| 

كانت العفوية هي السمة الغالبة على الحياة الثقافية والاجتماعية في محافظة جنين بجميع شرائحها وقطاعاتها المجتمعية والثقافية، بما فيها الفئات المثقفة والمتعلمة التي كانت تقود الحركة الثقافية والاجتماعية والسياسية من المقاهي وصالونات الحلاقة، لتشكل نواة صلبة للنوادي والملتقيات الفكرية.
في أوائل الستينيات، بادرت مجموعة من المهتمين بالشأن الثقافي والاجتماعي إلى إنشاء فرقة موسيقية وكشفية، وأخرى مسرحية أسسها يوسف حنايشة، وكانت تقدم عروضا في المقاهي والحارات وساحات المدارس، وتم إنشاء ناد رياضي في الفترة نفسها ضمن حالة الحراك الثقافي التي سادت جنين خلال تلك الفترة. ويجزم المؤرخون أن «الحكواتي»، كان الفعل الثقافي السائد، ليُطرِف الناس أولا بأسلوبه السردي ومن ثم يأتي بالقصص والحكايات الشعبية مثل «عنترة بن شداد»، و«أبو زيد الهلالي»، بينما كانت احتفالات عيد المولد النبوي تستولي على حيز كبير من اهتمامات الأهالي لتبرز مدى تعدد الثقافات في التعبير عن هذه المناسبة. وفي تلك الفترة التي سبقت احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية في الرابع من حزيران 1967، أدت سينما «الهاشمي»، كما قال مدير مكتب وزارة الثقافة في محافظة جنين، عزت أبو الرب، دورا محوريا في المشهد الثقافي، قبل أن تولد سينما جنين التي أعيد تأهيلها مؤخراً، وتقوم حاليا بدور ثقافي لافت.

استحداث وزارة الثقافة

مع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في العام 1994، كانت وزارة الثقافة من بين مجموعة الوزارات التي تم استحداثها، وأنيط بها وضع المقدمات التمهيدية لتفعيل الحياة الثقافية والتخطيط لها وإدارة شؤونها، وذلك إيمانا منها بأن الثقافة سلاح مهم للغاية في المعركة التحررية من حيث قدرتها على توفير إمكانيات الصمود وبناء الشخصية الوطنية الفلسطينية والحفاظ على الهوية، كما قال أبو الرب الذي أضاف: أنشأت الوزارة مكاتب لها في معظم المحافظات، وتم افتتاح مكتب جنين في حزيران 1995، ليعهد إليه القيام بدور رئيس في وضع التصورات وإعداد الخطط الكفيلة بتنشيط الحياة الثقافية في هذه المحافظة المترامية جغرافيا. وأشار أبو الرب إلى أن عمل مكتب وزارة الثقافة في هذه المحافظة يواجه صعوبات تحد من طموحاته، أبرزها عدم وجود مجمع ثقافي أو قصر للثقافة متعدد الأغراض يحتضن النشاط الثقافي التي تتم استضافتها في أماكن متعددة غير مخصصة بالأصل لاحتضان مثل هذا النشاط.

صعوبات وعراقيل

من بين تلك الصعوبات، بحسب أبو الرب، التقطيع الجغرافي الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي على المناطق الفلسطينية، والذي يمثل عقبة رئيسة أمام الجهود التي تبذل في سبيل تنشيط الحركة الثقافية. وقال: إن من بين تلك العقبات نقص الكادر العامل في مكتب وزارة الثقافة، وعدم توفر سيارة خاصة به، ما أدى إلى صعوبة في تواصله مع المؤسسات الثقافية، عدا عن غياب دور المؤسسات الثقافية والمجالس البلدية والقروية في دعم الجهود المبذولة لتنشيط الحياة الثقافية في هذه المحافظة. وأوضح أن الوضع الاقتصادي الصعب للمواطن، يحول دون مشاركته الواضحة في العمل الثقافي، وينجم عنه انعدام المبادرات الفردية والجماعية.
على الرغم من جميع هذه الصعوبات، قال أبو الرب، فقد نفذ مكتب وزارة الثقافة عدداً من الفعاليات الثقافية منذ قيام السلطة الوطنية، منها تنظيم الأسابيع الثقافية وهي: أسبوع القراءة الوطني، أسبوع ثقافي باسم الشاعر برهان الدين عبوشي، وآخر يحمل اسم الشهيد نعيم خضر، وثالث لمناسبة يوم الأرض، ورابع في الأدب الفلسطيني، وخامس احتفاء بالقدس عاصمة للثقافة العربية عام 2009. ولم يغفل مكتب وزارة الثقافة دور محطات التلفزة المحلية والوطنية في تنشيط الحياة الثقافية في المحافظة، فبادر إلى تنظيم مسابقات رمضانية تتحدث عن القرى والمدن المهجرة بعنوان «كي لا ننسى»، ومسابقة لطلبة المدارس بعنوان «بشائر الإبداع»، وتسجيل عشر حلقات في الزجل والحداء الشعبي، ومثلها مع أدباء المحافظة بعنوان «مبدعون»، ومسابقات ثقافية للمبدعين الشبان في العلوم والفنون والآداب، ومعارض للكتب والفنون التشكيلية، وندوات ومحاضرات في الشعر والقصة والحكاية الشعبية، وورش عمل في مجالات المسرح والكتابة الإبداعية والفنون التشكيلية، وجداريات فنية في المدينة وقرى المحافظة، إضافة إلى دورات في الكتابة الإبداعية للمعلمين والمعلمات.

