| 

يتفق نقابيو قطاع غزة على هامشية الحركة النقابية العمالية التي تعيش وفق توصيفاتهم أسوأ حالاتها، الأمر الذي ساهم في ضياع حقوق العمال الفلسطينيين الذين باتوا لا يجدون جهة نقابية تحمل همومهم وتدافع عنهم. وعلى الرغم من اختلاف توصيفات النقابيين لأسباب التراجع في دور الحركة العمالية الفلسطينية، إلا انهم يجمعون على أن واقع الانقسام السياسي أثر بشكل كبير في دور الحركة العمالية التي تبدو مهلهلة وهامشية لا دور فاعلاً لها. وعلى الرغم من العدد الكبير للنقابات (16 نقابة) إلا انها تابعة لفصائل واتجاهات مختلفة وخصوصاً حركتي فتح وحماس. وبعد أن كانت فصائل منظمة التحرير بزعامة حركة فتح تسيطر على النقابات العمالية في قطاع غزة، إلا ان سيطرة «حماس» على القطاع ودفعها للكتلة العمالية الإسلامية للسيطرة على مقاليد الحركة العمالية ومقدراتها في قطاع غزة، زادا من تشرذم الواقع العمالي لتتراجع معه نسبة الانتساب الى النقابات على اختلاف مسمياتها.
إذاً، ماذا يقول نقابيو القطاع عن هذا الواقع، وما هي أهم المشكلات التي تواجهها الطبقة العاملة؟ والى أي مدى ساهم الانقسام في تراجع الحركة العمالية ونضالها المطلبي وهل نشأت تحديات جديدة أمام النقابات العمالية الموزعة على الفصائل؟ وقبل كل شيء هل يمكن إعادة توحيد هذه النقابات ووقف التدهور في دورها؟

