| 

لا شيء يبرر عقد اتفاق سيئ جدًا لم يحقق فيه الفلسطينيون سوى اعتراف إسرائيل بالمنظمة كممثل شرعي للشعب الفلسطيني من دون الاعتراف بالحقوق الفلسطينيّة، وموافقتها على عودة القيادة الفلسطينيّة وعدد كبير من كوادر وأعضاء منظمة التحرير إلى الأراضي المحتلة في العام 1967، وعلى إقامة «سلطة حكم ذاتي محدود» في الأراضي المحتلة في العام 1967.
في المقابل، قدّم الفلسطينيون تنازلاتٍ فادحةً كبرى: تبدأ بالاعتراف بإسرائيل على 78% من أرض فلسطين الانتدابيّة؛ والتعهد بوقف المقاومة لتحقيق الأهداف الوطنيّة، ونبذها، والتعهد بمحاربتها قبل أن تحقق أهدافها؛ واعتماد التفاوض الثنائي كأسلوب وحيد لحل الصراع؛ والالتزام بإقامة تنسيق أمني حوّل السلطة إلى «وكيل» عند الاحتلال؛ والالتزام بـ«اتفاقيّة باريس الاقتصاديّة» التي ربطت الاقتصاد الفلسطيني كليًّا بالاقتصاد الإسرائيلي.
تخلت القيادة الفلسطينيّة بتوقيعها على اتفاق أوسلو عن جوهر القضيّة الفلسطينيّة بوصفها قضيّة تحرر وطني، وعن الاحتكام إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، التي تضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينيّة، من خلال القبول بحل انتقالي، والتفاوض حول الحقوق الفلسطينيّة من دون التزام إسرائيل بأي شيء، بحيث كان التفاوض حولها وليس لتطبيقها بين طرفين غير متكافئين؛ ما جعل القضيّة الفلسطينيّة تبدو وكأنها صراع بين طرفين متساويين يسعيان لصنع السلام والاعتراف المتبادل والتعايش مع بعضهما.
إن هذا التعامل شوّه القضيّة الفلسطينيّة وأظهرها بأسوأ صورة، من خلال تقسيمها إلى قضايا، والاتفاق على حلها على مراحل انتقاليّة ونهائيّة، وتحييد العاملين العربي والدولي؛ ما أدى إلى الفصل ما بين القضيّة والأرض والشعب، فتحولت إلى قضيّة إقامة دولة فلسطينيّة على حدود 1967، بالرغم من أنها في الأساس قضيّة تشريد شعب وإقامة كيان استعماري بدلًا منه، كما أدى ذلك إلى تقسيم الشعب إلى «شعب» الضفة الغربية وقطاع غزة، وفيما بعد إلى «شعب» الضفة، و«شعب» القدس، و«شعب» غزة، و«شعب» فلسطيني 1948، و«شعب» الشتات، وإلى تقسيم الأرض، حتى في الضفة الغربيّة نفسها، إلى القدس، وبقيّة الضفة إلى (أ)، و(ب)، و(ج).

