| 

بعد عشرين عاماً على توقيع اتفاق أوسلو، هل استطاعت منظمات العمل الأهلي الفلسطيني بصفتها جزءا من مكونات المجتمع المدني تحقيق أهدافها الرامية لتحقيق المجتمع المدني والديمقراطي المبنى على سيادة القانون والمحقق لأهداف الشعب الفلسطيني بالتحرر الوطني والسيادة عبر التخلص من الاحتلال؟
كي تتم الإجابة عن هذا السؤال من المهم معرفة سياق العمل الأهلي من حيث المنشأ والتطور وتشخيصه لطبيعة المرحلة والمبادئ والأفكار التي عمل على إنجازها، وكذلك بنيته الاجتماعية من حيث تماسكها ومدى اقترابها أو ابتعادها عن السلطة وعن الفئات الاجتماعية المهمشة والضعيفة، ومدة استقلاليتها عن الأجندة الخارجية، وبخاصة أجندة المانحين.
من المعروف أن المنظمات الأهلية الفلسطينية نشأت نتاجاً لفكرة العمل الطوعي والاجتماعي، ثم تمأسست أثناء الانتفاضة الشعبية الكبرى، وأخذت الطابع المتخصص، وأصبح جزء منها يعمل بالصحة والآخر بالزراعة والثالث بالتنمية والرابع في حقوق الإنسان ... إلخ.
لوحظ أن معظم المنظمات الأهلية الناشئة عن فكرة العمل الطوعي ولجانها المختلفة التي كانت منتشرة بالوطن منحدرة من أصول يسارية، لاسيما من حيث كادر موظفيها الرئيسي، وقد كانت تلك المنظمات تسمى قبل توقيع اتفاق أوسلو وتشكيل السلطة الفلسطينية «المؤسسات الوطنية»، حيث كانت تتعامل معها أحزاب اليسار كأدوات جماهيرية لها في فترة كان لا يزال العمل السري خلالها مطلوباً، حيث استمرار الاحتلال وعصاته الغليظة وإجراءاته القمعية بحق الفاعليات الوطنية، ومنها الأحزاب اليسارية التي كان لها دور مباشر في تحفيز الجماهير وتحريضها على مواجهة الاحتلال وهيئاته مثل «الإدارة المدنية»، وقد كانت ملاحقة من قبل أجهزة الاحتلال.
قرأ كثير من قادة العمل الأهلي المنحدرين من القوى اليسارية بعد توقيع اتفاق أوسلو، المرحلة الجديدة، أي بعد تأسيس السلطة عام 1994، بأنها مرحلة تتداخل فيها المهمات التحررية الوطنية بالمهمات الديمقراطية والاجتماعية. وإذا كان عملها يتركز في تعزيز مقومات الصمود قبل تأسيس السلطة، فقد أخذ منحى مختلفا بعد تأسيسها من خلال السعي للتأثير عبر تبني السياسات والتشريعات والقوانين، والعمل على حماية حقوق الإنسان من التعسف وضمان الحق بالنشر والتعبير والتجمع السلمي، وبخاصة بعد انتخاب المجلس التشريعي الأول في كانون الثاني/ يناير 2006، حيث ساد مناخ يفترض العمل باتجاه تعزيز مفاهيم المجتمع المدني المبنية على ترسيخ أسس سيادة القانون، وضمان الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وضمان الحريات العامة، وتفعيل آليات المساءلة والمحاسبة عبر محاربة الفساد وهدر المال العام، والعمل على تمكين الفئات الاجتماعية المهمشة، وضمان الحكم الرشيد وتعزيز الديمقراطية والمشاركة المجتمعية ... إلخ.

