| 

في ظل ما يعيشه العالم من أحزان وآلام وتشظ وضياع، وفي ظل ما تشهده ساحاتنا العربية من تشرذم وقتل ودمار، تأتي رواية العدم للكاتب الفلسطيني جمال ضاهر لتؤكد لنا مأساوية الحياة، ولتفصح لنا عن حقيقة تتوارى خلف ايام حداثتنا، وهي أن كل شيء قبض ريح. العنوان في الرواية هو هوية النص وبطاقته الشخصية، فالعدم علامة سيميائية مارست التدليل على موضوع الرواية، فمن العنوان يستشف القارئ مدلول الرواية، لنجد ان البرنامج السردي للرواية ينهض على تعدد أشكال الراوي ما بين الراوي الغائب كلي المعرفة الذي يكتفي بتصوير الحوادث والشخصيات بحياد من دون أن يكون عنصراً فيها، وبين الراوي المشارك الذي لا يكتفي بنقل الاحداث بل يشارك في صنعها، ويكون شخصية محورية فيها، وهنا يتمظهر في صيغة المتكلم، مع تعدد صيغ السرد ما بين النقل والإخبار البانورامي في المشاهد الوصفية، والعرض المسرحي في المشاهد الحوارية، ما أتاح للشخصيات حرية التعبير عن نفسها، ونأى بالبنية السردية الكلية عن الرتابة المملة، وأضفى على الرواية بعداً درامياً شائقاً. ويلجأ الراوي في سرده للأحداث وتصويره للشخصيات إلى تقنيتي الاسترجاع والتلخيص، ومن خلالهما ينتقل من الراهن إلى الماضي، ومن الماضي إلى الراهن في حركة سرّعت إيقاع السرد ولم تتوقف عنده، لتبدأ الرواية بصوت يأتي من اللاوعي، يلازم شخصية الصالح حتى نهاية الرواية، ومنه نجد أن الصالح هو الشخصية المحورية أو المورفيم الفارغ الذي يمتلئ تدريجياً كلما تقدمنا في القراءة. فشخصية الصالح لها وجهان: الأول الدال لأنها أخذت اسماً يلخّص هويتها، والثاني يكون المدلول لأنها مثّلت مجموع ما يقال عنها بواسطة تصريحاتها وأقوالها وسلوكها، فقد كان الصالح في حالة قلق دائم، فهو شخصية تملك من الإنسانية ذاك الحسّ المرهف العالي، إلى الحد الذي جعل من أمه تندب حظها لولادته، فهي تجرّ عذاباتها خلفه متتبعة إياه إينما ذهب، تتوسله عدم الحديث مع أي شيء يراه في الطريق، راجية أن يزيل عن وحيدها التيه والضياع الذي هو فيه، ولأن الصالح ليس كمثل الآخرين إنما هو في صراع دائم مع أفكاره، ومع ذاته، ولأنه حذر من كل كلمة تخرج من فيه حتى لا تكون سيفا يجرح به الآخرين، فأمه لم تفهمه وحسبت ما به هذياناً وتيهاً، لنجد أن التيّاح الذي يأبى أن يترك الصالح ويلازمه كظله، إنما هو الشخصية المحورية الثانية، لكنها نقيض سابقتها، ولأن التياح سيصبح قاتلاً في ما بعد، فهو يخبئ حقداً دفيناً على الأغنياء، فمنذ طفولته كانت أمه تصحبه معها إلى مكان عملها ليرى ذلها، ليرى الاشمئزاز يتشظى سخرية من عيون النساء الأخريات اللواتي كانت أمه تخدم رجالهن، لتكون شخصية التيّاح تلك الشخصية التي تحمل كثافة سيكولوجية مركبة. وعلى الرغم من صدق التيّاح مع زوجة الشيخ وكشف حقيقته أمامها وإخبارها عن تاريخ أمه بمنتهى الصدق، الا انها طردته من منزلها، ليصبح في ما بعد قاتلاً، فالتياح كان يبغي الحنان من زوجة الشيخ، ذاك الحنان الذي فقده لدى أمه التي هجرته صغيراً مع أخوته وأولاد عمومته الذين وقعت مسؤوليتهم على عاتقه. فهو رجل لا يبحث عن الطهارة او النقاء إنما يبحث عمن لا يخجل من حقيقته. وهذا ما قاله مخاطباً أحمد الأحمدي الراوي الضمني.
