| 

كانت اولى بشائر نائب رئيس الوزراء الفلسطيني في الحكومة التي أُلِّفت في أوائل حزيران الماضي اعلانة ان حكومتة ستبدأ البحث عن مصادر الدعم المالي بعد ان بلغت ديون السلطة الفلسطينية الداخلية والخارجية 4.2 مليارات دولار. ورجح نائب الرئيس محمد مصطفى ان تتفاقم الازمة المالية للسلطة (العرب اليوم والقدس العربي، 12/6/2013). قد لا نستغرب اذا رفع رجل الشارع الفلسطيني حاجبية استغراباً واندهاشاً لهذا الرقم ولا سيما ان السلطة الفلسطينية تتقاضى المعونات الاجنبية وعائدات الضريبة وتوزعها على الجهاز المدني والعسكري في آخر الشهر. ومن الصعب الحديث عن بناء أو تطوير بنية تحتية خصوصاً ان الطرق التي تربط المدن والقرى الفلسطينية بعضها ببعض تقع في المنطقة «ج» وهي خارج السيطرة الامنية والمدنية الفلسطينية. وليس مسموحاً للسلطة ان تبني شبكة مياة أو شبكة صرف صحي أو غيرها من مكونات البنى التحتيه. والسؤال المشروع الذي يطلقة رجل الشارع الفلسطيني هو: أين ذهبت هذه البلايين كلها؟
شرح السيد نائب رئيس الوزراء الفلسطيني تفصيلات هذة المديونية بقولة ان 1.2 بليون دولار هي قروض من القطاع المصرفي، ومليار دولار ديون خارجيه، وهناك تعثر في السداد ما يفرض على السلطة غرامات تأخير بواقع 100 مليون دولار، ومليار دولار لصندوق التقاعد، وهناك مبالغ اخرى للقطاع الخاص. الاّ ان نائب الرئيس لم يشرح أين ذهبت هذة البلايين كلها، وما هي الجهات التي استثمرت فيها.
قد يكون من الصعب البحث والتفتيش عن المسارب التي ذهبت أو اهدرت فيها هذة البلايين ولا سيما في غياب مجلس تشريعي، وفي ظل شلل شبة تام في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية من اللجنة التنفيذية إلى المجلس المركزي إلى المجلس الوطني. حتى ان أجهزة حركة فتح التي كانت تعتبر المؤتمن على قضية الشعب الفلسطيني أصيبت هي الاخرى بالتشتت وفقدان الاتجاه. ومع ذلك، فان المراقب لا يعدم ادوات الاستنتاج وقراءة المعطيات وذلك على قاعدة «الله ما شافوه، لكن بالعقل عرفوه».
قبل مجي السلطة الفلسطينية على عربة اوسلو، لم تكن منظمة التحرير الفلسطينية مدينة لأحد، لا لجهات اجنبية ولا لمصارف وطنية. بل كانت في الواقع «دائنة» حيث فرضت ضرائب على الفلسطينيين العاملين في الدول العربية، وكانت «دائنة» لدول النفط التي كانت تقدم لها معونات مستمرة ودائمة وثابتة، هذا فضلاً عن التبرعات والزكاوات التي كانت تدفع لها أو مباشرة لمؤسساتها. الاّ انة مع توقيع اتفاقيات اوسلو، وإنشاء «السلطة الفلسطينية» بدأت مسيرة مختلفة وملتوية في الوقت ذاته بشأن عمليات تتعلق بالاموال المخصصة للسلطة. اصبحت اجراءات جباية الضريبة، والوصول إلى عائدات الجمارك التي تحصلها اسرائيل من المستوردين الفلسطينيين، وتخصيص وكالات بيع المحروقات والاسمنت والوكالات التجارية ذات مغازٍ سياسية، وبالضرورة اصبحت جزءاً من صفقات ملتوية لا تعرف الشفافية ولا تخضع لاجراءات علنية بل اصيبت جميعها بعوار الفساد. ويبدو ان مأسسة الفساد وتوطينه اصبحا ضرورة حياتية لتمرير اتفاقيات اوسلو بكل اعبائها وعيوبها. وأصبحت السلطة الجديدة مشغولة بما اطلقت علية بناء مؤسسات «الدولة» الفلسطينية، وهي مقولة مضللة استخدمت لدغدغة مشاعر الناس، وحل هذا الشعار محل الشعار الوطني الذي التفت حوله الجماهير الفلسطينية وهو «تحرير الارض من الاحتلال.» وكلما شعرت قيادة السلطة بأنها تغوص في أوحال اوسلو، ارتفع صوتها بأن «الدولة الفلسطينية» اصبحت قاب قوسين. حيث سارعت إلى القيام بأعمال الديكور اللازمة، فقد أصبح لها «رئيس دولة» ونشيد وطني وبساط احمر وشركة طيران، ومطار ورقم اتصالات دولي وعلم فلسطيني ومكاتب تمثيل لدول اجنبية في رام الله، واوراق اعتماد قناصل وسفراء، وفوق ذلك كله، بدأ جهاز مدني «للدولة الجديدة» يتضخم بشكل اثار الاستهجان والسخرية، وأصبح هذا الجهاز اكبر عبء على كاهل «الدولة الوليدة»، وفي الوقت نفسه، اصبح هذا الجهاز هو القاعدة الشعبية الداعمة لسياسات السلطة وخطاياها، بل اصبح عائقاً في طريق القضايا الوطنية. ومع مرور الوقت اصبح هذا الجهاز هو «الغول» الذي لا يشبع وتزداد شهيتة لالتهام كل اخضر ويابس، وانتهت الحال إلى ان اضطرت القيادة للاستدانة لاشباع هذا «الغول» أو لاسكاته وشراء صمته على ما يجري. ربما قليل من الناس يعلمون ان هذه السلطة الصغيرة تملك ثلاثة عشر جهاز مخابرات بأسماء وانواع مختلفة، وأصبح لكل خمسين فلسطيني في الاراضي المحتلة رجل مخابرات يراقبهم، وهي اعلى نسبة في العالم. وبدأت العناصر القيادية في هذا الجهاز الضخم الدفاع عن سياسات السلطة حفاظاً على امتيازاته، واصبح هناك سباق على المكتسبات، وظهرت ملامح الثراء النفطي على طبقة جديدة من الثوار (سابقاً) والتي ما زالت تتضخم. وباختصار، تمّ اختصار السلطة إلى صندوق تقاعد للثوار سابقاً. وقال النائب السابق في المجلس التشريعي والعضو البارز في حركة فتح، المناضل حسام خضر، انة توجد الآن «مافيا متنفذة تحكم الواقع السياسي والاقتصادي والمالي الفلسطيني لا تريد اي صوت ان يكشف حقيقتها...» (القدس العربي، 3/7/2013).
