| 

كانت حناجر عدد من الباعة تصدح في أسواق مدينة جنين «جنيني يا بطيخ»، في سعي منهم للترويج لهذا المنتج الوطني الذي اشتهرت به محافظة جنين، وكانت تصدره إلى أسواق الأردن وسوريا ولبنان والخليج العربي نظرا لوفرة إنتاجها منه، قبل انقراضه قبل نحو 27 عاما، في وضع يشبه إلى درجة كبيرة صناعة الفحم النباتي الذي توارثت أجيال كثيرة صناعته، وأصبح مهددا بالانقراض بذريعة تلويث البيئة، وسط آمال ضعيفة بإعادة إحياء مشروع منطقة جنين الصناعية الذي لا يزال مجرد حبر على ورق منذ أكثر من 15 عاما. ولعشرات السنين، شكل البطيخ واحدة من أهم ركائز الاقتصاد المحلي لهذه المحافظة التي تعتمد في اقتصادها على الزراعة وإنتاج الفحم والتبغ العربي، إضافة إلى الوافدين إليها من الفلسطينيين من أراضي 1948 الذين يشكلون ركنا أساسيا من أركان اقتصادها المحلي. وقد غاب «البطيخ الجنيني»، عن الأسواق الفلسطينية والعربية لأسباب مختلفة، لكن السبب الجوهري هو إصابة التربة بمرض «فيوراسيوم» الذي يتسبب بذبول الثمرة والقضاء عليها وهي في مراحل نموها الأولى، إضافة إلى عدم توفر الكميات الكافية من مياه الري، وتوجه أعداد كبيرة من المزارعين إلى العمل في داخل الخط الأخضر، وهي أسباب أدت إلى انقراض هذا النوع من الزراعة.

معضلة التسويق

لجأت وزارة الزراعة إلى وضع خطة عمل متكاملة تهدف إلى إنعاش هذا النوع من الزراعة الصيفية في حقول محافظة جنين، فبدأت بزراعة نحو 260 دونما، على شكل تجربة حققت في المرحلة الأولى منها نجاحا ملحوظا. إلا ان هذا النجاح، كما يقول المزارع الياموني أبو عاصف فريحات، اصطدم بعدم مقدرة المزارعين على تسويق منتوجات البطيخ في الأسواق المحلية، بسبب إغراق هذه الأسواق بكميات كبيرة من البطيخ الإسرائيلي الرخيص الثمن مقارنة بالبطيخ الجنيني.
وبحسب فريحات، فهو واحد من بين عشرات المزارعين ممن قرروا دعم المبادرة التي أطلقتها وزارة الزراعة قبل نحو أربع سنوات، وتقضي بإعادة زراعة البطيخ الجنيني كمنتج وطني يتمتع بجودة عالية. وقال «كنت من أوائل المزارعين الذي شجعوا هذه المبادرة باعتبارها مبادرة وطنية من الدرجة الأولى، من دون أن أفكر حتى بإمكانية الخسارة، ذلك لأنني أؤمن بضرورة إحياء زراعة البطيخ الجنيني، فخصصت نحو ثمانية دونمات لزراعتها بهذا النوع من البطيخ».
وبين فريحات أن اختلاف الأسعار بين المنتج الوطني والمنتج الإسرائيلي لمصلحة الأخير، ناجم عن توفر الدعم للمزارعين الإسرائيليين، وهو أمر لا يتوافر للمزارع الفلسطيني الذي ليس باستطاعته تحمل أي خسائر مهما كانت قيمتها بسبب إمكانياته المادية المحدودة.
حيال معضلة التسويق هذه، لجأ عدد من مزارعي البطيخ مؤخرا إلى الاعتصام قبالة مبنى مديرية الزراعة، وهددوا بإتلاف الكميات المنتجة التي اضطروا إلى الإبقاء عليها في أرضها من دون قطفها، بعد أن توجهوا إلى أكثر من تاجر لشراء الكميات المنتجة، وأبدى معظم هؤلاء التجار الرغبة في تسويق هذا المنتج لكنهم دفعوا مبالغ زهيدة لا تغطي الحد الأدنى من تكاليف الإنتاج الباهظة.

