| 

على عتبة بيتها الذي يتوسّط أحد الأزقة الضيقة في مخيم نور شمس شرقيّ طولكرم، كانت السبعينية بهيّة قلق وقد غزت التجاعيد بشرتها السمراء، تحدّق في عيون المارّة، وتعود بها الذاكرة إلى بيارات حيفا وبرتقالها، وكانت صورة أشجار التين في ساحة بيتها تتسلل إلى ذاكرتها بينما يمرّ بجانبها جارهم ابراهيم عسس وهو يحمل كيسا من التين وقد اشتراه من سوق المخيّم. تقول بهيّة بصوت يجلله حزن تراكم خلال سبعة عقود: «عندما خرجنا من بيتنا في عام 1948 طلب منّي أبي أن أضع بعض الطعام للدجاج خشية أن نتأخر في العودة إليها فتموت جوعا، وها قد مرّت السنوات من دون أن نعود، وماتت الدجاجات، ومات أبي، ولا نزال نحلم باليوم الذي نعود فيه».
في منزل مغطى بالصفيح تعيش بهيّة مع زوجها الثمانيني محمد قلق، إلى جانب أكثر من تسعة آلاف مهجّر يقطنون مخيم نور شمس الذي أقيم في عام 1952 بعد أن ضربت عاصفة ثلجية مخيم اللاجئين في سهل جنزور القريب من مدينة جنين، ما اضطر وكالة غوث اللاجئين (أونروا) إلى نقله إلى المنطقة الحالية على بعد ثلاثة كيلومترات شرقيّ طولكرم، والتي تمتد على مساحة 240 دونما في خاصرة طولكرم. وبحسب مستشار شؤون اللاجئين في محافظة طولكرم، ومسؤول لجنة الخدمات الشعبية للمخيم سابقا، ابراهيم النمر، فإنّ التسمية تعود إلى سجن قديم للانكليز كان يقع على التلّة المقابلة لموقع المخيم، وكان المعتقلون فيه يتعرضون لأشعة الشمس الحارقة خلال فترات الحرّ، «حالنا قريب من حال أولئك المعتقلين، حيث تلفح نفوسنا حرارة الظلم والقهر طوال كل تلك السنوات من اللجوء، لكننا بعكس من كانوا في ذلك السجن، نحن ننتظر الشمس في كل يوم: شمس الحرية والعودة. المخيم بالنسبة لنا سجن كبير».
وبينما كان يشير إلى خريطة للوطن علّقت على أحد جدران مكتبه، واصل النمر حديثه قائلا: ينحدر اللاجئون في المخيم من أكثر من ثلاثين قرية تتبع معظمها لقضاء حيفا، منها قنير وإجزم وصبارين ودالية الروحا والطنطورة وقيسارية والسنديانية وخبيزة.. وكجزء من الحفاظ على العلاقات الاجتماعية وترسيخ التراث يطلق الأهالي في المخيّم أسماء قراهم على المراكز الاجتماعية والجمعيات الخيرية.

بطالة وخدمات مقلصة

لا تختلف حال سكّان مخيّم نور شمس عن حال كثير من مخيمات اللاجئين المبعثرة على طول الوطن وعرضه وفي الشتات، إذ يواجه سكّانه تحدّيات كثيرة في مختلف المجالات، ويعدّ العمل أبرز تلك التحدّيات بعد أن فرض الاحتلال مزيدا من القيود على دخول الفلسطينيين للعمل داخل المدن المحتلّة عام 1948، فتضاعفت نسبة البطالة بين السكّان، وصاروا يعتمدون على الأعمال الحرّة، بينما اتّجه كثير منهم إلى العمل في الدوائر الحكومية والأجهزة الأمنية الفلسطينية. وبحسب النمر، فإنّ نسبة البطالة بلغت واحدا إلى خمسة، حيث شارك أكثرية شباب المخيّم في الانتفاضتين الأولى والثانية، ولا يوجد بيت إلا وفيه شهيد أو جريح أو أسير، فيما يواصل الاحتلال رفض إصدار تصاريح للعمل في الداخل لمعظم أبنائه، وتنتشر المحال التجارية الصغيرة في المخيم كوسيلة أخرى لكسب العيش، رغم عدم جدواها الاقتصادية، وتفاقم نسبة البطالة المرتفعة من الفقر والمشاكل الاجتماعية التي تختنق فيها الحياة.
وتقدّم «الأونروا» خدماتها لسكّان المخيّم عبر عدد من برامج الدعم والمساعدة، غير أنّ السكّان يشتكون دائما من تقليصات تنفّذها وكالة الغوث في تلك المساعدات. ووفقا لرئيس لجنة الخدمات الشعبية، فإنّ التقليصات طالت برامج الصحّة والتعليم و«المال مقابل العمل» وغيرها من البرامج، ويضيف: التقليصات جزء من التنكّر لحقّ اللاجئين، يريدون التنصّل من واجب المجتمع الدولي تجاهنا، لكننا سنناضل من أجل نيل حقوقنا كاملة، وعلى رأسها حقّ العودة.

