| 

لا يمكن الإحاطة بتفاعلات اتفاق أوسلو في أوساط مجتمع الفلسطينيين في داخل حدود مناطق 1948 في سطور قليلة. كما لا يجوز تناول هذه التفاعلات بمعزل عن وضع الحركة الوطنية الفلسطينية عموما، عند التوقيع على اتفاق أوسلو والمراحل التي مرت بها حتى اليوم من حصار وتراجع، مرورا بتآكل بنيتها وانهيار ثوابتها وتعزز قبضة النخبة المسؤولة عن الوصول إلى الحالة الكارثية الراهنة على النظام السياسي الفلسطيني. ومع ذلك، ففي الإمكان الإشارة إلى أهم المعالم أو التحولات الأساسية التي حصلت لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني، والتي جاءت كرد على «أوسلو» على شكل مبادرات ذاتية، أو كجزء من تحولات موضوعية تداخلت فيها عوامل السياسة الإسرائيلية تجاه فلسطينيي الداخل.
كما هو معروف اليوم، يتعرض الفلسطينيون في إسرائيل، وبخاصة منذ هبة تشرين الأول/ أكتوبر 2000، إلى تصعيد نوعي في المخططات الإسرائيلية الهادفة إلى خنق تطورهم الطبيعي والحيلولة دون انتفاضهم. في هذه الأثناء، يصارع هؤلاء الفلسطينيون في الداخل للحفاظ على وجودهم، وعلى حقهم في تطوير مؤسساتهم القومية القادرة على النهوض بوضعهم وتحصين صمودهم في وجه المخططات الإسرائيلية المعادية والعنصرية الآخذة في الازدياد والخطورة.
وما زال التحدي المتمثل بإعادة تنظيم صفوفهم واستثمار الإنجازات النضالية، السياسية والثقافية والتعليمية، في بناء مؤسساتهم القومية، وفرض أنفسهم بصورة فعلية على الأجندة الفلسطينية باعتبارهم جزءا من الصراع، وبالتالي جزءا من الحل، ماثلا أمام الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل.

«أكثر فلسطينية»

في عودة الى سنوات التسعينيات، يمكن القول إنه كان واضحا حينها لكثير من السياسيين والناشطين والأكاديميين من فلسطينيي الداخل أن «أوسلو» كرّس واقعا بدأ بالتبلور هو أن مرحلة اتكال الفلسطينيين في الداخل على مشاريع وطنية وقومية قد انتهت، وعليهم ألا «يتعكزوا» على خطابات ومشاريع ما وراء الحدود (حالة التعاطف مع منظمة التحرير أو عبد الناصر)، كما يقول الباحث وأستاذ علم القانون في جامعة تل أبيب رائف زريق. ويرى زريق أنه في العام 1993 توصلت عدة حركات سياسية وعدة ناشطين إلى قناعة، بعد التخلي عن فلسطينيي الداخل في «أوسلو»، بأن يصوغوا مشروعهم الوطني بأنفسهم، الذي يعتمد على شقين: شق المواطنة الإسرائيلية وشق الهوية الفلسطينية.
والقصد بالمواطنة الإسرائيلية، بحسب فهم زريق، الذي كان عضوا في الحزب الشيوعي الإسرائيلي في الثمانينيات ومن ثم عضوا مؤسسا في حزب التجمع الوطني الديموقراطي في التسعينيات، هو تصعيد خطاب المواطنة الذي كان متمثلا بالمطالبة بالمساواة نحو خطاب دولة جميع مواطنيها، وفي نفس الوقت التشديد على الهوية الفلسطينية من خلال الحكم الذاتي الثقافي للفلسطينيين في الداخل.
وأشار إلى أن التحولات التي حصلت في تلك الفترة أيضا داخل إسرائيل سمحت بإمكانية صعود هذا الخطاب بشقيه. كما يرى أن الفلسطينيين في الداخل وصلوا إلى قناعة بأن خطاب المواطنة والهوية والذي يعتمد على الذاكرة الجماعية والنكبة التي فُتح ملفها هو الضمان لمشروعهم السياسي المستقبلي بعد أن اطمأنوا إلى أنهم يستطيعون أن يبقوا داخل المواطنة.
يعتبر زريق أن «أوسلو» جعل الفلسطينيين في الداخل أكثر فلسطينية على صعيد الهوية بعد اعتمادهم خطاب الذاكرة والنكبة، بينما بدأت عملية انحسار لهذا الخطاب في الأراضي المحتلة منذ 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة، لأن منظمة التحرير الفلسطينية انتقلت من مرحلة خطاب الذاكرة إلى خطاب التسوية الذي يستدعي تنازلات، مما شوه التاريخ، معتبرا أن ما قاله محمود درويش «ما أوسع الثورة ما أضيق الرحلة... ما أكبر الفكرة ما أصغر الدولة»، أفضل تصديق على ذلك.

