| 

تحل علينا في هذا الشهر الذكرى العشرون لاتفاقية أوسلو التي أنجبت السلطة الفلسطينية، وهي مناسبة لإعادة قراءة الاتفاقية ونتائجها في ضوء الواقع الراهن. وبعد مرور هذه السنين كلها ستكون قراءتنا عبارة عن قراءة لأحداث وقعت بالفعل، وتحليل لواقع نعيش تفصيلاته في كل لحظة. ومع تزايد الآراء المنادية بحل السلطة، خاصة بعد أن شكّك الرئيس محمود عباس في جدوى وجودها، تكتسب هذه القراءة أهميتها؛ لاسيّما في ظل تعقد المشهد السياسي، وانسداد آفاقه، وتعثر حل الدولتين، وتعطل المصالحة، وتفاقم الأزمة المالية للسلطة، لدرجة باتت تهدد بانهيارها. وبعد أن اعترفت قيادات السلطة بفشل أوسلو ووصوله إلى طريق مسدود، من العبث أن يدافع أي كاتب عنها، أو أن يعدد مناقبها. ولكن الأكثر عبثية أن نظل في دائرة صب اللعنات على الاتفاقية، وتعداد مساوئها.
سنترك محاكمة الاتفاقية وصانعيها وموقّعيها للتاريخ؛ فتلك مهمته، خاصة أن تداعيات الاتفاقية ما تزال ماثلة وحية. وسنتجه مباشرة إلى تقويم المرحلة التي أنتجتها «أوسلو» وتحليل مفرداتها، ولكن بعد الإجابة عن الأسئلة الأهم: هل كانت «أوسلو» ممرا إجباريا؟ أم مغامرة تاريخية؟ أم مؤامرة؟ أم ورطة؟ وماذا جنينا منها؟ وقبل كل شيء، لا بد من تحليل المعطيات التي أحاطت بالظرف التاريخي الذي نشأت فيه «أوسلو»، ولن تكتمل قراءتنا من دون أن تتضمن فهم الاتفاقية من وجهة نظر طرفي الصراع (الفلسطيني والإسرائيلي)، وهنا لن نحاكم النيات والرغبات والاحتمالات الممكنة؛ بل سنتعاطى مع نتائج ملموسة تنبض بالحياة.

ضغوط وتحديات البيئة المحيطة

إذا ما عدنا بالزمن إلى بداية التسعينيات من القرن الماضي، فسنجد أن منظمة التحرير الفلسطينية كانت تواجه ظرفا دقيقا بالغ الصعوبة والتعقيد؛ فما ان خسرت المنظمة حليفها الأقوى بعد هزيمة العراق العسكرية، وانقسام العالم العربي إلى معسكرين، حتى تلقت الخسارة الثانية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وتشكّل معالم نظام عالمي جديد، تقوده الولايات المتحدة منفردةً. فوجدت منظمة التحرير نفسها وقد صارت بلا عمق عربي أو غطاء إقليمي، ضمن معادلة دولية مختلة. وفي هذا الإطار التاريخي، وضمن هذا المناخ، يمكن فهم اتفاقية أوسلو على أنها التكتيك المرن الذي أتاح لمنظمة التحرير العودة إلى الحلبة السياسية، بعد أن جهدت قوى محلية وأطراف إقليمية ودولية عديدة من أجل إخراجها نهائيا من الساحة، وكادت أن تحقق مرادها، وأن تنجح في إقصائها وإنهاء وجودها السياسي من خلال محاصرتها، وتجفيف مواردها المالية، وفرض عُزلة سياسية عليها، مستغلةً الظروف الاستثنائية التي عاشتها المنطقة، والتي نتجت عن حرب الخليج؛ فكان مؤتمر مدريد للسلام (1991) الممر الإجباري الذي دخلته المنظمة لتثبيت وجودها وتأكيد شرعية تمثيلها للشعب، وإلا فإنها كانت ستواجه حينها نفس المصير الذي لاقته منظمة مجاهدي خَلْق الإيرانية، أو حزب العمال الكردستاني، أو جبهة البوليساريو الصحراوية، والكثير من حركات التحرر الأخرى التي صارت مطارَدة وتعيش على هامش التاريخ، بعد أن فشلت في فهم المتغيرات الدولية، وأخفقت في التكيف معها، أو أن الظروف كانت أقوى منها، بحيث تمكنت الجهات المعادية لها من احتوائها، وفي النهاية تجاوزتها الأحداث.
