إن الدول العربية قد أقرت مرة أخرى في الدورة الأربعين لمجلس جامعة الدول العربية المنعقد في أيلول عام 1963 وفي مؤتمر ملوك العرب ورؤسائهم المنعقد في كانون الثاني 1964، إحياء كيان الشعب الفلسطيني وإبراز شخصيته، لكنها لم تعلن بوضوح المهام التي ستناط بالكيان الفلسطيني ولم تحدد بصورة جلية الصلاحيات التي ستتوفر له.
ومن ناحية أخرى فقد عُلم من أوثق المصادر العربية الرسمية أن قرار إنشاء الكيان الفلسطيني لا يقصد منه غير إنشاء «مكتب سياسي» تقتصر أعماله ومهامه على الدعاية لقضية فلسطين والتحدث باسم الشعب الفلسطيني في الأمم المتحدة.
وإلى أن يصدر بيان عربي رسمي قاطع من الجهات العربية العليا المعنية يوضح معالم «الكيان الفلسطيني» ويحدد صلاحياته ومهامه، فإن الشعب العربي الفلسطيني لا يستطيع أن يركن إلى التصريحات والبيانات الشخصية الكثيرة التي تصدر باستمرار حول الكيان الفلسطيني ولا أن يعتمد على صحة الأنباء والادعاءات التي تروج بشأن صلاحياته ومهامه. وتذاع بصدد خططه ومشاريع، ولا يسع الشعب العربي الفلسطيني الواعي إلا أن يعرض عن هذه التصريحات وأن يرى فيها استمراراً في خطة استغلال قضية فلسطين والدجل السياسي على حسابها والعمل لتحقيق أغراض خاصة باسمها.
لأجل ذلك فإن الهيئة العربية العليا لفلسطين، وهي الممثلة الشرعية لكفاح الشعب العربي الفلسطيني، والمعبرة عن إرادته وأمانيه وأهدافه، ترى من واجبها، وقياماً بالمسؤولية الخطيرة الواقعة على كاهلها، إعلن ما يلي:
1 ـ ان الشعب العربي الفلسطيني ما انفك يطالب بإلحاح، خلال الخمسة عشر عاماً المنصرمة، بإحياء كيانه وإبراز شخصيته، حفظاً لكرامته، وصيانة لسلامة قضيته، وتمكينا له من القيام بدوره في الدفاع عن وطنه.
2 ـ إن الشعب العربي الفلسطيني يريد «كياناً فلسطينياً» كاملاً، حراً طليقاً من جميع القيود، ينبثق عن صميم إرادته، ويرتكز على الميثاق الوطني الفلسطيني وأهدافه، وتكون مهمته الرئيسية العمل بشتى الطرق وجميع الوسائل لإبلاغ الشعب العربي الفلسطيني غايته المثلى وهي استرجاع فلسطين وتحريرها من الصهيونية والاستعمار.
3 ـ إن الكيان الفلسطيني وجهازه يجب أن يتولى زمام قضية فلسطين باسم شعبها، وأن يمثله في الجامعة العربية وأمام المحافل الدولية، وأن تعترف به الدول العربية وتــؤيده وتعاونه على الوصول إلى تحقيق مطالب الشــــعب وأن تــــكون للكيان الفلسطيني وجهازه الصلاحيات والمهام التالية:
أ ـ الدفاع عن القضية الفلسطينية والدعاية لها في الميدانين العربي والخارجي.
ب ـ التعاون مع جميع الدول العربية وجعل قضية فلسطين فوق مستوى الاختلافات والمنازعات وإبعادها عن التسخير والاستغلال والمساومات.
ج ـ تعبئة قوى الشعب العربي الفلسطيني، وحشد طاقاته، وتنظيمه وتدريبه وتسليحه، وتشكيل جيش تحرير من أبنائه، يساهم في عملية تحرير فلسطين، وينطلق مع الشعب العربي كله ودوله لتحقيق الأهداف.
4 ـ إن الشعب العربي الفلسطيني الذي يصر على أن يتشكل الكيان الفلسطيني وجهازه على أساس ميثاقه الوطني وأن يمتع بالصلاحيات الآنفة الذكر كاملة، لا يستطيع أن يقبل كياناً فلسطينياً تنحصر أعماله في الدعاية لقضية فلسطين وتمثيل شعبها في الجامعة العربية والأمم المتحدة، لأن «كياناً فلسطينياً» من هذا القبيل لا يعدو أن يكون منظمة فلسطينية جديدة، غير نضالية، ولا حول لها ولا طول، للقيام بأي عمل جدي لتحرير فلسطين وإزالة الوجود الصهيوني من ربوعه.
5 ـ وفي الوقت نفسه تجرى أحاديث حول كيفية إنشاء «الكيان الفلسطيني» وجهازه وقد سبق للهيئة العربية العليا لفلسطين أن أعلنت أن الانتخاب العام هو خير وسيلة لإنشاء الكيان، ولما قامت حينئذ بعض الموانع في وجه إجراء الانتخاب، تقدمت الدول العربية بمقترحات متعددة لإنشاء الكيان الفلسطيني، كان منها اقتراع عقد «مجلس وطني فلسطيني» من ذوي الصفة التمثيلية والرأي والمكانة الوطنية من أبناء فلسطين، فينتخب هذا المجلس الكيان الفلسطيني وجهازه.
وعلى اثر انعقاد مؤتمر القمة العربي، وما نجم عنه من تصفية القلوب وإنهاء المنازعات وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين الدول العربية، زالت تلك الموانع التي كانت تحول دون الانتخابات، فأصبحت الخطة المثلى لإنشاء الكيان الفلسطيني وجهازه هو إجراء انتخابات عامة للشعب العربي الفلسطيني تتوفر فيها أسباب الحرية والحياد والنزاهة، وتكون بعيدة عن كل تدخل وضغط وتأثير، فيستطيع الشعب، بهذه الوسيلة الديموقراطية الصحيحة، انتخاب ممثليه بكامل حريته.
6 ـ لذلك فإن الهيئة العربية العليا تتمسك بمبدأ إنشاء الكيان الفلسطيني عن طريق إجراء انتخابات عامة للشعب الفلسطيني، في مختلف ديار إقامته، والهيئة تعتقد أن في الإمكان إجراء انتخابات فلسطينية عامة، في الظروف الحاضرة إذا توفرت النوايا الحسنة، وأبعدت قضية فلسطين عن مجالات التسخير والاستغلال والمزايدة، وقامت رغبة صادقة لمعرفة رأي الفلسطينيين الصحيح في الأشخاص الذين يثقون بهم.
وختاماً تكرر الهيئة العربية العليا تأكيدها بأن الشعب العربي الفلسطيني لن يعترف بأي كيان فلسطيني يفرض عليه فرضاً أو يعين تعييناً من أية جهة كانت أو يتم إنشاؤه بطرق غير ديموقراطية، ولن يستطيع التعاون مع مثل هذا الكيان.

بيروت في 18 شباط 1964
الهيئة العربية العليا لفلسطين