| 

ما زلنا نسمع بين حين وآخر من يقول إن الفلسطينيين باعوا بلادهم. وهذا غير صحيح. وهو ولا شك جزء من الأباطيل التي بثتها الأبواق الصهيونية العالمية لسنوات طويلة، ولا زال بعض الجهلة يرددونه بلا تبصر. لقد حاولت الوكالة اليهودية شراء ما استطاعت من أرض فلسطين، وبذلت في سبيل ذلك جهداً جباراً، وكانت النتيجة أن ما اشترته حتى سنة 1947، على امتداد نحو نصف قرن من الزمن، لا يتجاوز 3,5 في المئة من مساحة فلسطين. وهذا ما جعل يوسف فايتس، مدير دائرة الأراضي في تلك الوكالة، يقول إن من غير الممكن إقامة دولة لليهود بشراء الأرض من الفلسطينيين، ولا بد من اتخاذ إجراءات لترحيلهم.
هناك افتراء ثان ما زال يتردد على ألسنة الناس، وهو ان الفلسطينيين تركوا بلادهم، بمعنى تخلوا عنها. وهذا غير صحيح أيضا. وهذا الكلام مشاركة مجانية وغير واعية في حملات التضليل الصهيونية التي تقول إن الفلسطينيين غادروا بلادهم استجابة لأوامر وصلت إليهم من زعمائهم. لقد خُدع الفلسطينيون في تلك الفترة بشائعات لم يكن أحد يعرف مصدرها تقول إن الجيوش العربية سوف تدخل فلسطين لطرد العصابات الصهيونية المسلحة ولا يجوز أن يبقى الأطفال والشيوخ والنساء في أرض المعركة، بل إن من الضروري إخراجهم لبضعة أيام فقط. ومع ذلك، بقي الفلسطينيون في معظمهم في أرضهم، إلى أن ابتكر الصهيونيون اسلوباً دفع الناس دفعاً إلى خارج البلاد، أي المجازر، وكشاهد عيان من قرية الزيب يمكنني ان أصف المشهد في تلك الفترة على النحو التالي:
«أخبار راعبة. مجازر ترتكبها عصابات يهودية مسلحة ضد السكان الآمنين من أهل البلاد، أشدها رعباً كانت مجزرة دير ياسين. اقتحموا المنازل وأطلقوا النار على الناس، الكبار منهم والصغار... وبقروا بطون الحوامل من النساء!
المدرسة الرسمية في القرية أغلقت أبوابها، فاقتنع من كان يخامره الشك في صحة تلك الأخبار الراعبة والجميع راحوا يستعدون لمواجهة الخطر الداهم.
في هذا الجو المشحون بشتى ألوان المشاعر، ظهرت على الشجعان من الرجال شجاعتهم، ونطقت وجوههم بمعاني العزة والإباء. كما ظهرت من بين النساء من هي أخت الرجال. تقول لزوجها كن في غيابك مطمئناً علينا. والله لا يمس يهودي شعرة مني ولا من الأولاد. والله لو اقترب وكان معه مدفع وليس بندقية، لمزقته بأسناني قبل أن يصل إلينا.
كان وجود السلاح نادراً وغالي الثمن، وثمة من أهل قريتي من باع حلي زوجته، ومنهم من باع بقرة واشترى قطعة سلاح. وقد سافر سبعة من رجال القرية إلى بيروت لشراء ما يتيسر لهم من سلاح.. وفي غضون أيام اشتروا ما استطاعوا دفع ثمنه، ثم انطلقوا به عبر الحقول والجبال إلى القرية.
أقام أهل القرية المتاريس على سطوح منازلهم الواقعة عند أطراف القرية خاصة، وكانت هذه المتاريس بدائية: عدد من أكياس العدس والبصل الفارغة التي ملئت بالرمل ووزعت على شكل نصف دائرة. وكان يتناوب على الحراسة في هذه المتاريس اثنان في القسم الأول من الليل واثنان في القسم الثاني.
لم يتلق أحد في القرية تدريباً عسكرياً. بعضهم درّب البعض الآخر على استعمال السلاح، أما قواعد الدفاع وصدّ الهجوم فلم يسمع بها أحد منهم. كانت أسلحتهم بنادق فرنسية وإنكليزية فردية الطلقات، وكان عدد البنادق الرشاشة قليلاً. السماء ملبدة بالغيوم.. البرد قارس... جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي في طريقه إلى فلسطين.. الجيوش العربية تستعد لدخول فلسطين.. ارتاح أهل القرية.. شعروا بشيء من الدفء.
غير أن كلاماً كدراً ما لبث ان ورد إليهم: غادروا البلاد لأيام قليلة من أجل سلامة الأطفال والنساء.. لا يجوز أن يبقى هؤلاء في أرض المعركة المنتظرة.
انتظروا دخول الجيوش العربية لنصرتهم، لكن هذه النجدة لم تصل إليهم. والعين لا تقاوم المخرز.. كلام على هجوم وشيك على القرية.. ألوف من اليهود المسلحين سوف يطبقون عليها بكل ما لديهم من مدافع وسيارات مصفحة ورشاشات.. غادرها من كان بقي فيها من النساء والأطفال.. وقع هذا الهجوم الكاسح والمرتقب عند الفجر. ودخلت الزيب في مرحلة جديدة من تاريخها».

* كاتب فلسطيني مقيم في لبنان.