الناحية الجسدية، وهي أعمال يمتنع اليهود عن العمل فيها.
الأكاديميون الفلسطينيون
تطالب سلطات محلية عربية، مثل بلدية الناصرة، بإقامة شركات أو فروع لشركات «هاي تك» فيها من أجل توفير فرص عمل للأكاديميين الفلسطينيين. والشركات الإسرائيلية تستوعب عددا قليلا فقط من الفلسطينيين للعمل فيها. ويورد أبو راس مثالا على ذلك، وهو أن في شركة «إنتِل» التي تعتبر واحدة من أكبر شركات «هاي تك» في بلدة كريات غات، يعمل مئات المهندسين، بينما عدد المهندسين الفلسطينيين لا يتجاوز العشرة.
وأوضح أن «العرب في إسرائيل يشكلون 20% من عدد السكان، كما أن نسبة الأكاديميين العرب مرتفعة. لكن لا يتم استيعابهم في الشركات الكبيرة والمرموقة. ولذلك فإنهم يتجهون إلى أعمال عادية ولا تتلاءم مع تعليمهم. وفي المقابل، لا توجد مشكلة في العمل لدى الأطباء العرب، والمستشفيات تستوعبهم جميعا، وذلك بسبب النقص بالأطباء في إسرائيل».

الأغلبية من دون حقوق نقابية

قال أبو راس إن «الهستدروت هي النقابة الأساسية في إسرائيل، لكن الأمر المؤسف أن أغلبية العمال العرب غير منظمين نقابيا. والعاملون المنظمون نقابيا يكون أجرهم أعلى من غير المنظمين». وعزا ذلك إلى أن معظم العمال في فرع البناء، مثلا، لا يعملون لدى شركات البناء الكبيرة وإنما لدى مقاولين ثانويين، عرب في الأساس، وهؤلاء لا يهتمون بتنظيم العمال، كما أن العمال يخافون من تنظيم أنفسهم ضمن النقابات خشية فصلهم من العمل. ولذلك فإنهم يعملون من دون أي شروط اجتماعية وبأجور متدنية في كثير من الأحيان. وهم يضطرون إلى القبول بهذا الوضع بسبب قلة الأعمال المتاحة أمامهم».
يواجه العمال الفلسطينيون من الضفة الغربية معاناة كبيرة في الوصول إلى أماكن العمل في داخل سوق العمل الإسرائيلية. وهم يخرجون من بيوتهم عند الساعة الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل، لأنهم يضطرون إلى العبور من خلال الحواجز العسكرية لجيش الاحتلال الإسرائيلي، كي يتمكنوا من الوصول إلى أماكن العمل عند السابعة صباحا. وأشار أبو راس إلى أن إحضار العمال الفلسطينيين من الضفة إلى العمل داخل أراضي 1948 يتم من خلال شركات توريد قوى عاملة في الضفة. وتجري المحاسبة بين المقاول الإسرائيلي والمقاول الفلسطيني من الضفة. وعمليا، فإن العامل الفلسطيني لا يعرف شيئا عن قسيمة راتبه، إنما يعرف المبلغ الذي يتقاضاه في كل شهر أو في كل أسبوع. وعلى الرغم من أن العامل الفلسطيني من الضفة يدخل إلى أراضي 1948 للعمل بموجب تصريح من مكتب التشغيل الإسرائيلي، إلا أن المقاولين يزورون معطيات أجره. ويدفع المقاولون أجرا زهيداً للعمال الفلسطينيين، وهو ويقل عن الحد الأدنـــى للأجور، لكنه يسجل في التقارير التي يسلمها إلى مكتب التشغـــــيل أن العامل عمل 13 أو 14 يوما، بدلا من 23 أو 24 يوما، وهذا التزوير ينطبق على الحقوق الاجتماعية أيضا. وأكد أنه على الرغم من أن القانون يسري على العمال الفلسطينيين الذين يدخلون إلى إسرائيل بتصريح عمل، وعلى جميع العاملين في إسرائيل، إلا أن السلطات الإسرائيلية نفسها لا تطبق القانون في هذه الناحية، مع وجود «أمر موسع» بتوقيع وزير العمل يسري على جميع العاملين في إسرائيل.

النساء العاملات: تمييز مضاعف

تحدثت سوسن توما شقحة منسقة مشروع «النساء والعمل» في جمعية «نساء ضد العنف»، لـ«ملحق فلسطين»، إن الجمعية أجرت بحثين عن المعوقات أمام النساء الفلسطينيات من أراضي 1948 في الخروج إلى العمل وعن فرص العمل المتاحة أمامهن. وتبين أن نسبة النساء العاملات تتراوح ما بين 20% و23% من مجمل النساء الفلسطينيات في أراضي 1948. وتبين أنه بينما رأت الأبحاث السابقة أن المعوقات هي اجتماعية أساساً، وجد البحث الذي أجرته الجمعية، وتركز على عينات من نساء متعلمات وغير متعلمات، ونساء عاملات وغير عاملات، ورجال أعمال وسيدات أعمال، أن المعوقات لا تتعلق بأسباب اجتماعية وإنما بسياسة التمييز التي تنتهجها الدولة العبرية وعدم وجود فرص عمل أمام النساء العربيات.
بعد إغلاق فرع النسيج في إسرائيل ونقله إلى دول أخرى، أصبح فرع التسويق عبر الهاتف أكثر الفروع التي تعمل فيها النساء الفلسطينيات. وهن مطلوبات في هذا الفرع لأنهن يجدن اللغتين العربية والعبرية. ومن ناحية الأجور التي تتقاضاها العاملات الفلسطينيات في أماكن العمل المتنوعة، قالت توما شقحة، إنها «أجور متدنية للغاية، خاصة عندما تعمل المرأة عند مشغل عربي، وهذا أمر مؤسف. وتتقاضى العاملة العربية ثمانية شواقل في الساعة، أي ثلث مبلغ الحد الأدنى الذي ينص عليه القانون. وقد طالبنا وزارة العمل بتطبيق القانون. وكان ردها دائما أن على العاملات تقديم شكاوى. لكن تقديم شكاوى بالنسبة إلى النساء العاملات يكلفهن جزءا من دخلهن، ولا يستطعن التنازل عنه، وربما يفقدن العمل بعد تقديم الشكوى». وأضافت: من خلال هذين البحثين تم اكتشاف معلومات عن وضع النساء الفلسطينيات الأكاديميات. وتبين أنه على الرغم من الارتفاع المتواصل في نسبة الأكاديميات الفلسطينيات اللواتي يدرسن للألقاب الجامعية الثلاثة، البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، إلا ان نسبتهن في سوق العمل منخفضة. وتفيد المعطيات بأن 42% من الأكاديميات الفلسطينيات عاطلات عن العمل. وهذا المعطى لا يشمل الأكاديميات اللواتي يعملن في وظائف لا تحتاج إلى تأهيل جامعي، مثل بائعات في متاجر أو عاملات تسويق عبر الهاتف (تليماركيتينغ)، ونسبتهن مرتفعة أيضا.