يضيف من كان مؤيدا للتسوية حينها سبباً آخر لدخول «مدريد» وهو الحفاظ على حيوية القضية الفلسطينية التي تَهددها خطر الإهمال العالمي والعربي في زحمة الترتيبات الكونية الجديدة، وأيضا منْح الانتفاضة (الأولى) ثمنا سياسيا يكافئ جزءا من تضحياتها الجسيمة؛ لأن انتهاء الانتفاضة وموتها سريرياً دون أن تحقق شيئا، كان يعني انتكاسة سياسية، ستعود بالقضية إلى المربع الأول، خالية الوفاض.
كان الفلسطينيون قد بدأوا المفاوضات مع إسرائيل في مؤتمر مدريد، ضمن وفد أردني فلسطيني مشترك، مكون من شخصيات وطنية من الداخل، برئاسة وزير الخارجية الأردني، شرط ألا يعلن الوفد عن ارتباطه بمنظمة التحرير، وقد خشيت قيادة المنظمة حينها أن تكون المظلة الأردنية مدخلا للوصاية من جديد، لاسيّما وأنها كانت تعاني من حالة ضعف. ومع بطء تقدم المفاوضات بسبب تعنّت الوفد الإسرائيلي، الذي تلقى تعليمات من «شامير» بأن تظَل المفاوضات تراوح مكانها عشرات السنين!! ومع ظهور بوادر انتخابات إسرائيلية مبكرة كانت مؤشراتها تدل على فوز حزب «العمل»، دخل الطرفان (منظمة التحرير وحزب العمل) في مفاوضات سرية انتهت بقلب الطاولة على جميع اللاعبين، وتم الاتفاق على إعلان مبادئ، سُـمّي اتفاق أوسلو.
أرادت القيادة الفلسطينية من «أوسلو» توفير الأمر الذي فقدته الثورة، وجعَلها دائمة الترحال، ألا وهو «الأرض»؛ القاعدة الارتكازية الجديدة، التي ستخفف من سطوة الجغرافيا السياسية على المنظمة، وستجعلها في قلب الحدث. وأرادت أيضا أن تنتزع من أميركا وبقية الدول الأوروبية اعترافا رسميا بمنظمة التحرير. وثمة أمران مهمان آخران من نتائج «أوسلو» ثبّـتا واقعا جديداً، هما: تأكيد التحول الاستراتيجي في رؤية اتجاه رئيسي ضمن الحركة الصهيونية اتجاه «حدود إسرائيل» وأطماعها التوسعية، وبداية انكماشها فعليا على ذاتها، والأمر الآخر توجيه ضربة للسياسة الأميركية التي كانت تخطط لإخراج منظمة التحرير نهائيا من الحلبة السياسية وخلق بدائل لها من داخل الأرض المحتلة. وعلى ما يبدو أن الفريق الإسرائيلي المشارك في مفاوضات أوسلو كان يعبر عن إدراك إسرائيلي لمعطيات المرحلة مختلف عما يدور في أروقة البيت الأبيض، لذا فقد اتسمت المفاوضات بالسرية التامة، حتى على الإدارة الأميركية في بداية الأمر.
