| 

اعترف الوزير وعضو الكنيست الإسرائيلي السابق يوسي بيلين الذي كان المهندس الرئيس لاتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، في سياق مقال جديد نشره في أواخر آب/ 2013 أن هذا الاتفاق، الذي جرى توقيعه قبل عشرين عاماً، تبنى إلى حدّ كبير مفهوم اليمين الإسرائيلي إزاء تسوية الصراع مع الفلسطينيين، وهو مفهوم «الخطوات الموقتة». وأشار إلى أن هذا المفهوم أوجده مناحيم بيغن في اتفاقيات «كامب ديفيد» (مع مصر) في سنة 1978، وتبناه يتسحاق شامير في مؤتمر مدريد في سنة 1991. وشدّد على أن الاتفاقات الموقتة لم تشكل حتى أوسلو جزءاً من رؤية «معسكر السلام الإسرائيلي»، وإنما كانت صيغة ولدت في كنف الزعامة اليمينية في إسرائيل، واضطُر «معسكر السلام» إلى القبول بها.
سبق لبيلين نفسه أن أشار إلى أن اتفاق أوسلو غيّر مجرى التاريخ في منطقة الشرق الأوسط برمتها، وأتاح إمكان عقد اتفاقية السلام مع الأردن، وأوجد عنوانًا جديدًا لتمثيل الشعب الفلسطيني (السلطة الفلسطينية)، وأدى إلى ازدهار اقتصادي غير مسبوق في إسرائيل، وحسّن صورة الدولة العبرية في نادي الأسرة الدولية، وفتح أمامها مجالاً كبيرا لإقامة علاقات دبلوماسية مع دول كثيرة بما فيها دول عربية، وأدى إلى نشوء خريطة سياسية- حزبية جديدة في إسرائيل (من أبرز مظاهرها تعزّز تيار الوسط)، غير أنه على الرغم من ذلك كله أخفق في تحقيق غاية إحراز سلام إسرائيلي- فلسطيني دائم.
لعل أهم ما تشي به أقوال بيلين كامن في حقيقة أخرى ليست غائبة عن الأذهان، هي أن اتفاق أوسلو لم يكن اتفاقية سلام إسرائيلية- فلسطينية على الإطلاق، وإنما مجرّد اتفاق مبادئ عامة تتعلق بهذا السلام الدائم، وذلك في إثر بدء أول مفاوضات غير مباشرة بين الجانبين استمرت أقل من سبعة أشهر (في إطار مفاوضات مؤتمر مدريد للسلام) من دون أن تسفر عن أي نتائج ملموسة، وتمثل الهدف الأساسي منه - على الأقل من وجهة نظر إسرائيل- في إجراء محادثات مباشرة من وراء الكواليس، كي يكون في إمكان عملية مدريد أن تستمر بعد أن وصلت إلى ما يشبه الطريق المسدودة. وهذا يعني، في أقل تعديل، أن إحراز السلام الدائم ظلّ رهن المحادثات، التي استمرت عقب أوسلو، والتي لا تزال حتى الآن عالقة وعاجزة عن تحقيق أي اختراق حقيقي.
مهما تكن هذه الظروف لا بُدّ من أن نشير إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية في ذلك الوقت، يتسحاق رابين، سعى إلى أن ينجز تفاهمات مع السوريين والفلسطينيين من شأنها أن تضمن تحييدهمـا في سياق المواجهة مع العراق وإيران، عبر الاستفادة القصوى من انهيار الاتحاد السوفياتي واستفراد الولايات المتحدة بزعامة الحلبة الدولية، ومن عزلة منظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات في ضوء تأييدهما نظام صدام حسين خلال حرب الخليج الأولى في سنة 1991. ومع ذلك، فإن المظاهر الاحتفالية التي رافقت توقيع اتفاق أوسلو في حدائق البيت الأبيض الأميركي كوّنت انطباعا وهميا قويا بأنه اتفاقية سلام، بينما لم يكن أكثر من خطوة أولى بسيطة للغاية على طريق التوصل إلى هكذا اتفاقية.
في واقع الأمر فإن وجهة النظر الإسرائيلية إزاء اتفاق أوسلو ومسارات العملية السياسية التي أطلقها كانت محكومة بفرضيات كثيرة ترتبط، أكثر من أي شيء آخر، بدفع المصالح الإسرائيلية الإقليمية والعالمية قدما. وقد بدأت ملامحها تتضح، رويدا رويدا، مع كل جولة مفاوضات بين الجانبين جرت في وقت لاحق، بدءا من مفاوضات القاهرة في إثر عملية أوسلو مباشرة، ومروراً بجولة المفاوضات التي عُقدت بين الحكومة الإسرائيلية السابقة برئاسة إيهود أولمرت (أنهت ولايتها في 31 آذار/ مارس 2009) وبين السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، والتي انطلقت في إثر مؤتمر أنابوليس المنعقد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2007 وتوقفت في أواخر سنة 2008 بالتزامن مع شنّ الحرب الإسرائيلية على غزة، وانتهاء بجولة المفاوضات الحالية التي ترعاها الولايات المتحدة. واستنادا إلى رصد عمودي لمختلف التصريحات والتحليلات الإسرائيلية المتعلقة بسيرورة المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية منذ اتفاق أوسلو، يبدو أن هناك فرضيتين هما في حكم الأبرز:
الفرضية الأولى، أن السلطة الفلسطينية، التي أصبحت العنوان الجديد لتمثيل الشعب العربي الفلسطيني في عُرف إسرائيل، ستعمل على تطبيق حق تقرير المصير لهذا الشعب بواسطة إقامة دولة فلسطينية فقط في المناطق التي احتلتها إسرائيل في حرب حزيران (يونيو) 1967، أي الضفة الغربية وقطاع غزة.
الفرضية الثانية، أن السلطة الفلسطينية ستتطلع إلى تلك الغاية في نطاق الاستعداد للتوصل إلى تسوية تاريخية، تشمل تسوية جغرافية، مع دولة إسرائيل والحركة الصهيونية، تضع حداً للصراع معهما.