حركة عمالية هشة

هذه الأسئلة وغيرها وضعها «ملحق فلسطين» أمام عدد من النقابيين والمطلعين على واقع الحركة العمالية الفلسطينية التي يقول النقابي العمالي الياس الجلدة، نائب رئيس نقابة الخدمات الصحية، «إنها تعيش أسوأ حالاتها، حيث تراجع دورها بشكل كبير جدا، الأمر الذي كانت له نتائج سيئة واضحة سببها الانقسام السياسي». ويؤكد الجلدة وجود خلل بنيوي في واقع الحركة العمالية، لأنها تقوم على أساس حزبي ضيق وليس على أساس فعال ونشط. ويشير إلى أن «عيوب الحركة النقابية العمالية ظهرت بشكل واضح في ظل الانقسام السياسي بعد سيطرة حماس على النقابات ومنعها العمل النقابي، ليتضح ضعف الحركة العمالية التي لم تستطع الدفاع عن نفسها ومقارها أَكان ذلك أمام القضاء والقانون أو في الميدان». ولا ينكر الجلدة «حقيقة عدم وجود التفاف عمالي حول النقابات، لتظهر كحركة عمالية هشة يقوم عليها نقابيون ضعفاء لا يقومون بدورهم إلا في بعض الفاعليات الموسمية على الرغم من وجود إشكاليات متعددة تستدعي وجود صوت وموقف قويين للحركة العمالية». ويرى الجلدة ان «البطالة والفقر وتردي الأوضاع المعيشية وغياب الأفق أمام سوق العمل تعتبر أهم المشكلات التي تواجه سوق العمل التي باتت غير قادرة على استيعاب الخريجين أو الباحثين عن عمل، مما زاد من البطالة وتدني الأجور، وهي مشاكل لم تقف الحركة العمالية أمامها».
في محاولة لسرد مزيد من المشكلات التي تواجه العمال في قطاع غزة، تحدث الجلدة عن غياب الصناعة الوطنية وضعف الاقتصاد، ما أدى إلى عدم القدرة على استيعاب المزيد من العمالة. تابع وقال: إن ضعف سوق العمل أدى إلى بروز ظاهرة تدني الأجور وقبول العمل بأجور زهيدة تصل إلى ما يعادل خمسة دولارات في اليوم الواحد. وأضاف: هناك أيضا إشكاليات لها علاقة بالانقسام داخل الحركة العمالية المنقسمة على ذاتها أصلا، حيث يوجد كثير من الدكاكين العمالية الصغيرة التي لا تستطيع أن تدافع أو ترتقي إلى مستوى متطلبات العمل النقابي. وتطرق إلى تراجع النضال المطلبي العمالي بشكل كبير، مشيرا إلى وجود «نقابات صغيرة تعمل داخل المنشآت القائمة في قطاع غزة، إلا أن هذا النضال المطلبي تأثر بالحالة السياسية والوضع الداخلي، ما أدى إلى عدم تحقيق انجازات». وفي معرض حديثه عن التحديات التي برزت في القطاع، أشار الجلدة إلى ظاهرة عمال الأنفاق، «إذ لم تتعد مواقف الحركة النقابية منها صيغة إعطاء الموقف فقط، حيث لم تجرؤ الحركة النقابية على الوقوف أمامها بالشكل المطلوب»! وقال: عمال الأنفاق الذين لا توجد إحصاءات واضحة عن عددهم، يتعرضون لصعوبات ومخاطر كبيرة تصل إلى حد الموت، دون التمتع بأي حماية قانونية أو نقابية تذكر سوى محاولة حكومة غزة تعويض العامل في حالة الوفاة
تشرذم وفئوية
الجير بالذكر أن الحركة العمالية الفلسطينية منقسمة على ذاتها منذ سنوات طويلة سبقت الانقسام الأخير مع تفاقم الخلاف بين «فتح» و«حماس»، حيث شهدت الأراضي الفلسطينية مع قيام السلطة تطور صراع بين اتحادين عماليين: الأول هو الاتحاد العام لعمال فلسطين الذي يتمسك بتمثيله لجميع العمال داخل فلسطين وخارجها، بما في ذلك في إطار العلاقات مع الاتحادات والنقابات والمنظمات العمالية العربية والدولية، في حين يزعم الاتحاد الثاني وهو الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، أنه يمثل العمال على الرغم من تركيز عمله على الضفة الغربية وقطاع غزة، قبل أن تنازعهما «حماس» على تزعم الحركة النقابية العمالية، إلى جانب بروز حركة نقابية عمالية مستقلة ساهمت بشكل كبير في رفع مستوى المطالبة بالحقوق الوطنية وكذلك النقابية.
لا يختلف رأي النقابي أسامة الحاج أحمد، رئيس النقابة العامة للبتروكيماويات والغاز، ومستشار الاتحاد العام لعمال فلسطين، عن رأي زميله الجلدة في توصيف الواقع العمالي الفلسطيني باعتباره واقعا مترديا وصعبا جدا يصل إلى حد عدم تمكن الحركة العمالية من القيام بالمهام المنوطة بها، لأسباب عدة من بينها عدم سماح حركة حماس للقادة النقابيين بحرية العمل وإغلاق مقارهم ومتابعة نشاطهم. وقال الحاج أحمد: للأسف، الحركة النقابية غير متجددة وغير ديموقراطية، وتقوم على أساس فئوي تتحكم بها شخصيات ضعيفة لا تمثل كافة العمال. وأشار إلى أن «البطالة تعتبر من أهم المشكلات التي تواجه العمال الذين يعانون عدم التوزيع العادل للمساعدات خلال فترة الحصار، وغياب الأسس العادلة في توزيع المساعدات، والتي غالبا ما تتم على أسس حزبية وفئوية». ويؤمن الحاج أحمد أن الانقسام أدى إلى مزيد من ضعف في الحركة النقابية العمالية. ويلوم الفصائل الفلسطينية «لأنها ساهمت في تقصير الحركة النقابية عن القيام بمهماتها»، مؤكدا «ضرورة أن تساند هذه الفصائل الحركة النقابية وتدفعها إلى النهوض من غفوتها نحو مزيد من العمل المتواصل لخدمة العمال».
واعتبر أن «ضعف الحركة النقابية أدى إلى عدم النضال في سبيل أية مطالب للعمال، واقتصار دورها على إصدار البيانات الصحافية فحسب، من دون أن تكون لها وسيلة ضغط لتنفيذ مطالب العمال». وعن ظاهرة عمال الأنفاق وكيف تعاملت الحركة النقابية معها، قال الحاج أحمد «إن ظاهرة عمال الأنفاق ظاهرة فريدة من نوعها ظهرت في منطقة جغرافية حدودية ويمكن أن يتم تصنيفها على أساس أنها عمالة غير شرعية». وأكد أن السلطات القائمة شرعت بعض القضايا وحرمت النضال المطلبي موضحا أن السلطات في رفح تعطي الأنفاق تراخيص وتمدها بالكهرباء والمياه إلا أنها تصف الظاهرة بأنها عمالة غير شرعية إن طالبت بحقوقها.