مع توقيع الاتفاقية بدا كأنها توفر فرصة للتخلص من الاحتلال، والاقتراب أكثر من إقامة دولة فلسطينية مستقلة على سائر الأراضي المحتلة عام 1967، وفرصة إقامة سلام شامل يُبعِد شبح الحرب عن المنطقة؛ إذ تعهد الطرفان (بضمانات دولية) على البدء لاحقا بمفاوضات مباشرة حول قضايا الحل النهائي، وهي: اللاجئون والقدس والمستوطنات والمياه والحدود، وهي القضايا التي تشكل جوهر الصراع.
حين وُقِّعت اتفاقية أوسلو، تم تحديد إطار زمني لها حده الأقصى خمس سنوات؛ أي أن الاتفاقية مفترض أن ينتهي مفعولها في العام 1999، وخلال هذه المدة كان من المفترض أن تنسحب إسرائيل من المناطق المصنفة (أ) و(ب)، وأن تفرض السلطة سيطرتها على المناطق المصنفة (ج)، لتبدأ مباشرة مفاوضات الحل النهائي.

مغامرة غير مضمونة النتائج

من السهل علينا الآن أن نقول «أوسلو» فشل، وأنه كان خيارا كارثيا، وأن الاحتلال لم ينته عن أرضنا، واللاجئون ما زالوا منفيين، والقدس تهوّد معظمها، والمستوطنات قضمت أطراف الأرض .. ولكن قبل عقدين من الزمن المكثف والمليء بالأحداث كان هذا كله في رحم الغيب، وتصوره كان ضربا من التشاؤم بالنسبة للكثيرين.
ولكن، هل كانت رؤية تلك الفرصة التي وفرتها الاتفاقية مجرد تفاؤل؟ أم كانت رهانا على الشعب، ومغامرة تاريخية لا بد من خوضها؟ القيادة التاريخية لا تعتمد في حساباتها على التفاؤل والتشاؤم؛ القيادة تتقدم وتصنع الحدث. أما المنظّرون فيتبعون عادة إحدى طريقتين: أثناء الحدث يتبعون طريقة «قل كلمتك وامشِ»، وبعد مرور الزمن يقيّمون الحدث على طريقة «ألم أنصحكم؟!»، وأحيانا يتمنون الهزيمة أو الفشل حتى لا يخسروا رهانهم. صحيح أن ما حدث لاحقا كان معاكسا تماما لكل التوقعات وكل التمنيات.. لكن أحداث التاريخ ليست قدرا محتوما .. كان الفضاء السياسي للمنطقة يتسع لكل الاحتمالات، وكان كل شيء مرهونا بالأداء من ناحية، وبتطور أحداث قريبة وبعيدة ستؤثر بشكل أو بآخر على المنطقة من ناحية ثانية.
خيار أوسلو في ذهن القيادة الإسرائيلية كان يمثل مخرجا من أحد جوانب المأزق الذي تورطت فيه إسرائيل بعد احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة، يمكّنها من مواجهة «القنبلة الديمغرافية»، دون أن تضطر للتعامل مع السكان، ولا أن تنسحب من الأراضي المحتلة؛ فبعد سنوات من الصراع الدامي، وفي ظل متغيرات دولية عميقة طالت المنطقة، وبعد أن عجز الطرفان عن تحقيق غاياتهما في إلغاء أحدهما الآخر، التقت مصالح الطرفين عند نقطة معينة، كان يمكن لها أن تريح المنطقة من عبء الصراع لسنوات طويلة. إلا أنه في عالم السياسة؛ لا يوجد من يهب دون مقابل، أو إذا لم يكن مجبرا على ذلك؛ فبالرغم من أن القيادة الإسرائيلية أعلنت عن نيتها إنهاء الصراع، وإقامة سلام عادل، وتطبيق قرارات الشرعية الدولية، والانسحاب من الأرض المحتلة، إلا أن معطيات الواقع تشير أن لا شيء يمكن أن يجبرها على ذلك؛ خاصة في ظل حالة الصمت العربي والتواطؤ الدولي والضعف الفلسطيني؛ فبدأت إسرائيل تتراجع عن تعهداتها، وانقلبت على «أوسلو»، وأرادت منه أن يمنحها الوقت لتثبيت رؤيتها للحل على أرض الواقع، وبما يحقق مصالحها.
