| 

في الخامس من أيلول/ سبتمبر الجاري، غطت سحابة دخان سوداء كبيرة مدينة طولكرم، وانقطع التيار الكهربائي عن أكثر من نصف المدينة، وسمع دوي انفجارات أرهبت الفلسطينيين، والسبب حريق في مصنع إسرائيلي! قد يبدو الخبر غريباً بعد الشيء لمن هم خارج فلسطين، ولبعض الفلسطينيين ممن لا يعرفون الواقع المأساوي الذي تعيشه طولكرم، بسبب المستوطنات المحيطة بها، والمكتظة بالمصانع التي تنتج مواد كيماوية سامة وخطيرة للغاية.
ما حدث في ذلك اليوم ان حريقاً شب في مصانع «غاشوري» الإسرائيلية، غرب طولكرم، المقامة على أراضي الفلسطينيين، وعلى إثر ذلك، غطت سماء طولكرم سحابة كبيرة من دخان الحريق المندلع في مصنع للكيماويات، بينما انقطع التيار الكهربائي عن نصف مدينة طولكرم التي تغذيها خطوط كهرباء إسرائيلية، كما سمع دوي انفجار قوي في المصنع في أثناء اندلاع النيران فيه. وفي إثر ذلك، انتفض مسؤولو السلطة الفلسطينية ضد هذه المصانع، وهي انتفاضة تعلو تارة وتخبو تارة أخرى، لكنها تتواصل منذ سنوات، وهنا دعا مدير الصحة الفلسطينية في طولكرم سعيد حنون الفلسطينيين إلى إغلاق نوافذ بيوتهم بإحكام بسبب الضرر المترتب على دخان الكيماويات المنبعث جراء الحريق، مشدداً على أن السلطة الفلسطينية، وعبر عدة قنوات، وبينها محافظة طولكرم، لطالما طالبت بإغلاق مصانع الكيماويات غرب المدينة لخطورتها على صحة السكان القريبين. وهو ما أكده أمين السر لحركة فتح في إقليم طولكرم مؤيد شعبان، في حديث لـ«ملحق فلسطين»، الذي جدد رفض وجود ما وصفها بـ«مصانع الموت الإسرائيلية» كونها تقع على أراض فلسطينية محتلة، مشيرا إلى تداعي الفصائل الفلسطينية لاجتماع عاجل في المحافظة، بعد الحريق الأخير، لتدارس تداعيات الانفجار وما نجم عنه من كارثة بيئية. وأشار شعبان إلى اتفاق الجميع على عقد اجتماع موسع تحضره بعض المؤسسات والجمعيات المهتمة بالأرض الفلسطينية والبيئة لاتخاذ خطوات على أرض الواقع حتى إغلاقها.
أما مسيّر أعمال شؤون محافظة طولكرم، جمال سعيد، فأكد أن سكان المناطق المحاذية لتلك المصانع يعيشون رعبا دائما، وبخاصة بعد الحريق الذي شب في احداها وما نتج عنه من سحابة سوداء غطت أجواء المنطقة، تاركة أثرا بيئيا خطيرا على صحة المواطنين وممتلكاتهم. وشدد سعيد على أن محافظة طولكرم، وبالتعاون مع الفصائل الفلسطينية وسلطة جودة البيئة، ستستمر بالعمل على إزالة هذه المصانع التي تعتبر كغيرها من المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراضي طولكرم غير شرعية وفق القانون الدولي، وذلك بالعمل على توصيل رسالة إعلامية وسياسية وبيئية من خلال تنظيم اعتصامات مؤسساتية وشعبية وفصائلية للتنديد بهذه الجريمة النكراء بحق الإنسان والبيئة الفلسطينية، مثمناً اهتمام سلطة البيئة بموضوع المصانع الإسرائيلية الخطيرة واطلاعها على النتائج الكارثية التي خلفتها هذه المصانع التي تنفث سمومها ليلا ونهارا، وبخاصة في المناطق الغربية من المدينة .