إنجازات ما بعد «أوسلو» وسلبياته

استطاعت المنظمات الأهلية التي تبنت تلك المفاهيم تحقيق بعد الإنجازات في هذا المجال، حيث استطاعت الانضواء في تجمع أثر نسبياً في بنية النظام السياسي مجسداً بشبكة المنظمات الأهلية التي تأسست بعد توقيع اتفاق أوسلو بهدف الحفاظ على استقلالية العمل الأهلي والسعي باتجاه تحقيق مبادئ الحرية والديموقراطية والتنمية المساندة لصالح الفقراء والمهمشين. وتمكنت الشبكة عبر آلية عملها المبنى على التنسيق والمرونة، وعبر التحالف مع منظمات حقوق الإنسان، من التصدي لمحكمة أمن الدولة ومقاومة الإجراءات التعسفية من قبل السلطة عبر ضمان الحق بالتجمع السلمي والرأي والتعبير، كما استطاعت وقف الحملة من قبل أجهزة السلطة على المنظمات الأهلية، عبر اعتماد قانون المنظمات الأهلية رقم 2000/1 الذي يحافظ على استقلالية المنظمات ويعطى الحق للسلطة بالرقابة، إلى جانب قدرة المنظمات الأهلية الحقوقية على السعي والمطالبة باتجاه تحقيق القضاء العادل والنزيه والمستقل ومحاسبة القائمين على هدر المال العام وضرورة وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب في تجاوز للثقافة الزبائنية المبنية على اعتماد أهل الثقة بدلاً من أهل الكفاءة.
على الرغم من المناخات التي أشاعتها المنظمات الأهلية، والتي اتسقت مع جهود العديد من القوى السياسية وبعض المثقفين، إلا ان تأثيراتها تبقى نسبية ومحدودة، حيث سادت في تلك الفترة عملية أدت إلى بروز نخبة من قبل بعض قادة العمل الأهلي تحققت لهم امتيازات ومكتسبات عديدة أبرزها الرواتب المميزة والتسهيلات المعيشية المختلفة والبدلات العديدة، وبخاصة البدلات عن السفر والتنقل، كما سادت بعض تلك المنظمات نزعة التعيين استنادا للولاءات الشخصية والعائلية. وقد نشأت في تلك الفترة (1994- 2004) عملية أدت إلى الانفصال التدريجي عن مصالح الفئات الاجتماعية المهمشة والضعيفة، باستثناء تقديم الخدمات لها، أو توثيق عملية الانتهاكات بحقها، في الوقت الذي ساد فيه انفصال تدريجي عن العلاقة مع الأحزاب السياسية التي انبثق قسم من تلك المنظمات من أحشائها، وتطور من خلال اسنادها له في فترة النشأة الأولى، حيث أصبحت معظم المنظمات الأهلية تبحث عن الاستقلالية السياسية وترفع شعارات المهنية والتخصص في ابتعاد مقصود عن الرسالة السياسية.
إذا كان هناك عدد من الإنجازات التي روجت لها المنظمات الأهلية، ومنها بعض المفاهيم الثقافية والفكرية مثل الحكم الصالح، الديموقراطية، المشاركة، البيئة الإنسانية، القضاء المستقل، المساءلة، المحاسبة، الفصل بين السلطات، احترام الحريات العامة .... إلخ، إلا أنها لم تنجح في تعزيز تلك الثقافة في الأوساط الشعبية، بسبب ابتعادها عن الحاضنة السياسية، وبيروقراطية ونخبوية البعض من قادتها ممن حققوا العديد من الامتيازات والمكتسبات، الأمر الذي أدى إلى ترسيخ علاقتها مع الأوساط الدولية، بما في ذلك مع المانحين، على حساب العلاقة مع المضطهدين والفقراء والمهمشين.