النقابات العمالية الإسلامية

يؤكد محمد عيسى حمدان، مسؤول محافظة الوسطى في قطاع غزة في اتحاد نقابات عمال فلسطين الذي تسيطر عليه حركة حماس وكتلتها العمالية التي تحمل اسم «النقابات العمالية الإسلامية»، أن «الحركة العمالية ضعيفة، وهي تعيش أسوأ أوضاع أدت إلى ارتفاع نسبة البطالة لتصل إلى 45%». ومع عدم ميل حمدان الواضح لانتقاد الحركة العمالية، إلا أنه يقر بأن «الحركة العمالية كانت وما زالت ضعيفة»، مرجعا السبب إلى الحصار الذي تعيشه الحركة النقابية كما هو حال الشعب الفلسطيني في القطاع. وقال: حاولنا أن نبحث عن تنفيذ مشاريع صغيرة لتشغيل العمال، إلا أن هذه المشاريع كانت تفشل دائما لأنها ارتبطت بشكل وثيق بواقع الحصار. ونوه إلى أن أهم المشاكلات التي يواجهها العمال هي الحصار، داعيا إلى فتح المعابر ووضعها تحت السيادة الفلسطينية الكاملة. وأوضح حمدان أن «منع دخول الاسمنت إلى قطاع غزة يسهم في توقف ما يزيد على 13 مهنة مرتبطة به»، لافتا إلى أنه «من الصعوبة بمكان حل مشكلة البطالة في أوساط العمال». وكشف عن وجود ما يزيد على 130 ألف عامل تحت خط الفقر، وأن 90% منهم يعتمدون على المساعدات المقدمة من الجمعيات والمؤسسات. وقال: الوضع صعب جدا، والنقابات والحكومة لا تستطيع تلبية حاجات العمال في ظل استمرار الحصار المفروض على قطاع غزة.
عن الجهود المبذولة لتوحيد الحركة العمالية الفلسطينية قال حمدان إن النقابات العمالية التابعة لحركة حماس حاولت التواصل مع النقابات العمالية الأخرى الموجودة في رام الله وغزة، «إلا أن هذه الجهود لم تثمر»، مؤكدا أنه أطلق قبل أيام دعوة من أجل توحيد النقابات. وأضاف: نحن مع إنهاء الانقسام وتوحيد النقابات العمالية بأسرع وقت ممكن ليتم التصدي للمشاكل التي يواجهها العمال في جميع محافظات الوطن.
يذكر أن «حماس» سيطرت على المقر العام لاتحاد نقابات عمال فلسطين، ونصبت بدلا من قيادته قيادة جديدة تابعة لها محتفظة بالاسم، ومنعت القادة النقابيين من أي نشاط فلزموا منازلهم، واقتصر العمل النقابي على بعض النقابات الصغيرة التي يسيطر عليها نقابيون من فصائل يسارية، وخاصة الجبهتين الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب.