المشكلة في «إرث» أوسلو ورابين

يعتقد كثيرون من الذين دفعوا نحو اتفاق أوسلو أن «الإرث» الباقي من هذا الاتفاق ومن السياسة التي انتهجها رابين حتى اغتياله في سنة 1995، هو ضرورة تقسيم الأرض وتخلي كل طرف عن مطالبه التاريخية بكامل فلسطين، والتي تشكل برأيهم السبب الجذري للصراع. ومع ذلك، فإن هذا لا يمنع من رؤية أن «إرث أوسلو» يشتمل على العناصر الأساسيّة التي يتكوّن منها الموقف الإسرائيليّ الراهن إزاء التسوية. ويمكن أن نبرهن ذلك من خلال استعادة أهمّ ما ورد في آخر خطاب ألقاه رابين في الكنيست في الخامس من تشرين الأوّل/ أكتوبر 1995، أي قبل شهر واحد من اغتياله، وتحدّث في سياقه عن رؤيته بشأن جوهر التسوية مع الفلسطينيّين، والتي ليس من قبيل المبالغة القول إنّها بقيت ترخي بظلالها على التطوّرات اللاحقة.
وممّا قاله رابين في ذلك الخطاب: «إنّنا نعتبر أنّ الحلّ الدائم (للصراع الإسرائيليّ - الفلسطينيّ) سيكون في إطار أراضي دولة إسرائيل التي ستشمل أغلبيّة مناطق أرض إسرائيل - كما كانت عليه الحال أيّام الانتداب البريطانيّ -، وسيُقام إلى جانبها كيان فلسطينيّ سيكون وطنا لمعظم السكّان الفلسطينيّين المقيمين في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة، ونريد أن يكون هذا الكيان أقلّ من دولة كي يصرّف على نحوٍ مستقلٍّ حياةَ الفلسطينيّين الذين يخضعون له... وستتجاوز حدود دولة إسرائيل لدى تطبيق الحلّ الدائم خطوط ما قبل حرب الأيّام الستّة، حيث إنّنا لن نعود إلى حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967... وسيجري تثبيت الحدود الأمنيّة للدفاع عن دولة إسرائيل في غور الأردنّ في أوسع معنى لهذا المفهوم». وأضاف رابين: «إنّ القدس ستكون موحَّدة بوصفها عاصمة إسرائيل وتحت سيادتها، لتشمل كذلك معاليه أدوميم وغفعات زئيف».
ليس من قبيل المصادفة أن رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية بنيامين نتنياهو يؤكد لدى مشاركته في مناسبات إحياء ذكرى اغتيال رابين، أن الشعب في إسرائيل موحّد حيال ضرورة التوصل إلى السلام لكن من دون أن يتنازل عن حقه في الحياة في البلد، وعن حقه في الدفاع عن أمنه وسلامته، فضلاً عن كونه موحّدًا حيال مطلب الحفاظ على القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل إلى الأبد. وفي الجلسة الخاصة التي عقدها الكنيست الإسرائيلي في هذه المناسبة في سنة 2010 اقتبس نتنياهو فقرات طويلة من آخر خطاب ألقاه رابين لإسناد ما أكده لاحقًا في كلمته فيما يتعلق بضرورة عدم تجميد أعمال البناء في المستوطنات، وضرورة أن تكون الدولة الفلسطينية العتيدة منزوعة السلاح وتعترف بإسرائيل كدولة الشعب اليهودي.
ما تقدّم يعني، وفق المنطق السليم، أنّ المؤسّسة السياسيّة الإسرائيليّة مستمرّة في تطبيق المدلول الحقيقيّ لـ «إرث أوسلو»، ولا سيّما تشديده على وجوب أن تكون أيّ تسوية للصراع مستندة أساساً إلى تلبية «حاجات إسرائيل الأمنيّة» بموجب مفهومها هي لهذه الحاجات، والذي يعتبرها مطاطة ولا يحدّد نهاية لها.