| 

يكتب سامر مناع، المعاناة الحقيقية المستمدة بتفصيلاتها ووقائعها من واقع حياة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، خاصة في المخيمات والتجمعات، ويجمعها على شكل قصص ومشاهدات ومواقف وينشرها بعنوان «أن تكون فلسطينياً في لبنان» (بيروت: دار نلسن، 2013)، مع مقدمة كتبتها الدكتورة بيان نويهض الحوت. وأحسب أن سامر مناع ينطلق في كتابه من أمرين: الأول، الحقوق الإنسانية والمعاناة المستحيلة في تدبير تصاريف الحياة. والثاني، من ان طريق العودة معبّدة بالإرادة والمحبة والحرية وليس بأدوات الحرمان، وطرق التعامل المقصرة بحق الإنسان أولاً.
هذا الكتاب يجعلنا نرى عن قرب طبيعة حياة بعض الفلسطينيين في لبنان في جوانبها النفسية والصحية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية. ويجعلنا نعاين تفصيلات الحياة ووقائعها وجزئياتها، والتي تصنع في النهاية حياة بائسة. وينجح الكاتب في أن يجعلنا نرى ذلك كله بصدق وجرأة وبأسلوب ساخر وهادف وبلا خطابية.
ولعل الحكايات التي يرويها سامر مناع (حائز جائزة العودة ـ أفضل قصة صحافية مكتوبة سنة 2010) تحمل الذاكرة والواقع معاً إلى رؤى وأبعاد جديدة. وعلى سبيل المثال فاطمة العجوز الثمانينية التي تروي لأولادها وأحفادها عند بوابة فاطمة حكاية اللجوء والعودة. وقصة الاستشهاد المتكرر للفدائي عبد الرحمن السيلاوي عام 1965 وفي العرقوب عام 1969 وفي مخيم الرشيدية عام 1978 وفي الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.
يسأل الكاتب: كيف تسير أحوال العمل في المخيمات، وكيف تُعاش المعاناة الصحية، و«نكبات فاقدي الأوراق الثبوتية» الذين وصل عددهم في عام 2010 إلى 4 آلاف حالة. وتجدر الإشارة إلى ان الكاتب يطعّم قصصه ومشاهداته بالمعلومات والبيانات الموثقة فتزيد من قوة القصة وحدتها في جانبها الإنساني والاجتماعي والحياتي. لكن الأبلغ في هذه القصص هم أطفال المخيمات الذين يلعبون تحت شمس مفقودة أو يلونون المخيمات أو يخالفون القانون لمقاومة الحرمان، وكذلك مظلات اللاجئين الفلسطينيين التي تكون مواصفاتها كي تلائم ضيق الأزقة والزواريب في المخيمات، أو حين يتزاحم أفراد العائلة في غرفة واحدة، وتتحول أنفاسهم مصدراً إضافياً (وأحياناً وحيداً للتدفئة). وكذلك معاناة المرأة الفلسطينية في مواجهة حياة بلا مقومات، وحتى اللبنانيات المتزوجات فلسطينيين إذ تظلم المرأة مرتين. إن حقوق اللاجئين وحقهم في التملك تصير حديث التاكسي، والشاب القادم من عين الحلوة إلى بيروت لا يشارك في الحديث، وعندما يصر سائق التاكسي على سماع رأيه يرن هاتفه على وقع أغنية «أنا لا أنساك فلسطين».
يروي سامر مناع قصة طريفة ومؤثرة في كتابه، وهي قصة «الحاجة أم توفيق» التي تحمل حقيبتها اليدوية بحسب المناسبة، فحقيبة المخابئ غير حقيبة قبض المعاش. أما أكثر حقائبها اليدوية استعمالاً فهو المطرز بألوان علم فلسطين وهي تحمله في المناسبات الوطنية. يشدد الكاتب على التفصيلات اليومية، ويجمعها لتضع تلك الحياة بتلاوينها المشرقة والداكنة.
ثم ينقل الواقع الدرامي للاجئين الفلسطينيين الذي يفوق الواقع ويفوق الخيال السينمائي أحياناً مثل قصة الغرف والأسرة والمطر الذي لا يتوقف تساقطه. كتاب «ان تكون فلسطينياً في لبنان» هو كتاب يوثق أوضاع اللاجئين الفلسطينيين ومعاناتهم في لبنان، ونلمس فيه، بحسب بيان نويهض الحوت «ان الفلسطيني يبقى رهين المحبسين: محبس اللجوء ومحبس الحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية». ما يجعلنا نقيس المسافة بين نكبة التهجير ونكبة اللجوء والحياة المستحيلة بينهما. حياة ينقصها كثير من الحقوق، وكثير من المقومات، وكثير من الجهد لتصبح لائقة ومحتملة. وعلى الرغم من كل شيء ثمة أمر لا يُدرك إلا بقوة الروح وإصرارها على تجاوز المرارات والخيبات كلها؛ ثمة إرادة تصر على استعادة الأمل من كل يأس. وهذا الكتاب أكثر من حكاية وأبعد من قصة، وأعمق من سخرية سوداء، انه بيان لتقصيرنا جميعاً إزاء قضية اللاجئين وحقوقهم، انه سجل موثق لقطع من الحياة، وإضاءات على أوضاع لا يصح تجاهلها ويجب إصلاحها، لتكون معالم في طريق العودة.