مدرستان حتى الإعدادية فقط!

يعدّ التعليم ثاني أبرز التحدّيات التي يواجهها سكّان المخيّم، إذ توجد فيه مدرستان؛ إحداهما للإناث والأخرى للذكور، وقد أنشئت المدرستان مع استقرار المخيّم عام 1957، وتقدّمان خدماتهما حتّى الصفّ التاسع، ثم ينتقل الطلبة لإكمال تعليمهم المدرسي في المدارس الحكومية بطولكرم. ويدرس من الإناث أكثر من 800 طالبة، ويساويه تقريبا عدد الذكور من الطلبة، وتكمن المشكلة في اكتظاظ الصفوف المدرسية، ولا سيما أن نحو 40 في المئة من سكّان المخيّم هم من الأطفال دون الرابعة عشرة، وقد بدأ عدد كبير من أبناء المخيّم يتجهون لإكمال تعليمهم الجامعيّ، وبخاصة بعد انتفاضة الأقصى.
وبحسب المستشار النمر، فإنّ الوضع الصحيّ بات أفضل في المخيّم، بعد إنشاء مبنى حديث للعيادة عام 2009 مكوّن من 10 غرف ويداوم فيها طبيب عام يوميا، إضافة إلى عدد من خدمات الرعاية الصحيّة كالأسنان والمختبر ومركز التوليد، وقد وقّعت الوكالة اتفاقية علاج عام 2010 مع مستشفى الزكاة في طولكرم لإجراء عمليات جراحية محدودة والتعامل مع بعض أنواع التحويلات الطارئة.

