| 

ما إن تقترب من كنيسة القديس جاورجيوس التابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس في بلدة برقين غرب جنين في الضفة الغربية المحتلة، حتى تشتم رائحة بخور تنبعث على مدار الساعة من هذه الكنيسة التي تحتضن المغارة التي شهدت معجزة السيد المسيح عيسى بن مريم، في إشفاء العشرة البرص، وهو في طريقه من الناصرة إلى بيت لحم. وتعتبر كنيسة القديس جاورجيوس رابع أقدم كنيسة في العالم، بعد كنائس «القيامة» و«المهد» و«البشارة»، وواحدة من أبرز المعالم الأثرية في محافظة جنين التي تمتاز بكثرة تلك المواقع فيها. وقال راعي الكنيسة الأرشمندريت إلياس عواد، إن هذه الكنيسة عريقة جداً، وهي واحدة من أقدم كنائس فلسطين والعالم، وكانت واحدة من المحطات المهمة في طريق السيد المسيح الذي مر ببلدة برقين، وقرر الاستراحة فيها قليلا برفقة تلاميذه ممن رافقوه في سفره من الناصرة إلى بيت لحم، عندما بلغته استغاثة عشرة مرضى أصيبوا بداء البرص، وتم احتجازهم في داخل مغارة مظلمة خشية انتقال العدوى إلى الآخرين، وكان الأهالي يزودونهم بالماء والطعام، من خلال فتحة صغيرة في أعلى المغارة، حتى قدم إليهم المسيح، ومسح على وجوههم، لتتحقق واحدة من معجزاته، وليعودوا إلى ممارسة حياتهم الطبيعية، كما جاء في إنجيل «لوقا».

ترميم واكتشافات

تقع كنيسة القديس جاورجيوس إلى الشمال الشرقي من بلدة برقين، على منحدر جبلي، وتشرف على واد برقين الأخضر، وتكسو أشجار الزيتون المنطقة المقابلة لها. ومع صغر مساحة هذه الكنيسة التي تضم قاعة صغيرة، إلى جانبها المغارة القديمة التي وضع في داخلها الهيكل، إلا أنها، كما يقول معين جبور الذي يواظب على متابعة أمورها، تشهد القداديس والاحتفالات الدينية لأبناء رعية الروم الأرثوذكس في برقين. وأشار جبور إلى ان هذه الكنيسة شهدت ترميمات كثيرة، تم خلالها اكتشاف خنادق وسراديب في أسفل الكنيسة، كانت تستخدم لأغراض تنقل المقاومين من الرهبان على مر العصور.
من جانبه، قال نايف قحاز، وهو أحد وكلاء الكنيسة، إنه تم العثور خلال أعمال الترميم الأخيرة، على رفات أربعة من الخوارنة تم دفنهم منذ القدم في أرض الكنيسة، وتحديدا قرب المغارة التي شهدت معجزة شفاء العشرة البرص على يد المسيح. وأضاف قحاز أن هذه الكنيسة تشهد على كل صغيرة وكبيرة من تفصيلات حياة أبناء الرعية في برقين، فإليها يجلب كل مولود ليتم تعميده، وتشكل مكانا للالتقاء بين أبناء الطائفة.

أصل التسمية

تعتبر كنيسة برقين واحدا من المعالم التراثية المهمة التي تنتشر في محافظة جنين الواقعة على السفح الشمالي لجبال نابلس المطلة على مرج ابن عامر شمال فلسطين، وسماها العرب بهذا الاسم نسبة إلى «المرج»، وهي كلمة تعني الأرض الواسعة ذات النبات والمراعي للماشية، ونسبت إلى عامر الكلبي جد الصحابي دحية الكلبي المدفون في إحدى قرى المرج الذي تقدر مساحته بنحو 360 كيلومترا مربعا.
ترتفع جنين 250 مترا عن سطح البحر، وكانت مكانها في العهد الروماني قرية باسم «جيناي»، وبعد أن فتحها العرب جعلوا اسمها «جنين»، واستردها صلاح الدين الأيوبي من الصليبيين بعد معركة حطين الشهيرة عام 1187 ميلادي. وكانت جنين في عهد المماليك مركز بريد بين غزة ودمشق، وفيها برج للحمام الزاجل الذي كان يحمل الرسائل بين مصر والشام، وكانت محطة تحل فيها الهجن التي تحمل الثلج من دمشق إلى القاهرة في أيام الحر.