المنظمة ومبررات التوقيع على الاتفاق

كان وضع منظمة التحرير سيئًا بعد احتلال العراق للكويت وتدفيعها ثمن ما اعتبر انحيازها إلى العراق، وبعد انهيار التضامن العربي، وانهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومته الاشتراكيّة، التي كانت حليفة إستراتيجيّة موثوقة للفلسطينيين، فكانت المنظمة بحاجة إلى اتفاق بأي ثمن للبقاء، فقدمت التنازلات من أجل بقائها، ولكنها لم تدرك أن إسرائيل أيضًا كانت بحاجة إلى اتفاق حتى تتجنب الضغوط الأميركيّة والدوليّة التي كان يمكن أن تؤدي إلى فرض اتفاق غير مناسب لإسرائيل مقابل مشاركة العرب في الحرب ضد العراق، التي من دون مساهمتهم كان لا يمكن أن تحقق أهدافها.
كان من المفهوم أن تبدي المنظمة نظرًا لوضعها الصعب بعض المرونة حتى تمر العاصفة من دون أن تقتلعها، ولكن من دون أن تصل إلى عقد اتفاق مجحف بهذا القدر. اتفاق قيّد الفلسطينيين ولا يزال وأدى إلى نتائج كارثيّة.
أدّت التنازلات الفلسطينيّة في اتفاق أوسلو وملاحقه، التي فاقت التوقعات الإسرائيليّة، إلى سير إسرائيل نحو اليمين والتطرف بسرعة، فانقلبت على اتفاق أوسلو بدءًا من اغتيال رابين في تشرين الثاني 1995، وسقوط حزب العمل الذي وقّع الاتفاق، ونجاح اليمين بزعامة الليكود في العام 1996، ووضع بنيامين نتنياهو على رأس الحكومة الإسرائليّة، الذي كان يعلن جهارًا نهارًا بأن «إسقاط اتفاق أوسلو» هو النقطة المركزيّة على جدول أعماله، وهذا ما حصل، حيث تجاوزت حكومته والحكومات الإسرائيليّة اللاحقة لها الالتزامات الإسرائيليّة في اتفاق أوسلو من دون إعلان إلغائه رسميًّا، وذلك لضمان استمرار التزام الجانب الفلسطيني بالالتزامات الفلسطينيّة فيه، وهذا ما حصل بكل أسف!
لو لم تفضل القيادة الفلسطينيّة بقاءها والاعتراف بدورها على الاعتراف بالحقوق، ولو أصرّت على المطالبة بإزالة، أو على الأقل، تجميد الاستيطان كشرط لتوقيع أي اتفاق مع إسرائيل، كما كان يطالب الراحل حيدر عبد الشافي، رئيس الوفد المفاوض في مفاوضات مدريد واشنطن؛ لكان يمكن تحقيق اتفاق أقل سوءًا، أو عدم تحقيق أي اتفاق .. وهذا أفضل.

مسلسل التنازلات

ما سبق يقودنا إلى الإجابة عن السؤال الثالث: أين نحن الآن بعد عشرين عامًا على اتفاق أوسلو، هل نحن في وضع أحسن أم أسوأ، وهل كان حالنا سيكون أسوأ لو لم نوقع على هذا الاتفاق المشؤوم؟
تكفي الإشارة للدلالة على أننا نعيش في كارثة أسوأ مما كنا عليه قبل توقيع أوسلو إلى أن أكثر من 700 ألف مستوطن يعيشون الآن في الضفة الغربيّة، أي أنهم تضاعفوا ثلاثة أضعاف منذ ما قبل أوسلو وحتى الآن. كما تهمّشت القضيّة الفلسطينيّة من خلال ظهورها كقضيّة نزاع على الحدود، أو بين متطرفين ومعتدلين، وتعمّق التهميش عبر أخذ القيادة الفلسطينيّة بعد اغتيال ياسر عرفات نهجَ إزالة الذرائع الإسرائيليّة، من خلال الموافقة على تطبيق الالتزامات الفلسطينيّة في خارطة الطريق الدوليّة المقرّة في العام 2003 من جانب واحد، بالرغم من أنها تنص على تبادليّة تطبيق الالتزامات الإسرائيليّة والفلسطينيّة، وهذا أدخلنا في متاهة، بدا فيها من خلال الممارسة السياسيّة الفلسطينيّة وكأن الفلسطينيين هم الملامون على فشل «أوسلو» و«السلام»، لذلك تمت المطالبة والموافقة الفلسطينيّة على تغيير النظام السياسي باستحداث منصب «رئيس الحكومة» لإضعاف قيادة ياسر عرفات وتقليص صلاحياته، لأنه اعتُبِر عقبةً في وجه «السلام» وعاد إلى استخدام «الإرهاب» (أي المقاومة) لتحقيق أهدافه، ثم مضت القيادة الفلسطينيّة بعيدًا من خلال قبولها بالدخول في امتحان لا سقف زمنيًّا له، عليها فيه أن تثبت «جدارة» الفلسطينيين للحصول على دولة من خلال الوفاء بالتزاماتهم، خصوصًا التنسيق الأمني، ومحاربة «الإرهاب» عبر حرب لا هوادة فيها، و«وهم بناء المؤسسات» كطريق لإقامة دولة فلسطينيّة تحت الاحتلال.