أما شخصية زوجة الشيخ الذي تقصّد الكاتب عدم تسميتها، بل اكتفى بالإشارة إلى أنها «زوجة الشيخ»، فهي شخصية لا ملامح لها، سكونية واقعية مشروطة بظرفها النموذجي ومعبّرة عنه، فزوجة الشيخ لا ترى الحياة إلا من خلال ما يراه الشيخ، ولا تفتأ تردد أقواله، فهي تلك المرأة الخانعة التي ترضى أن تغسل وجهها بوعاء يبول فيه زوجها، لتكون شخصية حانية على النقيض من سابقتها، فهي أيضا لا يقربها زوجها إلا مرتين في كل شهرين أو ثلاثة، وعندما يحدث يكون كثور جائع، وهذا ما أسرّته لزوجة الشيخ، لكن حانية رفضت أن ينكسر عنفوانها، بل لجأت إلى مخيلتها تداعبها بأحلام تعطيها أملاً، وتمدها بالفرح وكأن تلك الأحلام تحدث لها فعلاً. وفي الرواية أيضاً شخصية إشكالية هي شخصية (الزانية) التي أحدثت صراعاً في نفس الصالح، فكما صادفت تلك الشخصية الصالح في أول مسيره، كذلك ستصادف الناس بنبوءتها التي ستتحقق كلما أوغل القارئ في القراءة، وهذا عندما خاطبت الصالح قائلة: (إن الكون كله فضاء وحدك عليك طوافه، وحدك تعيش أقطابه، وهناك ستأتيك الصقور تنهش أحشاءك... الخ) ما جعل الصالح يتساءل بينه وبينه بعد مغادرتها (قد لا تكون زانية).
أما المكان في الرواية فهو المكان اللامتعين بفضاءاته المتعددة مثل الأزقة والأسواق، وهي الأماكن التي تمر بها الأحداث العاصفة في الرواية، ولحظات الانعطاف في شخصية الصالح خصوصاً، وسائر الشخصيات عموماً. وعلى الرغم من وجود قرائن تدخل على هوية المكان اللامتعين، إلا انه يظل غامضاً ومنفتحاً على التأويل، ما يمنح الأحداث والشخصيات أبعادها الشمولية.
ومن المكان ننتقل إلى الزمن الذي أطلق عليه الشكلاني الروسي توما شيفسكي «زمن المتن الحكائي» فقد امتد الزمن إلى سنة اثنين وعشرين وستمئة لهجرة النبي عندما خرج الصالح من بيته، كما يمتد من المتن الحكائي إلى بعض الوقائع والشخصيات المرجعية، عندما ذكرت الرواية أيام الخلافة والأحداث التي حصلت آنذاك.
ما نلاحظه في الرواية، أن هناك تناصاً يبدأ من بداية الرواية ويلازمها حتى النهاية، فشخصية الصالح تتماهى مع شخصية السيد المسيح في كثير من المواقف، كما تتماهى مع شخصيات أنبياء ورسل. ويتجلى التناص واضحا ايضا في حوار التياح مع الصالح عندما قال الناس أتقياء قبل دخول التجربة، أجمعهم منزّهون عندما الحياة لا تجثو فوق أجسادهم شقاء. فهذا تناص مع قول الكاتب حنا مينا في إحدى رواياته (التجربة هي المحك، فقبل التجربة جميع الناس مناضلون وربما أبطال...) وبذلك تثبت نظرية جوليا كريستيفا ورولان بارت وجيرار جونيت صحتها، وتؤكد وجودها في رواية «العدم». فالكتابة نتاج لعدد كبير من النصوص المختزنة في الذاكرة القرائية، وكل نص هو حتماً نص متناص، ليجد القارئ في الرواية مرجعاً معرفياً وتاريخيا، قام على ذكر شخصيات توراتية وقرآنية، كما قدمت الرواية معلومات عن تاريخ العرب في تلك الفترة. وقصارى القول ان «العدم» رواية ذات نهاية مفتوحة الدلالات، وهي رواية تستحق أن تكون كتاباً تحتفي به مكتباتنا العربية.

* كاتبة سورية