ثقافة المستهلك

عبر فريحات عن اعتقاده بوجود خلل في ثقافة المستهلك الفلسطيني الذي لا ينظر إلى جودة المنتج بقدر ما ينظر إلى سعره، وهو ما يجعل مزارعي البطيخ يواجهون تحديا آخر هو محاولة تغيير ثقافة المستهلك المحلي الذي اعتاد على مدار أكثر من 27 عاما، استهلاك البطيخ الإسرائيلي الذي يجهل ما هي المواد الكيماوية أو المسرطنة التي يتم استخدامها في إنتاجه؟ ويعتقد مزارعو البطيخ بوجود مسؤولية للسلطة الوطنية تقضي بتوفير الدعم اللازم لهم للاستمرار في إنتاج البطيخ الجنيني، وعدم تركهم وحيدين في تحمل خسائر ليس باستطاعتهم تحملها. وقال مدير زراعة جنين، المهندس الزراعي وجدي بشارات إن الوزارة حرصت منذ اللحظة الأولى لإطلاق مشروع إعادة زراعة البطيخ الجنيني المطعم لمقاومة لأمراض التربة، على توفير جميع أشكال الدعم والحماية للمزارعين. وأوضح بشارات أن مشروع زراعة البطيخ الجنيني نفذ في إطار مشروع «تخضير فلسطين» لوزارة الزراعة المرتكزة على ضرورة إيجاد محصول وطني بديل من المنتج الإسرائيلي، وتم تنفيذه تحت شعار «إعادة زراعة بطيخ جنين». وعبر عن اعتقاده بأن هذا المشروع وطني من الدرجة الأولى، وحقق نجاحا كبيرا، وتم من خلاله إدخال تقنية جديدة بإنتاج أشتال مطعمة لمقاومة لأمراض التربة، وتدريب عدد كبير من المهندسين الزراعيين والمزارعين على إجراء المشاهدات، وزراعة المنتج الوطني، وإقناع المزارع بتبني هذا النمط الجديد من الزراعة، واستفاد منه نحو 65 مزارعا من محافظة جنين.