تصاعد خطاب إلغاء الطابع اليهودي

لعل من أبرز التحولات وأهمها بعد «أوسلو» تبلور الساحة السياسية والأيديولوجية في المجتمع الفلسطيني في الداخل، بين تيار قومي مثله التجمع الوطني الديموقراطي، وتيار إسلامي مثلته الحركة الإسلامية، وتيار شيوعي مثله الحزب الشيوعي الإسرائيلي، كما يقول الباحث والمحاضر في جامعة حيفا مهند مصطفى، معتبرا أن هذا الفرز السياسي يميز هذا المجتمع حتى اليوم، إضافة إلى أنه خلال هذه السنوات أنتج هذا الفرز تحولات أخرى في المجتمع الفلسطيني، منها صعود جيل جديد من القيادات السياسية، وصعود مؤسسات المجتمع المدني، وبروز نخبة من المثقفين والأكاديميين الذي ينتجون ويهتمون بالشأن العام.
ويشير مصطفى أيضا إلى بروز خطاب سياسي جديد في المجتمع العربي من أهم مميزاته التركيز على خطاب الحقوق بدل التعايش. وينطلق خطاب التعايش من أداة الحوار بين طرفين، بينما ينطلق خطاب الحقوق من خلال مطالبة الآخر بحقوق خاصة بالمجموعة من خلال استعمال أدوات سياسات الحقوق.
كما ظهر في الخطاب السياسي للفلسطينيين في إسرائيل خلال العقدين الأخيرين خطاب سياسات الهوية، حيث يتم استعمال سياسات الهوية، في سبيل تأكيد الذات الجماعية وتعزيز «الأنا» مقابل «الآخر».
أما في ما يتعلق بالتحولات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، فيعتبر مصطفى مرحلة العقدين الأخيرين مرحلة الهوس الإثني اليهودي، حيث يجري التشديد على هوية الدولة اليهودية وطابعها الإثني، من خلال تكريس هذا الطابع وما يترتب عليه من إجراءات سياسية لم يسبق لها مثيل من قبل. كما تميز العقدان الأخيران في تجربة الفلسطينيين في إسرائيل بحدة النقاش إلى درجة الصراع بين الأقلية والأغلبية على شكل وجوهر نظام الحكم في إسرائيل. فقد استحوذ هذا الموضوع على الأجندة السياسية لدى الطرفين، خصوصا لدى الطرف اليهودي كرد فعل على تحولات سياسية وفكرية في معادلة الصراع بين الأقلية والأغلبية، وفي ضوء تهميش العرب بعد اتفاق «أوسلو». وقد انصبت غالبية الجهود السياسية والفكرية العربية في العقدين الأخيرين في الإشارة إلى التناقض بين الطابع اليهودي للدولة وبين الادعاء بديموقراطيتها، وأصبح المطلب بإلغاء الطابع اليهودي للدولة مطلب النخب الفلسطينية والجمهور الفلسطيني في إسرائيل، إلى درجة أن رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) يوفال ديسكين اعتبر هذه المطلب يشكل خطرا استراتيجيا على الدولة، مؤكدا أن «الشاباك» سيحبط كل محاولة لتغيير الطابع اليهودي للدولة حتى لو كانت بأدوات ديمقراطية!
يضيف مصطفى: يمكن القول إن اتفاق أوسلو أحدث تغييرات كبيرة على المجتمع الفلسطيني من حيث بنيته التنظيمية والأيديولوجية وعلى مستوى خطابه السياسي، وعلاقته مع الدولة. وقد بات واضحا أن اتفاق أوسلو همّش قضايا المجتمع الفلسطيني في الداخل، على الرغم من كونها قضايا نتجت عن القضية الفلسطينية. وفي مسألة مكانة الأقلية الفلسطينية تم الفصل إلى درجة فك الارتباط بين هذه المكانة وبين حل المسألة الوطنية، فقد أدرك الفلسطينيون في إسرائيل ان حل القضية الفلسطينية من خلال إقامة دولة فلسطينية لن يحسن من مكانتهم المدنية والسياسية في الدولة اليهودية، بل إن هذه المكانة تتعلق بالدرجة الأولى بتغيير طابع الدولة الإثني وإقامة مبنى سياسي جديد. وهناك الآن من يتبنى فكرة «دولة المواطنين»، وهناك من يقترح إقامة دولة ثنائية القومية داخل إسرائيل أو في فلسطين التاريخية، وثمة قسم آخر لا يناقش مسألة العلاقة مع الدولة من خلال العزوف والاستحكام وراء سياسات هوية مثلما تفعل الحركة الإسلامية، ويوجد قسم رابع لا يزال يتمسك بخطاب مساواة وإن كان متقدما عن خطاب المساواة «البدائي» ولكن في إطار الدولة اليهودية.