في المقابل كان خيار أوسلو في ذهن القيادة الفلسطينية شيئا آخر؛ كان يعني إنشاء سلطة وطنية تمتلك كافة مؤسسات الدولة، على أن تتولى هذه السلطة مهمة تقديم الخدمات الحيوية للشعب، وتعزيز صموده، وتخليصه من براثن الاحتلال، وتجهيز البنية التحتية للدولة بكل ما تتطلبه من مقومات اقتصادية واجتماعية، لتكون نواة للدولة المستقلة.
لكن هذه الخيارات على أهميتها، كانت تنطوي على مغامرة غير مضمونة النتائج، وكانت تعني تغييرا في استراتيجية الثورة الفلسطينية، وتخليها عن الكفاح المسلح، وتغيير تكتيكاتها المرحلية، بحيث تصبح الأولوية لقضايا التنمية والبناء بكل تفاصيلها وتفرعاتها المعقدة، على حساب قضايا التحرير والمقاومة، وكانت تعني أيضا التحول من طابع الفصائل الفدائية إلى الأجهزة الأمنية، وأن الثورة ستحصر نفسها في عرين الأسد، وستضع كل بيضها في سلة واحدة، وستكون مرهونة للدول المانحة، وستكون مجبرة على التنسيق الأمني، ولن تتمكن من الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي في ظل مسار «أوسلو».
الخياران السابقان كان يمكن أن ينجح أي منهما. الآن، يمكننا تذكّر الكثير من الأحداث (المفتعلة) ورصْد الجهود المضنية التي بذلتها قوى فلسطينية وإسرائيلية كانت رافضة لاتفاقية أوسلو، وقد سعت حينها بكل ما تملك من قوة لإفشال التسوية، واقتنصت كل فرصة للتخريب عليها، ويمكننا القول إن تلك الجهود تكللت بالنجاح، وإن هذه القوى هي التي فازت في نهاية المطاف.

«أوسلو» مات فعلياً

لكن فشل اتفاقية أوسلو لم يكن بسبب هذه القوى، بل بسبب تردد الإدارة الأميركية، وانحيازها التام لإسرائيل، وأيضا بفضل قرار أميركي إسرائيلي تم التحضير له بعد فشل كامب ديفيد (تموز 2000) على يد الفريق اليهودي المفاوض في كامب ديفيد بقيادة «دينس روس» يتلخص بتحول المواجهة من ساحة السياسة إلى ساحة الحرب، وقد بدأ تطبيق هذا القرار فعليا بزيارة شارون للمسجد الأقصى، تمهيدا لشن حرب شاملة على السلطة بهدف تدمير مؤسساتها، كما حصل في 2002، وصولا إلى اغتيال عرفات.
ويضيف المعارضون أسبابا أخرى لفشل أوسلو، وهي: ضعف السلطة الوطنية، ومظاهر الفساد التي اعترت أداءها المتواضع، وتراجع دور الفصائل الوطنية، وإهمال منظمة التحرير، والفوضى والفلتان الأمني، وأخيرا ـ وربما الأهم ـ الانقسام.