المفاوضات و«البديل»

عندما يئست القيادة الفلسطينيّة من إمكان قيام دولة بالرغم من كل ما قدمته، لوّحت بعد وقوع الانقسام في العام 2007 وفشل المفاوضات الفلسطينيّة الإسرائيليّة في العام 2008 بالوحدة الوطنيّة والمقاومة الشعبيّة والتوجه إلى الأمم المتحدة، ونفّذت بعض الخطوات في هذا الاتجاه، مثل توقيع اتفاقات المصالحة من دون تطبيقها، واعتماد المقاومة الشعبيّة والمقاطعة، ولكن بشكل رمزي، والحصول على اعتراف دولي بدولة فلسطين كـ«دولة مراقبة»، ولكن من دون استكمال هذا الطريق بتوقيع الاتفاقات الدوليّة، والانضمام إلى الوكالات الدوليّة التي تمنح الفلسطينيين مزايا سياسيّة وقانونيّة وأخلاقيّة مهمّة.
لا يمكن تفسير ما سبق إلا في سياق قيام القيادة الفلسطينيّة بالتلويح بالوحدة والمقاومة الشعبيّة والتوجه الأممي كتكتيك يهدف إلى الضغط من أجل استئناف المفاوضات الثنائيّة برعاية أميركيّة، لأنها لا تؤمن بوجود خيار آخر غير المفاوضات الثنائيّة.
الدليل على ذلك؛ استئناف المفاوضات الثنائيّة من دون أسس ولا مرجعيّة ولا أوراق قوة، ومن دون التزامٍ حتى بالشروط التي رددتها القيادة الفلسطينيّة طوال سنوات، التي تضمنت ضرورة التزام إسرائيل سلفًا بإقامة دولة فلسطينيّة على حدود 1967، وتجميد الاستيطان حتى لا تُستخدم المفاوضات كغطاء لاستمرار العدوان والاستيطان. وجاء الاتفاق على إطلاق سراح الأسرى المعتقلين منذ ما قبل «أوسلو» على أربع مراحل مقابل ثمن باهظ، يشمل تجميد التوجه إلى الأمم المتحدة، ولا ينتهي بالمشاركة في المفاوضات بلا مرجعيّة.
إن استئناف المفاوضات هو إعادة إنتاج سيئة جدًا للمفاوضات من دون الاستفادة من العبر والدروس السابقة، ومن دون إدراك أن اعتماد الخيار الواحد يعني الإفلاس التام، وأن من لا يملك خيارات أخرى، ويستعد لبنائها إن لم تكن موجودة ولدفع ثمنها؛ سيكون عليه قبول ما يعرض عليه، أو بقاء الوضع الراهن المفضل للاحتلال إلى أجل غير مسمى.
يمكن ويجب اختيار خيار آخر مختلف كليًّا عن الخيارات التي جرّبت سابقًا، يقوم أساسًا على التركيز على جمع أوراق القوة والضغط الفلسطينيّة والعربيّة والدوليّة، ويستهدف تغيير موازين القوى، كما يمكن - في أضعف الإيمان - الجمع بين عدة خيارات في وقت واحد مثلما جاء في وثيقة الأسرى، مثل الجمع ما بين استئناف المفاوضات والوحدة والمقاومة واستكمال التوجه الأممي (بدلًا من التعهد بتجميده طوال المفاوضات)، مثلما تفعل إسرائيل، حيث إنها تجمع ما بين المفاوضات واستمرار العدوان والاستيطان الذي تصاعد بعد استئناف المفاوضات بمعدلات غير مسبوقة من دون أن يفعل المفاوض الفلسطيني شيئًا سوى رسائل الاحتجاج، ومن دون أن يجرؤ حتى على تعليق جلسة واحدة من جلسات المفاوضات.
إن السقف المطروح أمام المفاوضات يعني إما أنها ستبقى مفاوضات من أجل المفاوضات من دون اتفاق لا انتقالي ولا نهائي، وهذا أحد الخيارات المفضلة لإسرائيل؛ وإما انهيارها، ولكن من دون أن يعني ذلك بالضرورة اعتماد القيادة الفلسطينيّة خيارات أخرى، بل قد يعني وقف المفاوضات «فترة انتظار» أخرى، تتخللها مفاوضات «سريّة» دائمًا، و«علنيّة» أحيانًا، إلى أن تتوفر شروط استئناف المفاوضات مرة أخرى، وهذا أحد الخيارات المفضلة لإسرائيل، أو ستصل إلى اتفاق انتقالي جديد مغطى بإعلان مبادئ جديد، وهذا أيضًا من ضمن الخيارات المفضلة لإسرائيل.
إن أي اتفاق جديد في ظل «اللاءات» الإسرائيليّة المجمع عليها من الأحزاب الصهيونيّة الرئيسيّة في الحكم والمعارضة؛ لا يمكن أن يكون سوى اتفاق نهائي لتصفية القضيّة الفلسطينيّة حتى لو كان انتقاليًّا، ولو تمت تغطيته بـ«إعلان مبادئ» حول أسس ومرجعيّة الحل النهائي.