مخيم طولكرم

ليس بعيدا عن مخيم «نور الشمس» المحجوب، وتحديدا عند المدخل الشرقي لمدينة طولكرم، تقف حكاية أخرى شاهدة على سنيّ اللجوء والحرمان، تلمحها في عيون سكّان المخيّم الذي سمّي باسم المدينة، لكنّه لم يحظ بشيء من معالمها غير الاسم! تترامى قصص التهجير والتشرّد القسري في مخيم طولكرم على مساحة تبلغ نحو 150 دونما استأجرتها وكالة الغوث عام 1950 من الحكومة الأردنية لتؤوي فيها أكثر من خمسة آلاف من أهالي حيفا ويافا وقيسارية ممن تركوا قراهم ومدنهم هربا من الموت الذي زرعته العصابات الصهيونية في قرى قاقون وصبارين ووادي الحوارث وأم خالد وأم الزينات وقرى كثيرة على الساحل المحتلّ. وبعد 65 عاما من النكبة، صار مخيم طولكرم ثاني أكبر المخيمات بالضفة الغربية، إذ يقدّر عدد سكّانه اليوم بنحو عشرين ألفا، وتعدّ عائلات غانم وسروجي وسرحان وعوفي أبرز العائلات التي تشكّل النسيج الاجتماعي فيه.
بين أزقّة المخيّم وسطوح منازله المتهالكة، تعيش آلاف القصص التي ترويها المعاناة اليومية لسكّان المخيم. وعلى الرغم من اختلاف أشكال المعاناة من بيت إلى آخر، إلا أنّها تتشابه في الأسباب والمسببات، فبينما يشهد المخيم حالة من الاكتظاظ الشديد في البناء بسبب ضيق المساحة مقارنة بالنمو السكاني المتزايد، ما عاد من خيار أمام سكّانه إلا البناء والعيش في مناطق مجاورة للمخيّم مثل فرعون وذنّابة.
مسؤول اللجنة الشعبية لخدمات المخيّم فيصل سلامة، أكّد أن نحو 90 بالمئة من البناء الجديد يتمّ خارج حدود المخيّم، وقال: ما عادت هناك مساحات فارغة في المخيّم للبناء. الناس تجاوزوا شروط البناء التي تتيحها وكالة الغوث وأخذوا يبنون عموديا أربعة أو خمسة طوابق حيث تغض الوكالة النظر عن هذه الأبنية كونها غير قادرة على توفير البديل. الكل يبحث عن مكان قريب من المخيّم ليبقى قريبا من عائلته. ومع أنّ الأمر مكلف، إلا أنّ الناس يسعون للتوسّع، وهذا ربما أدّى لارتفاع سنّ الزواج لأبناء المخيم بسبب عدم القدرة على امتلاك منزل. وأضاف سلامة: التضخّم السكاني زاد أيضا من نسبة الضغط على الخدمات الأساسية في المخيّم، وأبرز تلك الخدمات التي تأثرت بالتضخم السكاني التعليم، فقد أصبحت الصفوف الدراسية لمدارس المخيّم مكتظّة كثيرا، فالغرفة التي لا تتسع إلا لثلاثين طالبا صارت مخزنا للبشر تستوعب أكثر من أربعين طالبا، وتلتقي مع علبة السردين في التوصيف.
المدارس بنيت منذ إنشاء المخيّم، وهي متهالكة جدّا وجرى توسيعها أكثر من مرّة، لكنّها ما زالت غير قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلبة، إذ يلتحق بمدارس المخيم نحو 2250 طالبا وطالبة من الفئات العمرية المختلفة، وعلى غرار النظام المتّبع في جميع مدارس «الأونروا»، يتلقى أبناء مخيّم طولكرم تعليمهم حتى الصفّ التاسع، وينتقلون لاحقا للدراسة في المدارس الحكومية في طولكرم.
في مجمّع خدمات «الأونروا» المقام عند المدخل الشمالي للمخيّم، توجد عيادة صحيّة تقدّم عددا من الخدمات الطبيّة للاجئي المخيم واللاجئين المقيمين في القرى المجاورة، لكنّها لم تعد قادرة على استيعاب الطلب المتزايد على الخدمة. ووفقا لسلامة، فإنّ «الشهر المقبل سيشهد افتتاح وحدة صحية جديدة بعد سنوات من المماطلة، لأن القديمة لا تصلح للمكوث فيها حتّى لساعة واحدة». وعلى غرار مختلف المخيمات، أبرمت «الأونروا» عقد علاج مع مستشفى الزكاة لاستيعاب بعض الحالات المرضية، بحيث يدفع المريض 30 في المئة من تكلفة العلاج.

الأكثر فقرا

يتربع مخيم طولكرم على «عرش» المخيمات الفلسطينية بأعلى نسبة فقر بين أبنائه، إذ بلغت نحو 75 بالمئة في إحصائية أجريت عام 2008. ويتوقّع سلامة أن تزيد هذه النسبة في ظلّ تقليص «الأونروا» خدماتها، ويرى أنّ «على اللاجئين في جميع أماكن وجودهم عدم التسليم في ما تدّعيه وكالة الغوث من نقص في التمويل، والاستمرار في المطالبة بجميع الحقوق التي كفلها لهم القانون الدولي».
وتعدّ الحركة الرياضية في مخيّم طولكرم من أبرز ما يميّزه، إذ يتمتّع فريقه الرياضيّ الملقّب بـ«الزعيم» بقاعدة جماهيرية عريضة في أوساط متابعي الرياضة الفلسطينية، وقد أحرز الفريق عدداً من البطولات المحليّة، وتصدّر الدوري الفلسطيني الممتاز منذ عام 1987 حتى اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، فيما ينبثق الفريق عن مركز شبابي اجتماعي أنشئ بهدف تنشيط الحياة الرياضية وتنمية روح التفاعل والتكافل الاجتماعي بين أبناء المخيّم، وقد تبوّأ المركز موقعا اجتماعيا يحظى باهتمام مختلف الشرائح في المخيم.
لم يغب مخيم طولكرم عن واجهة الأحداث خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، فقدّم أكثر من 150 شهيدا وآلاف الجرحى، فيما يمكث في سجون الاحتلال حتى اليوم نحو 200 أسير يقضي بعضهم أحكاما بالسجن المؤبّد. وفي مخيمي طولكرم ونور شمس، أمل لا ينتهي إلا بالعودة إلى الديار المسلوبة، زرعه أجداد غيبهم الموت وعيونهم ترنو إلى حيفا ويافا وقيسارية ومواطن الأجداد، همٌ يحمله الأحفاد رغم عمق الجرح ووعورة الطريق باتجاه العودة.

* صحافي مقيم في طولكرم.