البعض بعد أن رأى انقلاب المزاج الشعبي على «أوسلو»، ضاعف من وتيرة هجومه عليه، وألصق به كل التهم، وحمّله أوزار المرحلة برمتها، خاصة مع تفشي حالة النفاق الإعلامي المتساوق مع النـزعات الشعبوية، والمشكلة أن هؤلاء ما زالوا يتمتعون بمزايا «أوسلو»! ومع ذلك، يمكننا القول إن خيار أوسلو قد فشل .. وهذا أمر سهل .. ولكن الأهم من نعْي الاتفاق، معرفة ماذا يعني ذلك؟ فإذا كان اتفاق أوسلو كارثة على الشعب الفلسطيني، كما يقول معارضوه، وأنه مؤامرة خطيرة الهدف منها تصفية القضية؛ فلماذا سعت كل القوى اليمينية (الإسرائيلية والأميركية) لإسقاط الاتفاق؟ فطالما أنه يخدم أهدافهم، فلماذا أفشلوه بالفعل؟!
الحقيقة أن أوسلو مات فعليا منذ العام 2000، وكل الأحداث والتداعيات التي تلت ذلك التاريخ لا علاقة لها باتفاق أوسلو، ويتوجب علينا النظر إليها كالعلاقة بين الأب وابنه؛ إذْ لا يجوز محاكمة الأب على جريمة اقترفها الابن، فإذا كان من المفترض أن يفضي مسار أوسلو إلى دولة فلسطينية، فإن مسار الأحداث التي جرت بالفعل كان يمضي ضمن مخطط هدفه خلق وقائع سياسية تؤدي لانفصال قطاع غزة عن الضفة. وقد عبرت عن هذا المخطط خطة شارون عام 2005، التي تم بموجبها الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وفتح المجال أمام «حماس» للسيطرة على القطاع، كمقدمة لانفصاله التام عن الضفة، وتنفيذ خطة شارون «ب» وهي الانسحاب من الضفة الغربية إلى ما وراء الجدار، وتثبيت دولة ذات حدود مؤقتة .
أصحاب نظرية المؤامرة سيجدون في ترتيب الأحداث بهذا الشكل مادة ممتازة لإثبات تورط القيادة في مخطط مشبوه، لكن هذا غير صحيح؛ لأنه يتناقض مع مصالحها ومع نهجها من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن صناع القرار الإسرائيليين كانوا مختلفين في تلك المراحل، فمن وقّع على «أوسلوط تم اغتياله (اسحق رابين)، ومن خلفه تم إقصاؤه (شمعون بيريس)، والذين نفذوا المخطط البديل الذي جاء على أنقاض «أوسلوط هم الذين طالما جاهروا بعدائهم له (شارون، أولمرت، نتنياهو).
في تسجيل على «اليوتيوب» يظهر فيه الرئيس الراحل ياسر عرفات وهو يشبّه «أوسلو» بصلح الحديبية، ويقول فيه: «إذا كان لأحدكم اعتراض واحد على أوسلو؛ فإن لي مئة اعتراض». فإذا كانت اتفاقية أوسلو هي نهاية المطاف، وختام المسيرة، أي أنها الاتفاقية الموكل لها مهمة إنهاء الصراع، وتصفية المقاومة، والتوقيع على الحل النهائي بالمنظور الإسرائيلي؛ فإن لمعارضي الاتفاقية كل الحق فيما يقولونه عنها. أما إذا كانت «أوسلو» مجرد محطة ومرحلة اقتضتها الظروف، ولها ما بعدها، فإن أصحاب هذه النظرية مدعوون لإعادة النظر فيها، وأن يبدؤوا على الفور بصوغ إستراتيجية جديدة، تجيب عن أسئلتنا الوطنية: ماذا نحن فاعلون؟ وما هي خياراتنا لإنقاذ مشروعنا الوطني؟
يقول أنصار «أوسلو» إن ما نتج عنها مختلفٌ كليا عمّا تخوّف منه الرافضون؛ فلا الصراع انتهى، ولا المقاومة صُفّيت، ولا الشعب ألقى بسلاحه واستكان، ولا القيادة وقّعت على أي حل من شأنه المسّ بالثوابت الوطنية، وما كان في ذهن القيادة حينها توضّح للعالم في ما بعد، وتحديدا بعد أن انفض «كامب ديفيد» مكللاً بالفشل.