الانقراض يهدد صناعة الفحم النباتي

تنتشر المفاحم بالمئات على أطراف بلدة يعبد جنوب غربي جنين، وهذه المهنة التي توارثها كثيرون عن آبائهم وأجدادهم منذ القدم، باتت مهددة بالانقراض، بعد أن بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ قرار سلطة البيئة الإسرائيلية القاضي بمنع إدخال كميات الحطب اللازمة لتصنيع الفحم من مناطق الضفة الغربية. وأبلغ الجيش الإسرائيلي إلى أصحاب هذه المفاحم في يعبد، التي تصنف كعاصمة للمفاحم في فلسطين، بقرار منع الشاحنات الإسرائيلية المحملة بكميات الحطب المجموعة من حقول الحمضيات والسرو من عبور معبر «الطيبة» العسكري قرب طولكرم، في طريقها إلى يعبد لتزويدها بالحطب اللازم لصناعة الفحم النباتي.
قال مصطفى أبو بكر، وهو صاحب إحدى هذه المفاحم، إن قرار الجيش الإسرائيلي لم يقتصر على منع الشاحنات من نقل الحطب، عبر المعبر، بل امتد ليشمل ملاحقة الشاحنات التي تسلك شوارع أخرى، وتقطع مسافات أطول لإيصال حمولتها إلى المكان المقصود. وأكد أبو بكر أن هذا القرار اتخذ بلا أي مقدمات، وهو يشكل تهديدا جديا وخطيرا لصناعة الفحم النباتي الذي أصبح مهددا بالانقراض، واتخذ بعد تلقي الجهات الإسرائيلية المعنية شكاوى من المستوطنين في منطقة يعبد، تطالب بإزالة المفاحم بذريعة تتسببها بتلويث البيئة.
إلا أن جميع العاملين في هذا القطاع، كما قال أبو بكر، يجمعون على نفي هذا الادعاء جملة وتفصيلا، ويؤكدون أن الطريقة التي يتبعونها في صناعة الفحم النباتي لا تسبب أي ضرر للبيئة، وأن لا أحد يشتكي من أي أمراض، وأنهم جميعا يتمتعون بصحة ممتازة، ولم يزر أحد منهم الطبيب.
يعتقد العاملون في هذه المهنة أن القرار الإسرائيلي الأخير هو امتداد لسلسلة المضايقات التي يتعرضون لها منذ سنوات طويلة، بدأت بإقامة جدار الفصل العنصري والبوابات الحديدية على مقاطع الجدار، الأمر الذي جعل هؤلاء يواجهون صعوبات كبيرة في استيراد الحطب، وتسويق الفحم داخل مناطق 1948 بعد تصنيعه. وتنتشر على طول الشارع الرئيس لبلدة يعبد المئات من المفاحم التي تشكل مصدر دخل أساسيا لمئات العائلات التي تعتاش على هذا النوع من العمل الذي لا يقتصر العمل فيه على غير المتعلمين، وإنما يمتد ليشمل المئات من طلبة الجامعات وحملة الشهادات العليا ممن عجزوا عن الحصول على فرص عمل ضمن تخصصاتهم. وقال أحد هؤلاء إنه تخرج في جامعة القدس المفتوحة قبل عدة سنوات، ويحمل البكالوريوس في الخدمة الاجتماعية، وقرر الانخراط في صناعة الفحم النباتي بعد أن عجز عن الحصول على فرصة عمل في أي من المؤسسات. وأكد هذا الخريج الذي فضل عدم ذكر اسمه، انه يشعر بأنه يعشق هذا النوع من العمل الذي ورثه عن آبائه وأجداده، ولا يفارق المكان الذي يعمل فيه على مدار الساعة، حتى عند ساعات النوم، على الرغم من ان هذه المهنة من أصعب المهن، ويضطر العامل فيها إلى قضاء ساعات طويلة في العمل بلا انقطاع. وأضاف أن قرار المنع الإسرائيلي لن يمس العاملين في صناعة الفحم النباتي وعائلاتهم فحسب، وإنما سيطال بعض القطاعات الأخرى، بما فيها المقاهي والمطاعم التي تعتمد على الفحم النباتي في عملها، عدا عن تسريح آلاف العمال ممن يجهلون العمل في أي مهنة أخرى باستثناء تصنيع الفحم النباتي.