فعاليات ثقافية

وفي يوم ركز عزت أبو الرب على فعاليات مهرجان مرج ابن عامر للثقافة والفنون الذي أضحى تقليداً سنوياً تشهده جنين منذ عدة سنوات، ويشتمل على كثير من الفاعليات التي تترك أثرا عميقا في الحياة الثقافية. ويحاول القائمون عليها إشراك أكبر عدد ممكن من القطاعات المجتمعية والثقافية فيها، بما في ذلك تنظيم عروض مسرحية وسينمائية وغنائية وموسيقية.
إلى جانب اللقاء الشهري الذي تخصصه وزارة الثقافة للأدباء والمثقفين، تحرص وزارة الثقافة على تنظيم فعاليات ثقافية متنوعة إحياء لمناسبات ذكرى النكبة والنكسة ويوم المرأة ويوم الأسير ويوم المكتبة العالمي وذكرى وعد بلفور وإعلان وثيقة الاستقلال ويوم الأرض ويوم الثقافة العربية. وتولي وزارة الثقافة، كما هي الحال للمجلس الثقافي الذي تم تأليفه في جنين، قبل نحو ثلاث سنوات، أهمية كبرى لأسبوع القراءة الوطني، والذي يهدف القائمون عليه إلى تشجيع عادة القراءة، وحث الجميع على القراءة واستغلال الكم الهائل من الموسوعات والكتب الثقافية والعلمية المتراكمة في المكتبات العامة والمنزلية.

أمسيات وليال رمضانية

على مدار أيام شهر رمضان تشهد جنين الأمسيات والليالي الرمضانية التي يتم استغلالها لتعريف الأجيال الصاعدة بما كانت عليه حال المشهد الثقافي قبل عشرات السنين، ومحاولة استنهاض الهمم للعودة إلى التراث الشعبي الذي يصبح يشهد حالة من التراجع في مواجهة صرعات العصر. ويعمل مكتب وزارة الثقافة، كما قال أبو الرب، على إحياء اليوم العالمي لرحيل شاعر فلسطين الكبير محمود درويش، من خلال تنظيم نخبة من الأعمال الفنية والثقافية الهادفة إلى تسليط الضوء على حياة هذا الشاعر ومؤلفاته وقصائده الشعرية، إلى جانب الاحتفاء بإصدارات الكتّاب والشعراء في سبيل تشجيعهم على مزيد من الإبداع.
وعلى مدار السنوات الثلاث الأخيرة، شهدت محافظة جنين، حراكا ثقافيا لافتا أساسه خطة فصلية أعدتها وزارة الثقافة بالتعاون مع المجلس الاستشاري الثقافي، وتغطي المشهد الثقافي، وتنفذ حاليا خطتها المئوية، الأمر الذي عزز من تواصلها مع المبدعين والمبدعات والمؤسسات الثقافية والجمعيات والمكتبات المدعومة والمجالس البلدية والقروية، لتقوم بتنفيذ ورعاية العديد من الأنشطة الثقافية والفنية.

35 مركزاً ثقافياً

هناك ما يزيد على 35 مركزا ثقافيا مسجلا لدى وزارة الداخلية في جنين، بعضها لم يستكمل ترخيصه، وبعضها انقطع نشاطه ولم يصوب أوضاعه القانونية، وهي منتشرة في قرى وبلدات المحافظة. وعرض أبو الرب أسماء المراكز الثقافية التي استكملت إجراءاتها القانونية، وهي: الجمعية النسائية الثقافية للتراث الشعبي الفلسطيني في جنين، وجمعيات كفر راعي للتنمية الثقافية، ومسرح «الحرية» في المخيم، وسينما جنين لفرع الجمعية الألمانية، والبيرق، وتل تعنك، وقنطرة للتراث الشعبي، و«الكمنجاتي» للموسيقى، ومحطة جنين، ومركز الطفل الفلسطيني، والفنون الإبداعية، وجذور الأرض، ومنتدى الشعراء الشعبيين. أما المكتبات، فأشار أبو الرب، إلى ست منها مخصصة للأطفال مدعومة من قبل وزارة الثقافة وهي: مكتبات أطفال بلدية جنين، والجليل للرعاية والتأهيل المجتمعي في المخيم جنين، وأطفال جمعية الزبابدة الخيرية، وأطفال بلدية اليامون، وأطفال مجلس قروي تعنك، وأطفال نادي شباب سيلة الظهر. وزودت وزارة الثقافة، هذه المكتبات بالكتب المتوافرة والقرطاسية والمعدات المكتبية الحديثة وربطتها بشبكة «الإنترنت» لفترة من الزمن، ودعمت أنشطتها الثقافية على مدار ثلاث سنوات متتالية، وما زالت تقدم لها الدعم والرعاية.

