| 

نبيل خالد الآغا في كتابه «خالدون من فلسطين» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012) يردّ إلى الحياة بعض المبدعين الفلسطينيين الذين عاشوا مرحلة النكبة وساهموا في بقاء الثقافة العربية سلاحًا في وجه العدوان، إذ يحتضن الكتاب بين دفّتيه تراجم لأربعة عشر فلسطينيًا نبغوا في حقولهم هم عادل زعيتر (رائد المترجمين العرب في القرن العشرين)، اسماعيل شمّوط (ذاكرة الحياة الفلسطينية التشكيلية)، جبرا ابراهيم جبرا (مشروع عظيم في رجل)، توفيق زيّاد (جواد لا يملّ الصهيل)، أحمد صدقي الدجاني (حامل المسك)، فدوى طوقان (اسم يستعصي على النسيان)، فيصل الحسيني (سراج القدس المنير)، ناجي العلي (شاهد على هذا الزمان)، أبو سلمى (الشاعر الثائر أبدًا)، أنيس صايغ (حكاية مكلّلة بالغار)، إحسان عبّاس (بين الإبداع والامتاع).
في البدء عادل زعيتر (1897-1957) المعروف بترجمة «روح الشرائع» لمونتسكيو بأسلوب عربي مبين ومفردات جزلة منتقاة وبعبارات مشرقة الديباجة بليغة المعنى. ولد في نابلس وتتلمذ في بيروت على العلامة مصطفى الغلاييني، ثم التحق بالجامعة السّلطانية في استانبول حيث أتقن التركية والفرنسية، وتوجّه إلى باريس ومن السوربون نال شهادة الحقوق في 1925، وفي أثناء دراسته ترجم «روح الاشتراكية» و «روح السياسة» لأستاذه غوستاف لوبون. كان زعيتر دقيقًا في اختيار نوعية الكتب التي ينوي ترجمتها. ثم اسماعيل شمّوط (1930-2006) الذي سجّل المأساة في زيتيّاته فأقام معرضه الأول في قطاع غزّة في تموز 1953، وشارك في معرضٍ ثانٍ في 1954 افتتحه جمال عبد الناصر في نادي الضبّاط في حيّ الزمالك في القاهرة. فإلى أكاديمية الفنون الجميلة في روما على نفقة الحكومة الإيطالية. ومعلوم أن هذا الرسّام الفلسطيني استخدم المرأة رمزًا يمثّل الشعب وليس الثورة أو الأرض كما كان شائعًا عند رسّامي فلسطين. وفي 1989 أصدر كتابًا نفيسًا بعنوان «الفن التشكيلي في فلسطين» وفيه 366 لوحة لـــ 126 فنّانًا فلسطينيًا. في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي أقام شمّوط في بيروت، وكان رئيسًا لدائرة الثقافة والفنون في منظّمة التحرير الفلسطينيّة. وأسّس في 1969 الاتّحاد العام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين وكان رئيسًا له بفروعه الستّة في فلسطين ولبنان وسورية والكويت وقطر والإمارات.
أمّا جبرا ابراهيم جبرا (1919-1994) المثقّف الموسوعي الفلسطيني المولود في بيت لحم، والدارس في كامبردج والنازح إلى بغداد في 1948 فالعراقي المحاضر في جامعات بغداد، والشاعر والروائي والقاصّ والرسّام والنحّات، وهو الذي ترجم شكسبير وفوكنر قبل انصرافه إلى الفنّ والنقد، فترك أثرًا واضحًا في السيّاب وكنفاني. في روايته «السّفينة» فلسطين حاضرة في شخصيّة البطل، وفي روايته «البحث عن وليد مسعود» يهمل بطلها مباهج الحياة وزخارفها ويلتحق بالثورة الفلسطينية المسلّحة باعتبارها المصباح المنير الهادي إلى طريق المستقبل.
إلى توفيق زيّاد (1929-1994) صاحب «إنّا هنا باقون» و «أُناديكم» المولود في النّاصرة ورئيس بلديّتها فيما بعد. درس الفلسفة والاقتصاد في موسكو وحرّر مجلة «الجديد» التي كان يصدرها الحزب الشّيوعي، وبدءًا من 1973 كان عضوًا في الكنيست، وبقيت النزعة الإنسانية واضحة التقاسيم في قصائده وحياته، وهذا ما دفعه إلى التسامي على جراحه وآلامه، ليعزّز شرعية الكفاح الفلسطيني ضد الظلم الذي يأباه الإنسان السوي. كان من المؤيّدين صراحة لاتّفاقية أوسلو التي أدّت إلى قيام السّلطة الوطنية الفلسطينية عام 1993. وشارك بنفسه في ترسيخ عملية السّلام، فتوجّه من الناصرة إلى أريحا لاستقبال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بعد أن كان استقبله سابقًا في غزة. كان زيّاد يتطلّع بشوق عارم ولهفة حرّى وأمل باسم ليشهد بنفسه بزوغ فجر دولة فلسطين المرتقبة. وفي مساء الخامس من تمّوز 1994 كان عائدًا من أريحا حيث التقى عرفات إلى القدس، فاصطدمت سيارته التي كان يقودها بنفسه بسيارة مقابلة وجهًا لوجه فقضى، وخرجت الناصرة عن بكرة أبيها تشيّعه في أكبر وأضخم جنازة في تاريخ الجليل والمثلّث.
