| 

«دار قنديل»، وأصبحت في ما بعد «دار قنديل للثقافة والفنون» علامة فارقة في طولكرم؛ المدينة التي تعاني مثل معظم مدن الضفة الغربية، ما يمكن تسميه بـ«الجفاف الثقافي والفني»، وهو ما يؤكده الفنان علاء أبو صاع حين قال لـ«ملحق فلسطين» بالعامية «أيام تأسيس دار قنديل كانت طولكرم بكر تقريبا» .. كانت طولكرم تخلو إلى حد كبير من أي مظاهر من شأنها إنعاش الحياة الثقافية، كما كانت تخلو من مؤسسات ثقافية فاعلة، إن وجدت. أما النشاط الثقافي والفني، فكان تقريبا معدوما ويقتصر على بعض المحاولات هنا وهناك».
أضاف علاء أبو صاع: بقدر ما كان ظهور دار قنديل ونشاطاتها، خصوصا غير التقليدية، وما رافقها من حراك فني وثقافي وتطوعي جاذباً للكثير من أهالي وسكان طولكرم، وبخاصة الشباب واليافعين، بقدر ما كان تحديا كبيرا وخطرا إلى درجة ليست صغيرة. وأكد أن «التحديات كثيرة ومتشعبة، ومن أبرزها أن العمل في المؤسسة كان تطوعياً، ويعتمد على تمويل ذاتي، ودون خبرة أو دراية تذكر .. التمويل كان ارتجالياً من بعض الأهالي، وبخاصة الشباب، وحتى الأطفال. أكبر مشكلة كانت بالنسبة لنا هي إيجاد مقر، ومع الوقت تمكنا، وبـ«تحايل» بالمعنى الإيجابي للكلمة، من إيجاد مقر مؤقت لدى أقارب إحدى فتيات «دار قنديل».

تحديات في كل اتجاه

أما بخصوص التحدي المجتمعي، ففصل الفنان أبو صاع: اجتمع الغالبية ضدنا، من المجتمع و«متديني السياسة»، إضافة إلى «العلمانيين»، الذين وجدوا في الشكل المبدع والجاذب لنشاطات دار قنديل تهديدا لوجودهم غير المؤثر والفاعل، وتعرية لهم بشكل أو بآخر، إضافة إلى اليساريين الذي أرادونا الانضواء تحت لوائهم، وهو ما رفضناه بشدة، بل واشتبكنا معه. كان ولا يزال لدينا إيمان بما نقوم فيه، ولذلك قررنا الصمود، وفي مرحلة لاحقة الانتصار.
«الجهل» كان من بين التحديات الكبرى لمشروع «دار قنديل». وعن ذلك قال أبو صاع: طبعا كان يرافق كل ذلك مستوى من الجهل عند الكثير من الناس، بسبب عدم تعرضهم للثقافة والفنون بمفهومها العميق وغير الشعاراتي لفترة طويلة من الزمن. كنت أشعر أحيانا بأننا في واد وهم في واد ثان.
مرت سبع سنوات من دون حصول «دار قنديل» على أي دعم مالي، كون أبو صاع ورفاقه من القائمين على المشروع الثقافي الأبرز في طولكرم يرفضون الدعم أو التمويل المشروط، إلى أن توسعت دائرة «الدار»، وانضوى تحت لواء «القنديل» شباب متعدد المواهب، وكادر فني جيد استطاع تمويل نفسه ذاتياً، من خلال العروض التي يقدمها من مسرح وموسيقى وعروض دمى ومهرجين وغيرها. وفي ذلك الوقت انطلقت مدرسة الفنون، التي خرجت قبل أيام فوجها الأول من الطلبة اليافعين (ذكوراً وإناثاً). وقال أبو صاع: هذا الاختلاط الراقي والحضاري هوجم بشراسة في مجتمع يرى جزء كبير منه أن ما نفعله ضد «القيم»، دون التدقيق، ولمجرد وجود شبان وفتيات في مكان واحد. المهم أن هؤلاء باتوا اليوم مسلحين بأساسيات الفن، لا سيما تلك غير المتوفرة في فلسطين كالركائز، والدمى، والأراجوز، والغناء متعدد الوسائط، وبخاصة عبر تقنيات الاتصال الحديثة، وغيرها.
وحول دعم الجانب الرسمي ممثلاً بوزارة الثقافة والحكومة، أجاب أبو صاع: الجانب الرسمي غير داعم. هو يدّعي أنه يدعم، لكنه، وخلف الكواليس، يتواطأ مع الأجهزه الأمنية الفلسطينية ضدنا، والتي حاولت مؤخرا، وعدة مرات، مضايقتنا، من خلال استدعاء الشباب للتحقيق معهم عن سر قوة دار قنديل وخطتها القادمة أو المستقبلية.

«بكرة الناس بتعرفكم»!