خيارات إسرائيل المفضّلة

إسرائيل بصورة عامة، والحكومة الإسرائيليّة الحاليّة بصورة خاصة، لن تقبلا بتوقيع أي اتفاق نهائي من دون الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل كـ«دولة للشعب اليهودي»، ولن تنسحبا إلى حدود الرابع من حزيران 1967، وأقصى ما يمكن أن تقوما به هو الانسحاب من بعض الأحياء العربيّة في القدس الشرقيّة، وستصران على الاحتفاظ باحتلال الأغوار مباشرة، أو من خلال صيغة تضمن بقاء سيطرة اسرائيل عليها لفترة طويلة قابلة للتجديد ولا تنتهي إلا بموافقة الطرفين؛ الأمر الذي يضمن استمرار السيطرة الإسرائيليّة عليها حتى إشعار آخر. أما قضيّة اللاجئين، فإسرائيل مُصرّة على تصفيتها. وعودة أي لاجئ مرفوضة، والعودة التي يجري الحديث عنها هي «عودة محدودة» إلى أراضي الدولة الفلسطينيّة.
بالنسبة للمستوطنات، تصر إسرائيل على ضمها، خصوصًا «الكتل الاستيطانيّة الكبرى» وحدود جدار الفصل العنصري، إلى جانب فرض ترتيبات أمنيّة تضمن بقاء أحواض المياه والمناطق الإستراتيجيّة والدينيّة والأثريّة تحت السيطرة الإسرائيليّة.
إن هذه المعطيات والحقائق تشير بشكل ساحق إلى عدم وجود إمكانيّة لإقامة دولة فلسطينيّة من دون قوة قادرة على إجبار إسرائيل على ذلك، وأن أقصى ما هو مطروح إسرائيليًّا وأميركيًّا إعادة إنتاج الحل الانتقالي بلمسات جديدة وبإدخال أطراف جديدة، مثل الأردن ومصر، وغيرهما.
إن استمرار الرهان على المفاوضات الثنائيّة وعلى الرعاية الأميركيّة الانفراديّة لها، بعد عقدين على توقيع اتفاق أوسلو، لم يعد مجرد خطأ وإنما جريمة كبرى، وكلما كان التراجع عنه أسرع كان أفضل من أجل شق طريق جديدة قادرة على تجاوز «أوسلوط والتزاماته السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة، وعلى تحقيق الأهداف الوطنيّة الفلسطينيّة.

* المدير العام للمركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية - مسارات، رام الله.