تلوث وأمراض وتشوهات

حذرت سلطة جودة البيئة الفلسطينية، من بقاء التجمع الصناعي الإسرائيلي المعروف بـ«مصانع غاشوري» المقامة على أراضي مدينة طولكرم الغربية. وحمل جميل مطور المكلف بالإدارة والإشراف على سلطة جودة البيئة، في حديث هاتفي لـ«ملحق فلسطين»، حكومة الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية هذه الكارثة وتداعياتها، مطالباً بإزالة أو نقل هذه المصانع الخطيرة من طولكرم، والتي يتناقض وجودها مع القوانين الدولية، فهي إضافة إلى كونها غير شرعية، تتسبب بكثير من المخاطر الجسيمة على البيئة والأرض، وكذلك على الهواء والتربة. وطالب مطور المنظمات والهيئات الدولية ذات العلاقة، بالضغط على الاحتلال الإسرائيلي بإخلاء ونقل هذه المصانع الخطرة من الأراضي الفلسطينية، كما طالب بالتحرك لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة وهيئاتها المتخصصة من أجل إرسال بعثة فنية أممية لتقصي الحقائق والتحقيق في ظروف الكارثة البيئية التي وقعت في طولكرم مساء الخامس من أيلول.
في دراسة للهيئة، فإن الكثير من هذه المصانع تمت إقامتها أو نقلها بناءً على قرارات من المحاكم العسكرية الإسرائيلية، حيث بلغ عددها غرب مدينة طولكرم فقط أحد عشر مصنعا كيماوياً، تنتج المبيدات الحشرية، والمواد الأساسية المستخدمة في إنتاج الأسمدة الكيماوية والبلاستيك، وصناعة الورق والكرتون، والذي تدخل في صناعته مادة الكبريت، علاوة على مصنع لصيانة اسطوانات الغاز المنزلي والزراعي السام، ومصنع لإنتاج مواد التنظيف، وإعادة تصنيع صناديق الخشب المستخدمة لتعبئة الخضار والفواكه، وتنتج عنها أيضاً غازات سامة وأبخرة ومواد سائلة وصلبة ملوثه للبيئة ومدمره للإنسان والحيوان والمزروعات.
من بين أخطر المصانع الكيماوية التي أقيمت في الضفة الغربية على أراضي مملوكة لمواطنين فلسطينيين من مدينة طولكرم، هناك مصنعان كيماويان للزراعة والصناعة «غاشوري أورا» «وبن أيون»، أقيما بعد أن تم نقلهما من مدينة كفار سابا، عقب اعتراضات من سكان المنطقة ومسؤولين إسرائيليين، تحت ذريعة ما يتسببان به من «أضرار خطيرة وصعبة لحياة السكان، وخطر على الحيوانات في المنطقة والمزروعات»!
وتم تقديم اعتراض من ضابطة الصحة القطرية الإسرائيلية لمنطقة الرملة إلى ضابطة الصحة الإسرائيلية في منطقة الضفة الغربية ما نصه «إن إقامة مصنع للكيماويات يجعلنا قلقين من الضرر البيئي الناجم عن مخلفاته بدون الأخذ بالأسباب والاحتياطات اللازمة لمنع التلوث البيئي، لذا نوصي بأخذ التدابير القانونية لإيقاف إقامة المصنع حتى فحص الأمر بدقة». وبعد الفحص، تبين أن المخلفات أغلبها حامضية، وبالتالي تتسبب بأخطار جسيمة على قاطني المنطقة من الإسرائيليين.
وخرجت لجنة صحية إسرائيلية، بتوصيات مفادها أن التلوث البيئي الناتج عن هذه المصانع ينعكس على التغيرات الجوية وزيادة الاحتباس الحراري، ما يؤثر في المزروعات والمنتجات ومن ثم الاقتصاد الفلسطيني وعلى تقلبات الطقس والفصول، إضافة إلى زيادة نسبة انتشار الأمراض الخطرة، ومن أهمها السرطانات نتيجة المؤثرات الكيماوية، وكذلك التشوهات الخلقية، إضافة إلى جعل أراضي الضفة الغربية التي تقع في منطقة (ج) التابعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، أماكن استقطاب لأصحاب المصانع الإسرائيلية، وذلك لسهولة إقامة المصانع تحت الاحتلال العسكري ودون رقابة صحية عليها، وفي الوقت نفسه عدم قدرة السلطة الفلسطينية على فرض سيطرتها عليها، وهو ما حصل بالفعل.