أما المعارضون للاتفاقية فيقولون أنها شكلت قيدا على الشعب الفلسطيني، وعطلت من فرص نمو اقتصاد وطني، وقزّمت القضية الفلسطينية إلى مستوى تأمين الرواتب، وجعلت همّ المواطنين الأول البحث عن لقمة العيش، وحاصرت المقاومة بحجة فرض الأمن الداخلي، والتنسيق الأمني.

ماذا بعد؟


لا يفيدنا كثيرا توجيه اللوم إلى من تسبب بإفشال الاتفاق، أو إلى من وقّع عليه من الأساس، وبدلا من الغرق في دوامة الحوار العبثي، لا بد من أن نعي أننا في مرحلة جديدة ومختلفة، وأن نتنبّه لجملة من المخاطر المحيطة بالمشروع الوطني ككل، والتي تنذر بنسف كل ما تم إنجازه؛ تعبّر عنها مخططات باتت مكشوفة، يريد البعض منا أن نتعامى عنها: فهناك مخططات لفرض التقاسم الجغرافي الوظيفي في الضفة الغربية، وانسحاب إسرائيل إلى ما وراء الجدار، دون التنسيق مع السلطة، مع الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية، وفرض دولة مقسمة غير متصلة جغرافيا، يُفتَح لها طرق متعرجة نحو الأردن، وتشجيع نشوء كيانية خاصة مستقلة في قطاع غزة؛ بعد إلقاء القطاع في حضن مصر، وإعفاء إسرائيل من تبعاته. وقبل كل ذلك، وبالتزامن مع هذه المخططات، هناك ما يتم فرضه كأمر واقع: تهويد القدس، والتوسع الاستيطاني، وبناء الجدار، وإفشال «حل الدولتين»، وإضعاف السلطة إلى الحد الذي لا يميتها، ولا يجعلها قادرة على ممارسة دورها.
مواجهة هذه المخططات، أو إلغاء «أوسلو»، أو التنصل منه، أو صياغة أي حل آخر يجب ألا يكون تلقائيا ولا مرتجلا؛ يجب أن يكون بعد قراءة دقيقة لعوامل فشل «أوسلو»، ودراسة أكثر دقة لفرص وإمكانيات النجاح لأي بديل. وأي حل مهما بلغت براعة صياغته، لا يمكن أن ينجح دون إنهاء حالة الانفصال، وتحقيق المصالحة، والسماح بإجراء الانتخابات، وتفعيل منظمة التحرير، والاتفاق على برنامج سياسي واحد، يصعّد المقاومة الشعبية، ويعيد الاعتبار لدور الجماهير.
الحصول على اعتراف أممي بدولة فلسطينية غير عضو، قد يكون حلا جزئيا في هذه المرحلة؛ حيث إن إعلان دولة فلسطينية تحت الاحتلال سينتقل بنا من حالة السلطة الراهنة إلى واقع دولة تحت الاحتلال، وهذا يتطلب إعادة بناء المؤسسات والأجهزة الأمنية ووظائفها لتتوافق مع الواقع السياسي الجديد، الذي يعني أيضا إلغاء كل ما له صلة بالاتفاقيات الانتقالية التي نشأت عن «أوسلو» مثل بروتوكول باريس، ووقف التنسيق الأمني .. وبالتالي ستتحول المفاوضات من صيغتها السابقة إلى مفاوضات بين دولة ودولة، على أن تتجه مباشرة لتسوية قضايا الحل النهائي، بما فيها حق العودة، وإن لم يحدث ذلك، فعلى منظمة التحرير سحب الاعتراف بدولة اسرائيل كما ورد في الرسائل المتبادلة .
والأهم من أي شيء آخر، علينا الآن أن نعترف بأخطائنا، وأن نعرف في أي اتجاه نسير؟

* كاتب فلسطيني مقيم في رام الله.