بحث ميداني

كان مكتب وزارة الثقافة أجرى بحثا ميدانيا تم خلاله التعرف إلى أسماء المبدعين والكتاب والعاملين في مجال الفنون والثقافة، وبين أنه يوجد في المحافظة ما يزيد على 95 شاعرا، وما يزيد على 90 رسام كاريكاتير وفنانا تشكيليا وخطاطا وعاملا في الديكور، و30 كاتب قصة قصيرة، وما يزيد على 40 زجالا شعبيا، و10 روائيين، و20 ممثلا مسرحيا.

أبو بسام الجلماوي

وشكلت وفاة الشاعر الشعبي وعميد الزجل الفلسطيني، محمد عبد الحميد شعبان المعروف باسم أبي بسام الجلماوي، من قرية الجلمة في محافظة جنين، قبل عدة أشهر، خسارة كبيرة للحركة الثقافية ليس في جنين فحسب وإنما في جنين. ووصف كثيرون أبا بسام الجلماوي، بصاحب الصوت الجبلي القوي الشجي، وصاحب النخوة والوقار والخلق الحسن والزي الفلسطيني الأصيل، والذي احترم نفسه كما احترم الآخرين، فاكتسب محبة الناس واحترامهم وإعجابهم وتقديرهم، وكان لسنوات طويلة، من أبرز الشعراء الشعبيين المجيدين الذين رفدوا نهر العطاء الفلسطيني، فاشتهروا وذاع صيتهم من خلال الأعراس والأفراح والمهرجانات الوطنية والمناسبات السعيدة.
وقال أبو الرب: إننا جميعا كنا نتتبع حفلات أبي بسام الجلماوي، ونحرص على حضورها في المدن والقرى والمخيمات، فهو شاعر وحداء وزجال مخضرم وكبير له باع طويلة في الكلمة الفلسطينية المحكية، وحمل هموم الشعب وعذاباته، ونذر نفسه ووهب حياته لوطنه من خلال أشعاره، وكرس طاقاته وجهوده من أجل الحفاظ على تراثنا الشعبي الفلسطيني وحماية هويتنا الوطنية، وكان له دور محوري في الإصلاح والعمل الخيري والسلم الاجتماعي، وطغى الطابع السياسي على شعره، ولكونه كان يغني للأسرى والجرحى والشهداء فرضت عليه سلطات الاحتلال الإسرائيلي، الإقامة الجبرية بذريعة التحريض.
وأضاف: إن هذا الشاعر الشعبي الكبير، تفاعل مع الأحداث الوطنية والسياسية، وتجاوب مع كل حدث وطني، ونادى بالحرية، وغنى بأحاسيس الناس ومشاعرهم ونبضات قلوبهم وأكثر من التغني بالوطن الجريح، وتمجيد الانتفاضة وثورة الحجارة، وغنى للحياة والحب والأرض والإنسان والمخيم والفقير، فأطرب وألهب المشاعر ودغدغ القلوب وحرك الأحاسيس، وتجاوب الحضور مع «أوفه» المميزة التي اشتهر بها كثيرا، مع وصلات الزجل والعتابا والميجانا.
وتابع: إن هذا الشاعر الراحل دعا من خلال أشعاره إلى التمسك بالتراب والأرض حتى الجذور، والحفاظ على قيم الأخلاق والفضائل الإنسانية، والاعتزاز بالقدس والأقصى، والحض على الكفاح والمقاومة حتى نيل الحرية والاستقلال، فكان شاعرا إنسانا ترك بصماته في الحياة الفنية والغنائية والزجلية الفلسطينية بأشعاره وأهازيجه وزجله الوطني، وتميز برنات صوته وكلماته القوية وأسلوبه الشاعري البسيط الجميل، وامتاز بأزجاله الوطنية ودعواته إلى المحبة والتسامح بين الناس، وورث فنه لابنيه عصام ونعمان.
وخلص إلى القول: بوفاة الراحل أبي بسام الجلماوي، فقدت فلسطين شعبا وتراثا وأدبا، أحد أبرز أعلام وأعمدة الشعر الشعبي البارزين، وحــــــاديا معروفا تمتع بشعبية كبيرة، وصال وجال في محافظات الوطن هاتفا للحياة والحرية والأرض وكرامة الإنسان، وسيبقى خالدا وحيا كالزيتون والسنديان في الوجدان والذاكرة الفلسطينية والتاريخ الأدبي والتراثي الوطني بما تركه من ثروة فنية ومآثر إنسانية وسيرة طيبة.

* صحافي مقيم في جنين