مستوطنات صناعية وزراعية

في حديث لـ«ملحق فلسطين»، أشار غسان دغلس، مسؤول ملف الاستيطان في شمال الضفة الغربية، إلى أن طولكرم تعاني بشدة من «مصانع الموت» التي أحدث ولا تزال - ضرراً كبيراً على المستويين الصحي والبيئي في المدينة ومحيطها، مع أنها المدينة التي سجلت أقل نسبة استيطان، وكأن الاحتلال سعى إلى تعويض قلة المستوطنات في محافظة طولكرم، بتحويلها إلى مستوطنات صناعية تحوي المصانع الكيماوية غير المقبول بتواجدها في إسرائيل (الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1948). وقال دغلس: تقام على أراضي الفلسطينيين في محافظة طولكرم ثلاث مستوطنات هي «عنّاب»، و«آفي حيفتس»، و«سلعيت»، وهي مستوطنات صناعية، وهناك ثلاث بؤر استيطانية، وأربعة حواجز عسكرية ثابتة على امتداد الخط الأخضر، وحاجزان متحركان (طيّاران)، وأحد عشر حاجزاً ترابياً، فيما أغلق الاحتلال منذ اندلاع الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى) طريقين بالكامل، وأحاط بعض المناطق ببوابات حديدية بلغ عددها ثلاث بوابات. وأضاف: أقامت سلطات الاحتلال مستوطنة «عنّاب» في العام 1981، على أراض مصادرة من قرى كفر اللبد ورامين وبيت ليد شرق مدينة طولكرم، وتبلغ مساحتها حوالي 237 دونماً، وكان فيها حوالي 40 مستوطناً، وتشكل مع مستوطنة «آفي حيفتس»، طوقاً عسكرياً على مدينة طولكرم من جهة الشرق، كما تتصل «عنّاب» بالخط الأخضر عند مدخل مدينة الطيبة المحتلة العام 1948، عبر شارع التفافي تم شقه على حساب أراضي قرى شوفة، سفارين، بيت ليد ورامين، حيث تعتبر المناطق الجانبية على طول هذا الشارع مناطق عسكرية كارتداد أمني، مشيراً إلى أن «هذه المستوطنة فاقت، خلال انتفاضة الأقصى، غيرها من المستوطنات المقامة على أراضي المحافظة، من حيث تصاعد اعتداءات مستوطنيها على الأهالي وممتلكاتهم». وتابع: أما مستوطنة «آفي حيفتس»، فأقامتها سلطات الاحتلال في العام 1987. وفي العام 1990 حولتها إلى مستوطنة دائمة، وهي عبارة عن «حي سكني» أقيم على أراضي قرية شوفة في المنطقة المسماة خربة الحفاصي، ولا تبعد سوى أربعة كيلو مترات عن مدينة طولكرم. وامتدت هذه المستوطنة باتجاه مخيم نور شمس، بعد مصادرة 750 دونماً من أراضي الفلسطينيين، حيث فتحت جرافات الاحتلال شارعاً استيطانياً من مستوطنة «شعار افرايم» داخل الأراضي المحتلة العام 1948، باتجاه هذه المستوطنة، وتم ربطها مع مستوطنة «عناب»، ثم بمستوطنة «شافي شمرون»، بهدف ربط مستوطنات شمال نابلس بالمستوطنات داخل أراضي 48، بحيث تصبح ظهيراً لمدينة نتانيا. وعن مستوطنة «سلعيت»، قال دغلس: هي مستوطنة زراعية تبعد كيلومتراً واحداً عن الخط الأخضر، وأقامتها سلطات الاحتلال على أراضي قرية كفر صور، بعد مصادرة 1300 دونم. وفي تسعينيات القرن الماضي، أقامت سلطات الاحتلال حياً جديداً في مستوطنة «سلعيت»، أطلقت عليه اسم «سلعيت ب«، بعد مصادرة مئات الدونمات الإضافية من الأراضي الفلسطينية في تلك المنطقة من محافظة طولكرم. وفي دراسة للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن المستوطنات في المحافظة، تحتل ما مساحته 3,6 كيلومترات، ويقطنها 2200 مستوطن يهودي. وشدد دغلس على أن «مخلفات المصانع والمستوطنات الإسرائيلية ليست هي فقط ما يعاني منه أهالي محافظة طولكرم، بل وكذلك جدار الفصل العنصري الذي يمتد على طول حدود طولكرم مع المناطق المحتلة في العام 1948، حيث تعتبر طولكرم من منظار الأمن الإسرائيلي مدينة حدودية. ويمتد الجدار من خربة المنطار الشرقية، وقيقس بحر العبد، باتجاه زيتا، والجاروشية، وأطراف شويكة، وحدود طولكرم المدينة، وأطراف فرعون، التي يفصلها عن خربة جبارة حاجز عسكري، إضافة إلى حاجز الكفريات الذي ينتصب الجدار حوله، ويعود ليمتد إلى قرية الراس وكفر صور وكفر جمّال، وحتى منطقة تحسين منصور، بالإضافة إلى الجدار المحيط بقرية نزلة عيسى.
يبلغ طول جدار الفصل العنصري في طولكرم، بحسب ما أوردته الخرائط الإسرائيلية، 40,4 كيلومتراً، وقد أتمت سلطات الاحتلال بناءه في العام 2004، وأدى إلى عزل ما مساحته 19,9 كيلومترا من المساحة الكلية للمحافظة البالغة 245,3 كيلومتراً مربعاً، وفق جهاز الإحصاء الفلسطيني.

* صحافية فلسطينية مقيمة في رام الله