| 

حين تزور المرء مدينة طولكرم يمكن أن يحكي المناخ قصة الاحتلال مقتضبة. مدينة تبعد 15 كم عن ساحل البحر الأبيض المتوسط، فتصلها رطوبة البحر من دون أن تراه. تتجول في أزقتها حيث الناس تحتفي بصور الشهداء على الجدران بدلا من صور الزعماء، أو بطريقة أخرى تحتفي بزعمائها الحقيقيين. صور ضخمة للشهيد رائد الكرمي الذي يلقبه الناس بـ«صاحب الرد السريع» كناية عن سرعته في «الانتقام» للشهداء، وصور أخرى للشهيد نشأت الكرمي صاحب العملية التي شهدتها الضفة الغربية عند مفترق بني نعيم في سنة 2010.
عائلة الكرمي التي حمل الشهيدان اسمها، كانت العائلة الأشهر التي بدأت تخلق حياة ثقافية في مدينة طولكرم، ولم يقتصر نشاطها الثقافي على حدود المدينة، فقد بلغت شهرة أبنائها الوطن العربي.

سعيد الكرمي: العالم المطارد

تبدأ العائلة تاريخها مع الشيخ سعيد الكرمي، الذي ولد في مدينة طولكرم عام 1852، وإليها نسبت أسرته منذ أن استوطنها جد والده، بحسب المؤرخ مصطفى مراد الدباغ. أنهى الشيخ سعيد دراسته الابتدائية في طولكرم، ثم أرسله والده إلى الأزهر لإكمال دراسته، وهناك حضر دروس الشيخ جمال الدين الأفغاني، واتصل بالشيخ محمد عبده، وبقيت الصلة وثيقة بينهما بعد ذلك. ولما ظهرت الجمعيات الوطنية العربية، انتمى الشيخ سعيد إلى حزب اللامركزية العثماني، وأصبح معتمدا للحزب في قضاء بني صعب، وهو القضاء الذي كان يجمع مدينتي طولكرم وقلقيلية معاً. طاردت السلطات العثمانية رجال الحركة العربية - التي كان الشيخ سعيد ينتمي إليها آنذاك - نتيجة دعوتهم إلى الثورة على السلطان العثماني، فألقي القبض عليه ليلاقي عقوبة السجن المؤبد، إلا أنه أطلق لاحقاً.
حين أُلِّفت الحكومة العربية في دمشق في تشرين الأول/ أكتوبر 1918، دعي إلى العاصمة السورية وعين في شعبة الترجمة والتأليف، ثم عين عضوا في المجمع العلمي العربي، فنائبا لرئيس المجمع المذكور. وكان قد حضر المؤتمر الفلسطيني الأول في شباط/ فبراير 1919، وشارك في نشاط الحركة الوطنية في تلك الفترة.
غادر الشيخ الكرمي دمشق إلى عمان، وعيّن قاضياً للقضاة في مجلس المستشارين في مجلس الوزراء ورئيسا لمجلس المعارف، وبقي في عمان في منصب قاضي القضاة حتى عام 1926، وعاد بعد ذلك إلى مسقط رأسه واعتزل السياسة واشتغل في أواخر حياته مدرسا في مسجد طولكرم. وتوفي في عام 1935 بعد 83 عاما أمضاها بين السياسة والعلم، تاركاً من الذرية الكاتب والأديب أحمد شاكر الكرمي، والشاعر عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، واللغوي حسن الكرمي، إضافة إلى نبهان، حسين، محمود وعبد الله الكرمي.

أبو سلمى الشاعر المناضل

«كنا من أوائل من آمن بالشعب، في الوقت الذي كان فيه غيرنا يمجد الزعامات والقيادات»؛ هكذا كتب الشاعر والمناضل السياسي عبد الكريم الكرمي، حينما أراد أن يروي تجربته، إذ أفاده العمل السياسي في تشكيل خبرته الحياتية كما يروي، ولكنه أيضا دعم مصداقية شعره الثوري، حيث الشاعر وجسده في قلب المواجهة. درّس أبو سلمى الكرمي في القدس وعمل في الإذاعة الفلسطينية ومحاميا في حيفا. وكان عضواً في اتحاد الكتّاب والصحافيين الفلسطينيين.
وحكاية لقبه تعود لصديقه الشاعر المصري إبراهيم المازني، حيث لقبه بـ«أبي سلمى» عندما نشر له قصيدة في مجلة «الرسالة» المصرية، وهي أول قصيدة كتبها الكرمي في مناسبة بناء قصر المندوب السامي البريطاني على جبل المكبّر. حصل وقتها على اللقب وفقد الوظيفة جراء هذه القصيدة.
يعتبر أبو سلمى أن الشعر العربي في فلسطين قبل مجيئه ومجيء إبراهيم طوقان كان تقليدياً يتناول المدح والرثاء والمناسبات، حيث يقول: «سرت وإبراهيم في طريق الشعر سياسة وغزلاً، وقمنا معا بتشكيل جمعية عصبة القلم في القدس، كان من أعضائها رئيف خوري وخليل البديري وعارف العزوني ورجا حوراني». وظل أبو سلمى يعيش في مدينة حيفا ويعمل في المحاماة، إلى أن غادرها نازحا بعدما سقطت في أيدي العصابات الصهيونية، إلى دمشق، حيث كان هناك مأواه الأخير.