تنشط «دار قنديل» في مستويات عدة، على صعيد العمل الفني غير الكلاسيكي والجريء بتنويعاته، والعمل المجتمعي، والعمل التطوعي، ولعله من الضرورة هنا استعراض بعض أغنيات الفرقة، لإدراك انزعاج الجهات الرسمية بتنويعاتها أيضاً مما يقدمونه، ومنها أغنية «بكرى الناس بتعرفكم»، وهي سياسية لاذعة تقول في مطلعها «بكرة الناس بتعرفكم يا خسارة كدابين .. وبتعرف قصتكم تجار وبيّاعين .. ساعة ع منصة بتحكوا ساعة بالمكرفون .. وباسم الشعب بتشكوا على شاشة التلفزيون .. بس الكل بيعرفكم يا خسارة كدابين»!
أما أغنية «نعمان»، فتعبر عن واقع فئة من أبناء الشعب الفلسطيني لا تزال كرامتها هي الأهم بالنسبة لها .. وتقول «نعمان عايش في العدم لا بينحني ولا بينهزم .. خسران بتمنى الربح واتعود يذوق الألم». وفي أغنية «يا شاويش»، يوجه شباب «دار قنديل» رسالة صارخة للمسؤولين حول سوء الأوضاع الاقتصادية للشعب الفلسطيني، إذ تقول «يا شاويش الخبزة ما بتكفيش، يا شاويش لازم احنا نعيش .. والعيشة ضاعت ع الفاضي والهمة صارت كلّيش .. بكرة محسوب من الماضي، باقي من عمري قدّيش .. ع هالحالة ما فينا نعيش يا شاويش».
من بين الأغنيات الكثيرة، هناك «اطلع من خوفك»، التي تقول «اطلع من خوفك يا خال .. علي صوتك ليش سكوتك احنا رجال .. رجال اللي تتحرر ما تهاب .. يا طريق الحرية ثمنها عذاب .. البس ثوب العزة وزيد .. دق أبواب الحق بعزم وحديد .. للبلد بنتخطى دروب .. وعن ثورتنا الحرة ما بنتوب .. اطلع من خوفك يا خال .. علي صوتك ليش سكوتك احنا رجال».

تقدم بطيء

خلال الحديث مع الفنان أبو صاع قال: في مراحلنا الأولى خطبوا ضدنا في المساجد، على اعتبار أن ما نقدمه من فن يدخل في دائرة الفسق والفجور، وهو ما دفعنا لمزيد من الإصرار والتحدي، لدرجة أصبحنا نحن من يحدد موضوع خطبة الجمعة، من خلال نوعية النشاط الذي ننفذه قبل ذلك اليوم. وذات يوم صدر بيان من «مجهولين» أطلقوا على أنفسهم اسم «شرفاء طولكرم» بحق «دار قنديل»، وكأن الفن يتعارض مع الشرف والدين والطهارة. الآن اختلفت الأمور، وباتت الضغوطات أقل إلى حد ما «شكلهم تعبوا منا». الضائقة المالية متواصلة، وهي المشكلة الأساسية، وإن كان المنتقدون ما زالوا يقومون بدورهم ولكن ليس كما في السابق.
على الرغم من أن الحراك الثقافي في طولكرم، بشكل عام «مش نافع»، على حد تعبير أبو صاع، لكنه «أفضل من أول»، وأضاف: أصبحت هناك مؤسسات ثقافية، لكنها في غالبيتها مسيّسة، وليست لديها رؤية للتغيير أو التنمية، بل إن بعضها يقوم بدور هدّام عبر انتهاجه سياسة «المنافسة السلبية». ومع ذلك، قامت «دار قنديل» هذا العام بتنظيم سلسلة من الأحداث الثقافية، في محاولة لوضع طولكرم على خريطة الحدث الثقافي الفلسطيني، ومن بينها «عيد العمال على الطريقة الفلسطينية»، ونظمتها «دار قنديل» بالاستعانة بـ700 متطوع من معظم المدن الفلسطينية، ونقل بعض فعاليات «مهرجان فلسطين الدولي» إلى المدينة، وعدد من ورشات العمل المحلية والعالمية، إضافة إلى تبادل فني مع فرق إيطالية، وغيرها كثير.
وتابع: هذا لا يعني أن غيرنا لا يعمل، فهناك وزارة الثقافة، وإن كانت تقوم بنشاطات ينقصها حتى الآن التركيز على المساهمة في التنمية البشرية، وتسليط الضوء على القيمة الحقيقية للثقافة والفن. أما وزارة التربية والتعليم، فهي من أكثر الجهات التي تقاوم الانفتاح والخروج من دائرة الرجعية في طولكرم، وكأن ما نفعله «حفلات ماجنة»، أو أننا «نشجع على الفسوق»! وقال: نحن، ومن خلال «دار قنديل»، لا نزال نشتبك مع السائد، ونكشف عبر نشاطاتنا عمن هو العاطل عن العمل، وبالتالي نشكل تهديدا لسيطرتهم، كوننا نسعى لأن نكون نموذجاً تنويرياً وبديلا يحقق ذوات الشباب، وهذا قد يلغي مبررات الوجود الشكلي للكثيرين كآباء روحيين للثقافة والفنون في طولكرم. همنا، منذ سنوات، أن نسعى لإزالة الخمول المتكدس على عقول الناس، وأن ننتج بعض الإضاءات المزعجة لهم، بل ونقوم بتعرية ما يقدمونه، وتشكيل بدائل ممكنة وغير مكلفة ومتاحة أيضاً. نحن قارعو الأجراس في طولكرم، و«ما بنخفش»، والناس من حولنا يلتفون، وهذه الحالة في ازدياد، وهذا يقلق كثيرين. وخلص أبو صاع إلى القول: «إن لم تكن هناك وقفة جدية ورفد من خارج طولكرم، فإن الوضع الثقافي فيها ذاهب إلى الأسوأ، لأن الجيدين حقيقة يستهلكون، وعليه ستكون الساحة خالية للجانب الرسمي، الذي سيعمم ويعمق حالة «الغباء» في تداول الثقافه والفن في طولكرم.

* صحافي مقيم في مدينة رام الله