| 

لم يقيّض لمسار أوسلو، منذ ولادته قبل عشرين عاماً، أن يسفر عن شيء، ليس لأن الاتفاق يحمل بذور فشله أو لاختلال موازين القوى لمصلحة الاحتلال الإسرائيلي فحسب، وإنما، لإصرار الاحتلال على تحكيم هذا الخلل في فرض تسوية لا تحقق الحدّ الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، ما أحدث مأزقاً حرجاً وأوضاعاً متدهورة في الأراضي المحتلة ومساراً تفاوضياً متعثراً تارة، وجامداً طوراً، على الرغم من متوالية المؤتمرات والاتفاقيات التي بقيت إما صورية أو حبراً على ورق. وبذلك اجتمعت ثلاثة عناصر للحيلولة دون إمكانية تنفيذه فعلياً؛ أولها مضمون الاتفاق الذي لم تمنع معارضة معظم الفصائل الفلسطينية عملية تمريره، وثانيها طبيعة الاحتلال الذي استخدم الاتفاق لتكريس مشروعه الاستعماري في فلسطين، وثالثها الانحياز الأميركي المفتوح في ظل غياب أو تراجع الدعم العربي الإسلامي للقضية الفلسطينية.

نقطة تحول حاسمة

شكل اتفاق أوسلو نقطة تحول حاسمة في تكوين الحقل السياسي الفلسطيني وتغيير قواعد اللعبة السياسية فيه وتحديد مفرداته وتحدياته، وفي أزمته البنيوية أيضاً، تبعاً لإشكاليات نشأته وفق أوسلو وليس تتويجاً لنجاح المشروع الوطني في بلوغ غايته في التحرير وتقرير المصير وحق العودة إقامة الدولة. وقد أنتج ذلك نظاماً منقوص السيادة في إطار سلطة ومحدودة الصلاحيات ومحكومة بتدابير والتزامات، منها التخلي عن الكفاح المسلح واعتماد استراتيجية التفاوض والاعتراف بالكيان الإسرائيلي، والتسليم بكيان سياسي لايطابق الوطن في حدوده التاريخية، انسجاماً مع خطاب «الواقعية الجديدة» الآخذ بالمتغيرات الدولية والإقليمية، مقابل اعتراف الاحتلال بالمنظمة من دون الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.
لمنظمة التحرير حصتها الأكبر من المسؤولية، إن لم يكن جلها، لأنها ارتضت تجزئة قضايا الوضع النهائي إلى ستة مجالات أساسية (اللاجئون والقدس والاستيطان والحدود والأمن والمياه) وتأجيل بحثها إلى المرحلة النهائية من المفاوضات التي كان يجب أن تنتهي في عام 1999، الأمر الذي تسبب في فتح «فرجار» جلسات التفاوض على أوسعه، والانغماس في مناقشة تفصيلات جزئية صغيرة على حساب القضايا الجوهرية للصراع، وتحرير الاحتلال من أي التزامات أو مساءلة ما دامت تلك القضايا خاضعة للبحث، فضلاً عما سببه أوسلو من تفكيك مختلف مكونات السيادة الفلسطينية. وهذا الوضع أرخى أوراق الضغط القوية ضدّ الكيان الإسرائيلي، بينما أثقل السلطة بالتزامات «أوسلو» الذي ما عاد الاحتلال يدرجه في حسابه، ما عكس عدم وضوح المعادلة بين سلطة تريد الحفاظ على اتفاقاتها تلجأ إلى خطاب دبلوماسي مرن، وبين واقع على الأرض يستلزم خطاباً وأداءً ومستوى تنظيمياً مختلفاً، خاصة في المسألة المتعلقة بالتخلي العملي عن الكفاح المسلح، وقصر حمل السلاح على قوى الأمن مصحوباً بمطالبات إسرائيلية أميركية للسلطة بوقف «العنف» وملاحقة حركات المقاومة، انسجاماً مع الاتفاق الذي لم يسمح للجانب الفلسطيني بتشكيل أي قوات مسلحة أخرى غير قوة شرطة مقيدة أمنياً، من دون اشتراط ربط ذلك بالتوصل إلى تسوية متفق عليها للصراع.

ضبابية «أوسلو»