حسن الكرمي: الإعلامي الموسوعة

كان صاحب برنامج «قول على قول» في محطة الإذاعة البريطانية. وقد أصبح علما في مجال الإعلام يكاد لا يدانيه أحد. وقد تلقى حسن تعليمه الابتدائي في طولكرم، ثم انتقل إلى دمشق حيث تابع تعليمه الثانوي، حيث كان والده يعمل في مجمع اللغة العربية، وشهد في هذا المكان العديد من الأحداث، كما التقى عدداً من الطلاب الذين قادوا الحركة الأدبية في سوريا مثل أنور العطار وزكي المحاسني وغيرهما. التحق الكرمي بعد ذلك بالكلية الإنكليزية في القدس عام 1925.
بعد أن انتهى الكرمي من دراسته، عمل مدرساً للغة الإنكليزية والرياضيات في مدينة الرملة، ثم انتقل منها في عام 1934 ليدرس في الكلية العربية بالقدس، وفي عام 1938 تم إيفاده في بعثة إلى بريطانيا، حيث تخصص في أصول التربية والتعليم وعلم الإحصاء التربوي بجامعة لندن. وفي عام 1945 نال الكرمي بعثة أخرى من المجلس البريطاني، وفي هذه الفترة عمل على تدعيم ثقافته الإنكليزية، فاطّلع على العديد من الكتب والمعاجم.
توفي حسن الكرمي عن عمر تجاوز المئة في أيار/ مايو 2007 بالعاصمة الأردنية عمان، وقد كتب مذكراته وتم نشرها في جريدة «القدس العربي» في عام 1990.

أحمد الكرمي: رائد النقد الأدبي

يقول الباحث علي مواسي: «يعتبر أحمد شاكر الكرمي من الشّخصيات الثقافيّة والأدبيّة والبحثيّة الّتي تركت أثرًا مهمًا في الساحة الفلسطينية ـ السورية قبل نكبة عام 1948، وذلك بما قدمه من إسهامات لافتة وجدية في حقلي النقد الأدبي والتّرجمة تحديدًا. فعلى الرغم من أنّ الحركة النّقديّة في فلسطين - سوريا، شأنها في ذلك الزّمان شأن النّقد في سائر العالم العربيّ، لم يقدها نقّادٌ متخصّصون في هذا الحقل، إنّما كان كتّاب النّقد في غالبيّتهم من المشتغلين في حقول الثّقافة والأدب العامّة، إلا أن الكرمي استطاع أن يقدّم نموذجًا للنّاقد المتخصّص الموضوعي الباحث، الأمر الذي دفع حسام الخطيب إلى اعتباره «بالمعنى الدّقيق لكلمة نقد .. أول ناقد متخصص في الحياة الأدبية الفلسطينية الحديثة».
رحل أحمد شاكر الكرمي إلى القاهرة في أول شبابه هو وأخوه محمود الكرمي، فمكث فيها أربع سنوات، يدرس في الأزهر وفي الجامعة المصرية، انتقل بعدها إلى الحجاز ليعمل محرّرًا في جريدة «القبلة»، وقد اختاره لهذه المهمّة، الكاتب محبّ الدّين الخطيب، وبعد عامٍ واحدٍ عاد إلى القاهرة وعمل محرّرًا في «الكوكب» الأسبوعية، ثم التحق بوالده في دمشق، الشّيخ سعيد الكرمي، وكان يشغل حينها منصب نائب رئيس المجمع العلميّ العربيّ. أسهم في تكوين أولى الجماعات الأدبية في سوريا، وهي التي سميت باسم «الرابطة الأدبية»، وفي تحرير مجلتها التي سميت باسمها، ثم تولى تحرير مجلة «الفيحاء» سنة 1923، وفي سنة 1925 أنشأ مجلة «الميزان» التي استمرت عامي 1925 و1926.
ومكث في دمشق إلى أن توفّي فيها عام 1927، ودفن في مقبرة «باب الصغير»، وكتب على قبره: هنا يرقد أحمد شاكر بن الشيخ سعيد الكرمي، مات غريباً إلا من إخوانه.

الأحفاد يحتفون بتاريخ الأجداد

حين زرنا المدينة ذهبنا إلى ديوان آل الكرمي، وهناك حيث يحتفي الأحفاد بتاريخ عائلتهم المليء بالنشاط السياسي والثقافي، تحديدا بتلك الحقبة التي لم يكن ينفصل فيها الثقافي عن السياسي، حدثنا بشار الكرمي، وهو من سلالة الشيخ سعيد، عن التراث الذي تركته هذه العائلة قائلا: «إن الجو الثقافي الذي كان يسود هذه العائلة صبغ المدينة بطابع ثقافي مميز، وتحاول العائلة جيلا بعد جيل تناقل هذه الروح، من خلال تنشئة الأطفال على قصص أجدادهم. حتى أغراضهم المادية ما زلنا نحتفظ بها، فتلك المرحلة كانت تحمل انسجاما بالمفاهيم، حيث الشاعر مناضل في ذات الوقت، والعالم ممارس للثورة».
وأشار علينا بإهداء كان قد خطه الشاعر أحمد شاكر الكرمي على الصفحة الأولى من كتابه «الكرميات» إلى الأستاذ محيي الدين رضا: «ما الملك العظيم في سلطانه، والظالم المستبد بين حراسه وأعوانه، والغني الكبير بين غلمانه، إلا مظاهر باطلة من مظاهر الحياة. وقد درج الناس منذ القدم على أن يحرقوا ذكاءهم بخوراً أمام هذه الجنائز الثلاث. أما أنا، فإن لي طريقاً آخر أسير فيه. لا أهدي كتابي للملوك والظُلاّم لأنني أبغضهم، ولا أقدمه للأغنياء والمترفين لأنني أحتقرهم، ولكني أرفعه لك يا محيي الدين، يا صديقي العزيز، ليكون ذكرى لصداقتنا الوثيقة واعترافنا بأدبك وفضلك».

* باحث وصحافي من طولكرم مقيم في رام الله.