مستوى أعلى من المطلوب!

تقول سوسن توما شقحة: «وجدنا، بعد إجراء هذا البحث، أن الأكاديميات العربيات يعانين عدم وجود فرص عمل، لأن 62% من مجتمعنا العربي يعيش في شمال البلاد، بينما فرص العمل متركزة في وسط البلاد، أي في منطقة تل أبيب. وما يعرقل حصول النساء على فرص العمل هذه، البعيدة عن مكان سكناهم، هو عدم وجود مواصلات. ومثال على ذلك، هو أنه خلال العام الحالي تم إدخال مواصلات عامة إلى مدينتي أم الفحم وكفر قاسم، وتبين لنا أنه في هاتين الحالتين ارتفعت نسبة النساء في سوق العمل. وهذا دليل على أن الناحية الاجتماعية والتقاليد والعادات، لا تعرقل خروج النساء إلى العمل، وإنما هناك معوقات تكمن في سياسة الدولة وليس للنساء علاقة بها. كذلك هناك نقص في حضانات الأطفال التي من شأنها أن تمكن المرأة من الخروج إلى العمل وهي مطمئنة على أطفالها. إضافة إلى ذلك عدم وجود مناطق صناعية في بلداتنا العربية. وهذه كلها معيقات تؤثر في خروج النساء إلى العمل». ولفتت إلى وجود نقص في التوجيه المهني في المجتمع العربي. وأدى ذلك إلى أن 80% من حاملات البكالوريوس درسن موضوع التربية أو مواضيع تؤهلهن للعمل في مجال التعليم، وذلك على خلفية أفكار نمطية وتقليدية بأن سلك التعليم مريح أكثر للمرأة المتزوجة. وأضافت أن «وزارة التربية والتعليم لا تستثمر في كوادر العمل هذه ولا تستوعبها. ونحن نتحدث عن وجود 11 ألف معلمة عاطلة عن العمل. لكن في المقابل، يوجد في جهاز التعليم العربي نقص بحوالى 1400 غرفة دراسية. ومن شأن توفير هذه الغرف أن يوفر فرص عمل لأكثر من 1400 معلمة عاطلة عن العمل. كذلك يوجد في المدارس الثانوية اليهودية 50 مجالا اختصاصيا، لكن في المدارس الثانوية العربية يوجد 30 مجالا كهذا فقط. وعدد التلاميذ في الغرف الدراسية في المدارس العربية أعلى بكثير منه في المدارس اليهودية. وفي حال سدت وزارة التربية والتعليم هذه النواقص في المدارس العربية، فإن ذلك سيزيد فرص عمل المعلمات العاطلات عن العمل».
كان الاعتقاد السائد أن بطالة الأكاديميات منحصرة في المعلمات. لكن سوسن توما شقحة أكدت «أن هناك أكاديميات عاطلات عن العمل بعد أن تخرجن في كليات القانون، ويحملن شهادة المحاماة، وعاملات اجتماعيات وخريجات من أقسام اللغات. ولا يوجد سبب يبرر عدم استيعابهن في سوق العمل، سوى سياسة التمييز ضد النساء العربيات أو ضد العرب بشكل عام. ففي العام 2009 قررت الحكومة رفع نسبة الموظفين العرب في سلك خدمات الدولة 10%. لكن تبين لنا أن النسبة، اليوم، ما زالت أقل من 8%، ونسبة النساء العربيات 1.8%. والسبب هو أن الدولة تفضل تشغيل اليهود». وخلصت إلى أن فلسطينيي 1948 هم «مجتمع نوعي. فنسبة الطلاب العرب الذين يدرسون البكالوريوس في الجامعات والكليات تتوزع بين 60% طالبات و40% طلاب. و49% من الطلبة العرب الذين يدرسون الماجستير هم من النساء. و36% من الطلبة العرب الذين يدرسون للحصول على الدكتوراه هم من النساء. والحاصل هو أنه رغم البطالة المرتفعة وعدم توافر فرص عمل، فإن هناك كثيرا من النساء اللواتي يلتحقن بدراسات عليا. وأحيانا يكون رد المُشغلين على طلبات عمل تقدمها هؤلاء النساء هو: لديكِ مؤهلات أعلى مما هو مطلوب»!

* كاتب وصحافي فلسطيني مقيم في مدينة الناصرة