بروز التيار القومي الديموقراطي

لعل من أهم النتائج المستمرة لـ«أوسلو» اليوم زيادة الاعتماد على الذات في النضال ضد السياسات الإسرائيلية بعد أن تخلت القيادة الرسمية لمنظمة التحرير عن هذا الجزء من الشعب الفلسطيني باعتباره «شأنا إسرائيليا داخليا»، كما يقول الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديموقراطي عوض عبد الفتاح، مشيرا إلى أن الحركة الوطنية الفلسطينية حتى أثناء صعودها وتآلفها لم تكن لديها إستراتيجيا تجاه فلسطينيي 48، سوى كونهم جزءا مؤجلا في استراتيجيا التحرير الشامل. ويعتبر عبد الفتاح أن أحد أهم الردود الفعلية والعملية على «أوسلو» تمثل بتشكيل التجمع الوطني الديموقراطي في 1995 (والذي بدأ العمل على تشكيله قبل ذلك بكثير، وأطلق على ذلك عملية إعادة بناء الحركة الوطنية في الداخل)، لأن «أوسلو» كرس تجزئة الشعب الفلسطيني جغرافيا وسياسيا، واستبدل لغة ومفردات حركة التحرير الفلسطينية الأصلية، من صراع على وجود إلى صراع على حدود، وحصر الصراع داخل حدود الضفة والقطاع، ما يعني التخلي عن الصراع ضد الصهيونية عبر الاعتراف ضمنا بإسرائيل كدولة يهودية. ويؤكد أن التيار القومي الديمقراطي انطلق من ضرورة التمسك بالصراع ضد الصهيونية، وبالنضال ضد النظام الإسرائيلي باعتبار أن بنيته العنصرية والكولونيالية هي المسؤولة عن استعمار الضفة الغربية وقطاع غزة، بل كل الشعب الفلسطيني، بمن فيهم اللاجئون. واعتبر أن «أوسلو» أفرز نتائج عكسية تماما، فبدل تكريس استسلام وقبول فلسطينيي 48 العيش على هامش النظام الإسرائيلي، وقبول دونيتهم، تمكنوا من إعادة رسم برنامجهم الوطني (التيار القومي والوطني تحديدا) متصادما مع روح اتفاقية أوسلو .. استراتيجيًا، من خلال تحطيم سور الغيتو المفروض عليهم، والذي حوّلوه من غيتو مجهول إلى غيتو معروف للعالم، وجعلوا منه منبرا يوجهون عبره سهامهم إلى بنية النظام العنصري الذي ظلّ يحظى بتمجيد كامل من الغرب الرسمي وغير الرسمي، من خلال الوصول إلى محافل دولية هامة وإجبارها على قول كلمتها، بعد أن كانت تمتنع لأنها كانت تدعي أنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية لإسرائيل.
يختتم عبد الفتاح بالحديث عن النخب والأوساط داخل الحركة الوطنية التي بدأت منذ سنوات بطرح الحل الديموقراطي الشامل كبديل عن «حل الدولتين»، لأن ذلك يُعبر عن وحدة الشعب الفلسطيني ويعيد فلسطينيي الداخل إلى موقعهم في إطار الحركة الوطنية الفلسطينية عموما، ويضعهم أيضًا ضمن التيار الديموقراطي، الذي يتطلع إلى تفكيك نظام الأبارتهايد الكولونيالي.

* صحافي وناشط من فلسطينيي الـ 1948