المنطقة الصناعية: حبر على ورق

يعلق كثير من أهالي محافظة جنين آمالا عريضة على مشروع منطقة جنين الصناعية الحدودية الدولية، الذي احتفلت السلطة الوطنية بوضع الحجر الأساس له في العام 1998، بعد أن حظي بموافقة الحكومة الإسرائيلية على إنشائه برعاية ألمانية. واستبشر المواطنون خيرا بإمكان أن يسهم إنشاء هذه المنطقة في مرج ابن عامر بمحاذاة الخط الأخضر، في الحد من البطالة المستشرية في أوساط العمال، وخاصة لدى خريجي الجامعات والمهنيين والحرفيين. إلا ان نحو 15 عاما مرت كأنها «حبر على ورق»، كما وصفها محافظ جنين اللواء طلال دويكات، إذ لم يتم خلال هذه الفترة إحراز أي تقدم بالإجراءات العملية لإنشاء هذه المنطقة.
على الرغم من أن وزير الاقتصاد الوطني الدكتور جواد الناجي، يؤكد دائماً جدية السلطة الوطنية وحرصها على إخراج هذا المشروع الذي يصفه بالحيوي والاستراتيجي، إلى حيز الوجود ليصبح واقعا، إلا ان هذا التوجه اصطدم بكثير من العقبات أبرزها عدم التوصل حتى اللحظة إلى اتفاق نهائي مع شركة محددة لتطوير هذا المشروع، ينهي معضلة استملاك الأرض. ويعلق المدافعون عن فكرة مشروع منطقة جنين الصناعية الدولية، آمالا عريضة على إمكان أن يرى هذا المشروع النور، بينما يجزم المعارضون بأنه سيلحق المزيد من الدمار بالقطاع الزراعي والبيئي، لأن الأرض المخصصة له هي من أخصب الأراضي الزراعية.
تبلغ مساحة الأرض المخصصة لهذا المشروع 933 دونما قابلة للتوسع، وتمتلك شركة «الشمال» الصناعية الدولية المطورة له، ما تزيد مساحته على 663 دونما، وحصلت على قرار الامتياز كشركة مطورة بموجب شهادة من وزير الصناعة في 12/6/2000، وتبنى بنك التنمية الألماني الفكرة، ورصد 10 ملايين يورو كقرض ميسر، وتم إعداد دراسات فنية للمشروع لدى شركة «جيتك» الألمانية عام 1997، بينما عملت السلطة الوطنية على تحويل الأرض من مناطق مصنفة «ج» إلى «ب». ويرى محافظ جنين أن هناك مؤشرات إيجابية ستبدو واضحة بشكل جلي خلال الأشهر القليلة المقبلة، وهي تدعو للتفاؤل في سبيل إخراج هذا المشروع إلى حيز الوجود، ولا سيما أنه يوفر آلاف فرص العمل، علاوة على تشجيع الصناعات، وتوفير الحد الأدنى من متطلبات الصمود الوطني، والبحث عن السبل الكفيلة بناء اقتصاد وطني مقاوم.

رأي المعارضين

لمعارضي هذا المشروع رأي آخر، حيث ذهب هؤلاء إلى القول بوجود خروقات قانونية في عملية استملاك الأراضي، وهي تشكل تعديا على حقوق المزارعين وممتلكاتهم، عدا عن ان المشروع يشكل مخالفة لقانون الزراعة رقم «11» لسنة 1998 الذي يمنع البناء على الأراضي الزراعية. ويضيف هؤلاء ان هذه المناطق الصناعية الحدودية، ومنها منطقة جنين، قائمة على المعابر المقامة بجانب جدار الفصل العنصري الذي تطالب السلطة الوطنية بإزالته، بينما يعتقد آخرون أن إقامة مثل هذه المناطق على المعابر الإسرائيلية تشكل خدمة للاقتصاد الإسرائيلي بالدرجة الأولى، وتعزز تبعية الاقتصاد الفلسطيني له.

فلسطينيو الداخل

على مدار سنوات طويلة، شكل الفلسطينيون في داخل مناطق 1948 ركنا مهما من أركان الاقتصاد المحلي لمحافظة جنين التي يتوافدون إليها بالآلاف يوميا، بعد سنوات من الانقطاع أعقبت اندلاع انتفاضة «الأقصى». وقال المدير العام للغرفة التجارية الصناعية لمحافظة جنين، نصر عطياني، إن أسواق المدينة تكتظ بأعداد كبيرة من هؤلاء الوافدين إليها، الذين تمكنوا من إحداث فارق جوهري لمصلحة تنشيط الحياة الاقتصادية فيها.
وبين عطياني أن الغالبية العظمى من هؤلاء يتوافدون إلى جنين من مناطق شمال فلسطين، وتربطهم بأبناء هذه المحافظة علاقات اقتصادية واجتماعية متينة، وتحرص الغرفة التجارية على تقديم التسهيلات اللازمة لهم، انطلاقا من شعورها بأهمية دورهم في إحياء الاقتصاد الجنيني.

* صحافي فلسطيني مقيم في جنين