يروي مصطفى احمد بن حليم، رئيس وزراء ليبيا الاسبق، في مذكراتة الجديرة بالقراءة (دار رمال، نيقوسيا، 2011) ان احمد بن بيلا ظل يصرّ على السكن في شقتة الواقعة في الدور السادس من عمارة يسكنها ضباط جزائريون من رتب متوسطة حتى بعد انتخابه رئيساً للجمهورية الوليدة. ونصحه بن حليم بضرورة تغيير سكنه فردّ علية بن بيلا بأنة يشعر ان الجزائر في حاجة لكل دينار لاعادة البناء والتعمير وهو لا يسمح لنفسة الاّ بالقدر الضروري من الانفاق. هذا الزهد اصبح مفقوداً في اوساط القيادات المستحدثة التي افرزتها عملية اوسلو على نحو خاص، واصبح من الضروري الاقتراض لتمويل هذه الطبقة الطفيلية. لقد شرح الصحافي الفرنسي بنويت فوكون درجة التهتك المالي والطفيلي الفلسطيني في كتابه الصادر في سنة 2010 والذي اختار له عنواناً ذكياً يحتمل التأويل هو «الضفّاويون» (نسبة إلى الضفة الغربية) اما بالانكليزية فهو اكثر ايحاءاً، (West Bankers) ويمكن ترجمتة إلى عنوان اسمه «رجال البنوك الضفاويون» حيث أسهب في وصف عناصر الفساد والافساد وآثار ذلك في تدهور منظمة التحرير الفلسطينية، والتي اطلق عليها المؤلف اسم «شركة منظمة التحرير الفلسطينية» تأكيداً على ان المنظمة تحوّلت من منظمة ثورية تجسّد أحلام الشعب الفلسطيني وعواطفه ومقاصده إلى شركة تجارية مشغولة بالصفقات المالية والاستثمار في مشاريع الدجاج ومزارع الموز.
ان الحملة التي تسوّقها القيادة الفلسطينية عن أنها تسعى لاقامة دولة فلسطينية على حدود العام 1967، هي حملة لا تقوم على اساس سليم، ولا تستند إلى منهج ثابت لأنها حين فاوضت على اتفاقيات اوسلو لم تطرح فكرة الدولة في اثناء مفاوضاتها. ولم يرد في مذكرات الرئيس محمود عباس والأخ احمد قريع وما رواه المناضل ممدوح نوفل عن مسار اوسلو في كتبه أي اشارة إلى ان فكرة الدولة الفلسطينية كانت مطروحة للمناقشة، أو ان مسار اوسلو سوف يؤدي إلى اقامة دولة فلسطينية. ولم ترد أي إشارة في كافة الاتفاقيات إلى «الدولة» أكان ذلك على حدود العام 1967 أو خلافها. بل ان يتسحاق رابين كان واضحاً وصريحاً وعلنياً حين قدم «اعلان المبادئ» إلى الكنيست؛ وقال إن الفلسطينيين سيحصلون على أقل من دولة بموجب هذا الاعلان، الاّ انه اكد في مناسبات أخرى وعلى نحو علني انة لن تكون هناك دولة فلسطينية. ومع ذلك، تصرّ القيادة الفلسطينية على ان الدولة قادمة على الرغم من جميع عمليات الاستيطان الصهيوني. وقد ناضلت القيادة للحصول لفلسطين على وضع «دولة» غير عضو في الامم المتحدة. لكنها ترددت، وما زالت تتردد في الاستفادة من هذا الوضع الجديد، وكأنها مصابة بحرج شديد من اعلان فلسطين دولة، اذ لا تدري ماذا ستعمل بهذا الوضع الجديد.
هكذا اصبح لدى الفلسطينيين «دولة» غير عضو في المنظمة الدولية، الاّ انها «دولة» تتمتع بجميع مواصفات التخلف التي تلحق بدول العالم الثالث عشر، فهي موجودة على الورق فقط، مترهلة بجهاز وظيفي متغوّل ومحبط لجميع امكانيات النهوض والتطور، تقودها سلطة مصابة بفساد كبير وتسكن في قصور بحدائق غنّاء وسط أكوام من الفقر والقهر والاحتلال، وقيادة لا تدري كيف تساير المستر كيري وتسترضي الباب العالي في واشنطن، وفوق ذلك، مدينة، حتى تاريخه، بأكثر من اربعة بلايين دولار ولا أحد يعرف إلى أين ذهبت.

*عضو نقابة المحامين الاردنيين.