تجربة اللجان العمالية المستقلة

أكد نضال غبن، مدير مركز الديمقراطية وحقوق العاملين في قطاع غزة، عدم وجود حركة عمالية نقابية بالمعنى الدقيق للكلمة. وقال: الحركة النقابية يجب أن ينتخبها العمال في الورش والمصانع، إلا أن الواقع يشير إلى أنها بنيت على أساس حزب سياسي وتربعت على قيادتها شخصيات غير منتخبة مضى على وجودها في ذات الموقع أكثر من خمسة عشر عاما. واضاف: أغلبية القيادات النقابية هم موظفون في السلطة، بعكس ما هو مطلوب من القيادي النقابي الحقيقي الذي يجب ألا يكون مرتبطا بأجندات نقابية أو سلطوية. وأشار إلى أن «الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في قطاع غزة كان يتألف من 16 نقابة عمالية مقسمة على أساس حزبي، لا تتجاوز نسبة العضوية فيها 10%»، مشيرا إلى أن «عدم وجود انتساب لها حولها في السنوات الأخيرة إلى جهة تقدم الكوبونات (قسائم المساعدات)، على الرغم من أن أساس عملها هو تحسين ظروف العمل والدفاع عن العمال».
أكد غبن أن «الانقسام زاد الطين بلة بعد أن سيطرت حركة حماس على مقر الاتحاد، ومنعت النقابات من مزاولة عملها، وأوجدت نقابات بديلة في تعارض مع القانون الذي يرفض ازدواجية النقابات، ما ساهم في زيادة شرذمة الحركة العمالية التي تنقصها الديمقراطية والتعددية مع وقوعها تحت سيطرة فئة أو حزب». كما أن «حماس أقرت قانونا جديدا سيئا للنقابات، مما زاد المشكلات». وأوضح أن «الوضع النقابي المتردي دفع بعض الغيورين من العمال إلى تشكيل اتحاد اللجان العمالية المستقلة كحركة اجتماعية من أجل المطالبة بتحسين الواقع العمالي»، مضيفاً أن تشكيل هذه اللجان تم بتشجيع من مركز الديمقراطية وحقوق العاملين قبل سيطرة «حماس» على قطاع غزة. وقال: هذه اللجان العمالية المستقلة استطاعت عبر تنظيم فاعليات وطنية من انتزاع بعض الحقوق العمالية، مثل مجانية التأمين الصحي للعمال، والإعفاء من رسوم التعليم المدرسي والجامعي»، مؤكدا أن «هذا الدور تراجع مع سيطرة حماس على القـــطاع بعد أن قيدت التجمع السلمي والتظاهرات». وقال: «المركــــز واتحاد اللجان العمالية المستقلة تقدم أكثر من مرة خلال السنـــــــوات الماضية بطلبات إلى حماس لتنظيم مسيرات في الأول مـــــــن أيار، إلا أنها كانت تواجه بالرفض والتقييد مع أن كتلة حمـــــــاس العمالية كانت تشارك في الفاعليات قبل أن تسيطر الحركة علــــــى قطاع غزة».
يختلف رأي غبن عن آراء سابقيه في آلية توحيد الحركة العمالية، مؤكدا «ضرورة الحديث عن إحياء الحركة العمالية قبل توحيدها». وقال: من الضروري أن تعطى الأولوية لتشكيل نقابات عمالية على أسس ديموقراطية بعيدا عن الأجندات السياسية، مع القضاء على ظاهرة القادة النقابيين المخلدين الذين غزا الشيب شعورهم وهم يجلسون خلف المكاتب لا يتحركون بين العمال.

* صحافي مقيم في غزة