من الحرب العالمية إلى ثورة القسام

خلال الحرب العالمية الأولى، اتخذ الجيش الألماني المقيم في فلسطين من جنين مركزا لسلاح طيرانه، فأقام فيها مطارا كبيراً، لكن الجيش البريطاني دخل المدينة عام 1918 وعقد فيها الجنرال «اللنبي» قائد الحملة البريطانية، مؤتمرا عاما لقادة جيوشه في فلسطين، وبعد ذلك تحولت إلى موقع للثوار، وشهدت ميلاد أول ثورة مسلحة منظمة ضد الوجود البريطاني عام 1935 بزعامة الشيخ عز الدين القسام. وكانت جنين آخر موقع انسحب منه فوزي القاوقجي مع قواته بعد إيقاف ثورة 1936، واختيرت مقرا لمحطة الشرق الأدنى التي أنشأها الإنكليز عام 1941 في أثناء الحرب العالمية الثانية.
تعتبر جنين حلقة وصل بين الطرق الواصلة نابلس بالعفولة وبيسان، ونقطة مواصلات الطرق المتجهة إلى حيفا والناصرة ونابلس والقدس. ومن معالمها التاريخية الجامع الكبير الذي قامت ببنائه السيدة فاطمة خاتون ابنة محمد بك ابن الملك الأشرف قانصوه الغوري، وإلى جانبه مدرسة فاطمة خاتون. وبعد احتلال إسرائيل جنين في الرابع من حزيران 1967، اقتطعت سلطات الاحتلال نحو 100 ألف دونم من أرضيها لبناء المستوطنات، وكانت من ضمنها 19 قرية عربية لم يتبق منها الآن إلا 13 قرية بعد أن دمرت القرى الست الأخرى.

مواقع أخرى

تضم مدينة جنين ومجموعة من قراها عددا من المواقع الأثرية التي يمكن أن تشكل منطقة جذب سياحي، بحيث يمكن أن يكون للزائر أو السائح خط سير متلائم مع مدة إقامته في المدينة. ففضلا عن وجود الأماكن الأثرية فيها، هناك المرافق السياحية الجيدة المتمثلة بالمطاعم والاستراحات التي بدأت تظهر فيها، بالإضافة إلى أماكن المبيت. ومن أبرز المواقع الأثرية المهمة التي تزخر بها جنين، نفق بلعمة الذي يعود تاريخه إلي العصر البرونزي المتأخر (1500 ق.م.)، ويقع على المدخل الجنوبي للمدينة، وهو عبارة عن نفق مائي محفور في الصخر يبلغ طوله 105 أمتار، وتم الكشف عنه سنة 1996 في أثناء عملية توسعة الشارع الرئيس للمدينة، ويعتبر من أقدم الآثار العربية الكنعانية الماثلة حتى اليوم في فلسطين.
تقع قصور آل عبــــد الهـــــادي الأثرية في بلدة عرابة (13 كلم جنوب غرب جنين)، وهي تمثل مرحلـــــــة مهمة من مراحل التاريخ الفلسطيني، إذ تمكنت بعض العـــــائلات الفلسطينية خلال فترة الحكم العثماني مــــــــــن الســـــــــيطرة على المنطقة وإنشاء أماكن نفوذ خاصـــــــة بها، وكانت عائلة عبد الهادي من الأسر التي حكمتها. ويحـــــــتوي هذا الموقع على عدد من القصور التي تعود ملكيتها إلى عائــــــــلة عــــــــبد الهادي، وتشكل نموذجا رائعا للطراز المعماري العثماني الـــــــــذي كان سائدا في تلك الفترة، ويوحي للزائر بالقوة والمكانة التي كانت تتمتع بها هذه العائلة، بالإضافة إلى الحياة المرفهة لأفرادها، وهي اليوم من أهم المواقع الأثرية التي تقصدها الوفود السياحة في المحافظة. ومن المعالم الأثرية الأخرى في جنين مكتبــــــــــة الــــــــبلدية التي تعتبر من أهم المعالم الثقافية في المدينة، وكانـــــــت في السابق مقرا للبلدية القديمة، إلا ان البلدية نقلت مقـــــــرها الجديد بعيدا عن وسط المدينة المزدحم، وعلاوة على ذلك هنـــــــاك دير اللاتين وسوق السيباط التي تعتبر احد المعالم التاريخية العثمانية في المدينة، وهي سوق تجارية يقع مدخلها عند البلدية القديمة، إضافة إلى التذكار الألماني الذي بني في مكان سقوط طيارين ألمانيين خلال الحـــــــــرب العالميـــــــة الثانية، وكذلك مقبرة شهداء الجيش العراقي القــــــــريبة من بلدة قباطية في جنوب جنين، وتضم رفات خمسين ضــــــابطا وجنديا عراقيا سقطوا دفاعا عن فلسطين عام 1948.

* صحافي مقيم في جنين.