عن أحمد صدقي الدجاني (1936-2003) المولود في يافا والمتوفّي في القاهرة، النازح إلى بيروت فاللاذقية والدارس في دمشق، والمعلّم في ليبيا حيث أكبَّ على دراسة تاريخها وجغرافيّتها وجهادها البطولي ضد مستعمريها الإيطاليين، وعنها نال أبو الطيب الماجستير والدكتوراه من جامعة القاهرة. في 1964 اختير عضوًا في المؤتمر التأسيسي الأول لمنظمة التحرير الفلسطينية وفي المؤتمر الوطني الذي عقد في القدس في العام نفسه، والذي أُقرّ فيه انتخاب أحمد الشقيري أول رئيس للمنظّمة.إلى فدوى طوقان (1917-2003) شقيقة ابراهيم طوقان التي كانت دواوينها بدءًا من 1952 معالم أضاءت الدرب لشعراء فلسطين الشبّان، وكانت سيرتها الذّاتية توثيقًا تاريخيًا وأسلوبًا أدبيًا رصينًا.ثمّ فيصل الحسيني (1940-2003) ابن عبد القادر الحسيني. سمّاه والده فيصلًا تيمّنًا بالأمير فيصل ابن الشريف حسين، فلا عجب أن انضمّ فيصل إلى حركة القوميين العرب في 1957 ثم التحق بحركة فتح وانتقل إلى الكلّية العسكرية في حلب، ولمّا عاد إلى القدس اعتقل سنة بعد نكسة حزيران 1967 في إثر وشاية عن التقائه عرفات سرًا في رام الله.
إلى ناجي العلي (1936-1987) الذي اكتشف سرّ فنّه غسّان كنفاني صيف 1961 في مخيّم عين الحلوة فنال إعجابه وقام بنشر لوحته «الخيمة» في مجلّة «الحرية» لسان حال حركة القوميين العرب يومئذ. وناجي العلي هو من ابتكر شخصيّة «حنظلة» في الكاريكاتير العربي، فحنظلة رمز للمرارة المستمدّة من ثمرة الحنظل التي يستشفّها الولد في أعماقه وهو يبدو بسيطًا لكنّه حادّ في مواقفه. لهذا تبنّاه العامّة واحسّوا أنه يمثّل ضمائرهم: كادح ومسحوق لكنّه يمتلك القدرة على الرّفض والتحدّي والمواجهة عند الضرورة.
ثم عبد الكريم الكرمي (1909-1980) صاحب:
أُنشرْ على لهب القصيدِ
شكوى العبيدِ إلى العبيدِ
ولد في طولكرم لعائلة مثقّفين وعمل إلى جانب ابراهيم طوقان في الإذاعة الفلسطينية ثم مارس المحاماة. هو زيتونة فلسطين. عاش هموم شعبه وواكب مأساته.
إلى أنيس صايغ (1931-2009) معلّمنا في البحث والتقميش والفهرسة في مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية وفي الموسوعة الفلسطينية المولود في طبرية وخرّيج الجامعةالأميركية في بيروت وكان سبقه إليها أخوته يوسف وفؤاد وفايز وتوفيق وماري ومنير، والقائل إن وجود إسرائيل حالة غير طبيعية وغير أصلية وغير صحيحة، وهو الذي كشف عن تفصيلات حياته في سيرته الذاتية الرائعة «أنيس صايغ عن أنيس صايغ»، مازجًا العام بالخاص والتاريخ بالجغرافية والذاكرة بالوطن.
ثم إحسان عبّاس (1920-2003) المولود في قرية «عين غزال» في قضاء صفد في شمالي فلسطين، والذي عرف عن كثب قامتين من قامات النضال الفلسطيني: عز الدين القسّام وتقي الدين النبهاني. درس في حيفا وعكّا والقدس ثم إلى جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا) في 1946. في البدء حاضر في الخرطوم ثم انتقل إلى الجامعةالأميركية في بيروت، فكان أستاذًا ومترجمًا وناقدًا.
إلى قنديل شاكر شبير (1931-2005) المولود في ضاحية لخان يونس والذي درس الطبّ في بغداد وليفربول والينوي ونشط مهنيًّا في غزة وعمّان.
ثم منير الريّس المولود في غزّة في العام 1915 والذي كان له شأن سياسي رائد في فلسطين قبل النكبة وبعدها وحتى وفاته في 1974.
وأخيرًا ناهض الريّس (1937-2010) المدافع عن فلسطين قولًا وفعلًا والملتحق بالقوات العسكرية الفلسطينية في سورية بدءًا من 1972 ثم المسؤول عن قطاع الجليل في بيروت التي غادرها في 1982 مع عرفات إلى تونس. وفي 1994 عاد إلى غزة بعد أن مكث في المنافي 37 عامًا، فكان وزيرًا للعدل ثم رئيسًا لمجلس القضاء الأعلى في السلطة الفلسطينية.
«خالدون من فلسطين» لنبيل خالد الآغا سِفرٌ لا غنى عنه لدارس فلسطين ثقافة وشعبًا وحضارة، فالتراجم هنا لأربعة عشر فلسطينيًا تشكّل في مجملها مصدرًا موسوعيًا لهؤلاء في الفكر والسّياسة والكفاح. لكن لا ندري ما هو معيار الآغا في ترجمته لهؤلاء الأربعة عشر مبدعًا فلسطينيًا، ولماذا أسقط غيرهم من هم في سنّه، أضف إلى أن هناك تفاوتًا في الفسحات الممنوحة للترجمة إذ أن البعض على شهرته وإسهامه لا يحتلّ فسحة أوسع من البعض الآخر الذي لا يدانيه في اغنائه التراث الفلسطيني. ومع ذلك فنحن مع الآغا في مرجع أساسي للتأريخ الثقافي فلسطين.