وفي موازاة ذلك أصابت ضبابية بنود «أوسلو» أسّ «الدولة» نفسه بغياب أي ذكر لها في الاتفاق، ولكن بحساب الرؤية الفلسطينية فقد كان من المفروغ منه إذا ما تم التوصل إلى تسوية قضايا الوضع النهائي فإن النتيجة المنطقية ستكون قيام دولة فلسطينية.
بيدّ أنه سمح للاحتلال الانفلات من ضغط اللحظة، والمضي قدماً في مخطط إفراغ مشروع إقامة دولة فلسطينية متصلة من أي مضمون فعلي، عبر إغراق المساحة المخصصة لكيانها بالمستوطنات والطرق الالتفافية والحواجز العسكرية، ما تسببّ في قضمّ 80% من مساحة الضفة الغربية، مقابل أقل من 20% للفلسطينيين، تشكل 12% من فلسطين التاريخية، ضمن ثمانية «كانتونات» غير متصلة جغرافياً، لتشكل مع قطاع غزة قوام الدولة، وفق الرؤية الإسرائيلية للكيان الفلسطيني المستقبلي الذي لا يخرج عن إطار حكم ذاتي باستثناء السيادة والأمن الموكولتين للاحتلال.
بموجب الاتفاق وعبر استعماره فلسطين، أوغل الاحتلال في السيطرة على مواردها الطبيعية، والتحكم بمفاتيح الاقتصاد والهيمنة عليه، علاوة على المعابر والحدود والتجارة الخارجية، وشلّ الحياة في الضفة الغربية بالجدار العنصري والطرق الالتفافية والمستوطنات ومحاصرة قطاع غزة وعزل مدينة القدس وحرمان السلطة من عائداتها السياحية وضرب حركتها التجارية.
أدى ذلك، بطبيعة الحال، إلى تراكم أوضاع اقتصادية متدهورة عبر السنوات، حتى بلغت حداً خطيراً، بسبب الاحتلال الذي يشكل عنصراً أساسياً في الأزمة، بالإضافة إلى السياسات الحكومية الفلسطينية، التي يحتاج بعضها إلى مراجعة، وتراجع الدعم المالي للمانحين، الذي في أغلبه مسيّس ومشروط بجداول أعمال لا تخدم المصلحة الوطنية العليا، تماشياً مع سياسة الاحتلال المستهدفة الإبقاء على التبعية الاقتصادية والسياسية الفلسطينية، وزيادة تأثير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في السياسة الاقتصادية الفلسطينية، والخلل في هيكلية الموازنة العامة للسلطة، حيث يذهب 34% من ميزانيتها الإجمالية، بشكل تقديري عام، للأمن، بينما يتوزع الباقي على القطاعات الحيوية والخدمية الأخرى، أي على حساب تطوير البنية التحتية وايجاد المشاريع الموّلدة لفرص العمل ولقاعدة إنتاجية واسعة. وهذه العقيدة الأمنية، تشمل حماية أكثر من نصف مليون مستعمر في 180 مستوطنة، وملاحقة عناصر المقاومة، وتوفير متطلبات الجنرال الأميركي وعناصره في الضفة الغربية المحتلة.

مفاوضات لا متناهية

لم يغير نيل فلسطين صفة «دولة مراقب» غير عضو في الأمم المتحدة في 29/11/ 2012 من واقع الحال، على الرغم من أهمية هذا المكسب الدبلوماسي السياسي. إلا أن المسعى الأممي لم يُـقمّ الدولة فعلياً، ولم يكن بديلا عن التفاوض الذي لم تغادر القيادة الفلسطينية دائرته قط، ولكنها أرادت إيجاد بيئة تفاوضية جديدة من خلال تحسين المركز القانوني على المستوى الدولي عبر العضوية في الأمم المتحدة، بدون أن تضع الخطوة ضمن إطار استراتيجية بديلة عن المفاوضات بعدما أدركت فشلها، أمام قرار التجميد «المؤقت» للخطوات اللاحقة بها، مثل الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، لإعطاء فرصة أخرى جديدة للمفاوضات.
كما لن يلزم القرار الجانب الإسرائيلي ما يعاكس ما تجسده يدّه المحتلة يومياً من متغيرات استيطانية في الأراضي الفلسطينية، وإنما ستكون محاولة أخرى لإدارة الصراع وليس حله، في ظل انتفاء الضغط الأميركي والدولي. إلا ان ضغط واشنطن موجه نحو القيادة الفلسطينية وحدها، وقد تمكن هذا الضغط من دفعها إلى «تكسير» شروطها والالتحاق بدائرة التفاوض اللامتناهية، خالية من أوراق القوة والإجماع الوطني الشعبي، باستثناء إنجاز «يتيم» و«مجزوء» باتفاق إطلاق سراح 104 من الأسرى «القدامى» المعتقلين في سجون الاحتلال قبل اتفاق أوسلو، ضمن دفعات، بحسب تقدم مسار المفاوضات.
غير أن الإشكالية تكمن هنا في التعويل المستمر للقيادة الفلسطينية على مسار التفاوض، في اعتباره خياراً استراتيجياً أوحد يتقدم على سواه من البدائل الأخرى، ولا يأخذ العنصر الإسرائيلي بالاعتبار، في ظل برلمان عنصري يضم غلاة المستوطنين والمتطرفين اليمينيين، وتشكيلة حكومية يمينية استيطانية، وإزاء انتفاء اختلاف حقيقي بين الأحزاب، بمختلف توجهاتها اليسارية واليمينية والدينية، تجاه القضية الفلسطينية، حيث ترفع مجتمعة «لاءات» في وجه العودة إلى حدود 4 حزيران 1967 وتقسيم القدس وحق العودة ووقف الاستيطان، مقابل إما الحديث عن دولة فلسطينية منقوصة السيادة ومنزوعة السلاح أو رفضها كلياً.

كاتبة من الأردن