المنظمات الأهلية والأحزاب السياسية

هناك بعض المقاربات من بعض قيادات العمل الأهلي تؤكد على أهمية التميز عن دور الحزب السياسي الذي يسعى للوصول إلى السلطة، ويمتلك أدوات التأثير والتعبئة الشعبية القادرة على إحداث التغيير الاجتماعي والسياسي، باختلاف عن المنظمات الأهلية التي دورها يقتصر على الطابع المهني والتنموي والخدماتي وليس دور التعبئة الشعبية.
إذا كان صحيحاً أهمية تحديد الأدوار وعدم خلطها ما بين السياسي من جهة، والأهلي والحقوقي من جهة ثانية، فإن ذلك قد دفع الفريقين إلى زيادة الهوة بينهما بدلاً من إجراء حوارات تقود إلى ضرورة تعزيز التعاون والتنسيق بينهما، مع الأخذ بعين الاعتبار تجربة العلاقة بين حركة حماس ومنظماتها الخيرية والأهلية، والتي تم توظيفها في خدمة الحركة جماهيرياً، بينما في حالة الأحزاب اليسارية والليبرالية فقد ابتعدت المنظمات الأهلية عن العلاقة مع الأحزاب السياسية التي تقترب معها في الرؤية، علماً بأن الأحزاب نفسها ذات الطابع العلماني واليساري قد تراجع دورها الجماهيري، بما في ذلك علاقتها مع المنظمات الأهلية، بمعنى أن الأحزاب السياسية اليسارية والديمقراطية لم تنجح بلعب دور المعارضة الديمقراطية المستقلة عن البنية البيروقراطية للسلطة «الحكم»، بحيث تخلق تحالفاً واسعاً يعبر عن هذه المعارضة وتكون إحدى مكوناته المنظمات الأهلية، الأمر الذي خلق أزمة ثقة بين الفريقين «الحزب اليساري والمنظمة الأهلية».
إن الحديث عن المنظمات الأهلية التي انبثقت من الأحزاب اليسارية لا يلغى وجود العديد من المنظمات الأهلية والخيرية المرتبطة مع حركة حماس، والتي كانت أدوات جماهيرية لصالح الحركة، وبرز مدى تأثيرها في نتائج الانتخابات النيابية التي جرت في 2006، كما لا يلغى وجود العديد من المنظمات الأهلية التي أسستها السلطة في منتصف التسعينيات، لتكن امتداداً للسلطة التي تقودها حركة فتح، ومن أجل منافسة المنظمات الأهلية الأكثر بروزاً ورسوخاً، والتي نشأت من خلال القوى اليسارية، علماً بأن المنظمات الأهلية التابعة لحركة فتح أصبحت تتلقى تمويلاً في فترة محددة من السلطة، الأمر الذي أفقدها بعدها المستقل سياسياً ومالياً.
هناك من يرى أن اعتماد مفاهيم ومصطلحات جديدة للقائمين على المنظمات الأهلية، ومنها الفئات المهشمة بدلاً من الجماهير الكادحة، والضغط والتأثير بدلاً من التعبئة الشعبية، والتنمية البشرية بدلاً من العدالة الاجتماعية، والجندر بدلاً من حقوق النساء، والتغيير الاجتماعي بدلاً من الصراع الطبقي، والعديد من المصطلحات الأخرى، عبر عن تغير في الخطاب والثقافة من الطابع اليساري إلى الطابع الليبرالي، إذ ان الخطاب الأخير قد ساد في ضوء سيطرة مفاهيم العولمة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي يشير إلى تكيف العديد من المنظمات الأهلية مع ثقافة الليبرالية بدلاً من الثقافة اليسارية.
أعتقد أنه ليس من الخطأ تبني مفاهيم ذات طابع انساني عالمي إذا لم تفقد مضمونها، حيث أن الثقافة والمصطلحات هي نتاج للمقولات الفكرية العالمية، ولا يوجد مفاهيم ومصطلحات جامدة مغلفة بقوالب جامدة، وبالتالي فهي متحركة. وعليه لا غضاضة في تبنى بعض المفاهيم الإنسانية العالمية، كالديمقراطية وحقوق الإنسان والجندر والتنمية البشرية، شريطة الحفاظ على ذات المضمون الرامي إلى تحقيق المجتمع المدني والديموقراطي الحر والتحرر من الاحتلال، ولكن يكمن الخلل في إبقاء تلك المفاهيم حبيسة النخبة وغير متحولة إلى ثقافة مجتمعية تتبناها الفئات الفقيرة والمهمشة باتجاه يرمي إلى تمكينها وتحقيق مجتمع مبني على العدالة الاجتماعية ومفاهيم المواطنة المتساوية والمتكافئة القائمة على المساواة وعدم التمييز.

إحياء الخطاب الوطني التحرري

في الوقت الذي انشد فيه معظم المنظمات الأهلية إلى الأجندة الداخلية خلال الفترة بين 1994 و2004، وكانت تروج للمفاهيم الإنسانية العالمية، وتضغط باتجاه تبني سياسات وقوانين الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومصالح الفقراء، وتطالب بنظام سياسي مبني على مبدأ سيادة القانون، فإن العديد من هذه المنظمات بدأ لاحقا بإدراك أهمية إعادة تفعيل الخطاب التحرري والوطني بعد تراجع هذا الخطاب لصالح خطاب الحقوق المبني على العلاقة ما بين المواطن والسلطة التي كان يفترض تحولها إلى دولة مع انتهاء المرحلة الانتقالية المحددة بموجب اتفاق أوسلو في 4/5/1999.
تمت إعادة احياء الخطاب الوطني والتحرري بصورة أقوى من السابق بعد اتضاح طبيعة المخطط الاحتلالي الرامي إلى الإجهاز على فكرة الدولة المستقلة وتحويل الأراضي الفلسطينية إلى كانتونات ومعازل عبر تكثيف الاستيطان وبناء جدار الفصل العنصري وتهويد القدس وحصار قطاع غزة، الأمر الذي أبرز بما لا يدع مجالاً للشك أهمية إعلاء خطاب التحرر الوطني في مقاومة الاحتلال، وتعـــزز ذلــــك مــــن خلال دور المنظمات الحقوقية في فتوى لاهاي القانونية بخــــصوص عدم شرعية جدار الفصل العنصري في منتــــصف عـــام 2004، وكذلك في تقرير «غولدستون» حـــــول العـــــــدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة في نهاية عـــام 2008 وبداية عام 2009.
كما اندمجت المنظمات الأهلية في اطار حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على دولة الاحتلال «BDS». وقامت منظمات حقوق الإنسان بجهد مميز في ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية، واستمرت بجهدها الرامي لتحقيق التضامن مع الشعب الفلسطيني عبر استنهاض قوى التضامن الدولي في مواجهة الحصار المفروض على قطاع غزة، وفي مواجهة الاستيطان وجدار الفصل العنصري في الضفة الغربية.
إن إعادة التركيز على الخطاب الحقوقي من منظور وطني لم تلغ العمل على الأجندة الداخلية، حيث لعبت المنظمات الأهلية دوراً في تعديل قانون الانتخابات العامة، وذلك بخصوص المجلس التشريعي، والذي جرت بموجبه الانتخابات التشريعية الثانية عام 2006، إضافة إلى النجاح النسبي في تمثيل النساء والشباب رغم أنه لم يصل إلى المستوى المرجو.
كما استمرت المنظمات الأهلية بالضغط لحماية الحريات العامة وإنهاء الانقسام، حيث جرى تنظيم العديد من الفاعليات والأنشطة الخاصة بذلك، وإن لم تكن بالمستوى القادر على إحداث تأثير واختراق حقيقي، ولعبت دوراً مهماً في تسليط الضوء على الانتهاكات الناتجة عن الانقسام والتعدي على مبدأ سيادة القانون، الأمر الذي أدى إلى تقويض أسس الديمقراطية بما ترتب على ذلك من تقليص مساحة حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، وبما أثر بصورة كبيرة على مبدأ استقلالية العمل الأهلي والنقابي.
آن الأوان لاستخلاص الدروس والعبر من تجربة العمل الأهلي، لا سيما بعد عقدين من توقيع اتفاق أوسلو، وأهمها إعادة الاندماج مع مصالح وحقوق الفئات الاجتماعية المهمشة والضعيفة عبر الابتعاد عن النخبوية التي تقود إلى الانعزالية، كما من المهم إعادة تصويب العلاقة مع الأحزاب السياسية ذات البعد الديمقراطي، وأهمية الحفاظ على استقلالية العمل الأهلي، سواءً من تأثير السلطة أو المانحين، بحيث تقوم أجندة العمل الأهلي على قاعدة حقوقية وتنموية تستند إلى مصالح الفقراء والمهمشين، كما تستند إلى أهمية تحقيق الديمقراطية عبر السعي الجاد لإعادة بناء الحركة الوطنية والنظام السياسي الفلسطيني على قاعدة موحدة بعيداً عن الانقسام، ومبنية على المشاركة، بحيث يتم وضع السلطة في موقعها الطبيعي بصفتها إحدى أدوات المنظمة التي يتوجب إعادة بناء مؤسساتها، بما في ذلك اتحاداتها الشعبية، على أسس ديمقراطية، بحيث تصبح المنظمات الأهلية أداة أكثر جدية وحيوية في مجالات تعزيز الصمود والمقاومة والبناء، كما تستطيع أن تحقق الدمج الجدلي بين خطاب التحرر الوطني وخطاب الديموقراطية.

* منسق شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة