| 

أبي، فاروق غندور، هو ابن خالة غسان كنفاني. لم يرتبطا فقط بالدم والنشأة والطفولة والصبا بل ارتبطا أيضاً بالأدب والشعر والزراعة.
بعد هجرة 1948 سكنت أسرة والدي في لبنان بينما حطت أسرة غسان في سوريا. كان لزاماً علينا دائماً، ونحن صغار، أن نذهب مرات عدة إلى دمشق لزيارة خالة والدي. كانت زيارات نشعر فيها بإلفة تفوق القرابة. لا أعي كثيراً تفاصيل تلك الزيارات ولكن وقعها كان أشبه بالقيام بمهمة على قدر كبير من الأهمية تحيطها هالة فرح العيد.
ومع بعد المسافات، كان غسان حاضراً دائماً في منزلنا. يحدثنا أبي عن عزيمته وشاعريته وذكائه وفنه ودماثته وبداهته.
كان يا ما كان، من زمان، في أنصاف القرن العشرين حوالى أوائل الخمسينيات، أسرة تهجرت من فلسطين وسكنت في الشام. كانت أسرة مقدرة. الأب محام مشهور والأم ست بيت درجة أولى. وكان لهذين الوالدين ابنتان وخمسة صبيان، فايزة، سهى، غازي، غسان، مروان، عدنان نعمان. سكنت العائلة منزلاً في أحد أحياء الشام. ولما كان الوالد محامياً كان عليه ان يحصل على إذن يؤهله ممارسة المهنة في سوريا. وقعت الأسرة تحت ضغط معيشي وكي لا يصلوا إلى الحضيض قرر غازي وغسان ان يعملا. كلاهما متعلم للمرحلة المتوسطة ويتقن الانكليزية.
توجه غازي وغسان يتأبطان آلة كاتبة صغيرة و«طبلية» إلى أدراج محكمة دمشق. حطا «الطبلية» وجلسا عليها متقاربين وعلى حضن أحدهما الآلة الكاتبة. دقت الساعة الثامنة صباحاً وبدأ الناس بالتوافد إلى المحكمة لعرض قضاياهم وتخليص شؤونهم.
لم يكن للعلم نصيب وافر في تلك الأيام. كانت الأمية شائعة شيوع مصائب الناس في جميع الأزمان.
انتظر غازي وغسان الزبائن. كانوا كثراً. منهم من يريد كتابة رسالة تشرح حاله، ومنهم من يريد إرسال بطاقة إلى ولده في المهجر، ومنهم من يريد ترجمة قضية إلى الانكليزية. عمل الفتيان طوال النهار وتقاضيا خمسة قروش عن كل قضية.
في أحد الأيام وقف أمامهما رجل مهندم. يريد إرسال رسالة إلى بلد أجنبي وبحاجة إلى ترجمة للعنوان. وقد بحث هذا الرجل طويلاً عن شخص يُتم له هذه المهمة قبل ان تقف قدماه أمام الصبيين اليافعين اللذين يتأبطان عملهما. بدقائق قليلة ترجم الولدان العنوان وسلماه للرجل. كانت فرحة الرجل أكبر من أن تسعه. حضن العنوان وناول هذين الملاكين 10 قروش إضافية.
فرحين بثروتهما التي هبطت عليهما في أول النهار، حمل غازي الآلة الكاتبة وغسان «الطبلية» وعادا مسرعين لاقتطاف لحظات من طفولتهما.
بعد انتقال غسان إلى لبنان، وأثناء سكنه في الحازمية، أصبحت زيارات أبي له حجاً يومياً. وغالباً ما كنا نصادف هناك صحافيين وكتّاباً وشعراء ومثقفين. في مرات ليست بقليلة، يتفق الجمع على ممارسة لعبتهم المفضلة. يبدأ أحد الأشخاص بحرف وعلى الثاني أن يلقي بيتاً شعرياً يبدأ بهذا الحرف. ينتهي البيت بحرف فيستلم الذي يليه وينشد بيتاً يبدأ بآخر حرف من بيت الشعر المنشد. بيوت شعرية جاهلية وأموية وعباسية وحديثة. أجلسُ خرساء في تلك الأمسيات. أشهد المعجزات تمر مسرعة أمامي. وكان غسان وأحياناً أبي من آخر المنشدين.
لم يكن الأدب والشعر والصحافة هواية أبي وغسان فقط، فقد مالا إلى الزراعة. كان لنا منزل صيفي بحديقة صغيرة مليئة بأزهار متنوعة الألوان. وكان لغسان من الجهة الخلفية لبيته أرض صغيرة. هناك صورة لغسان تظهره وهو يزرع في هذه الأرض الصغيرة، وهذا ما بقي من ذاكرتي أيضاً. غسان يتلو شعراً أو غسان يزرع أرضاً. ينحني بقامته ويرعى الأرض باهتمام زرع الأحرف على الأوراق.
عندما استشهد غسان كنتُ في الرابعة عشرة. ومن صدمة الحدث ولدت الخرافة. خرافة أن غسان قد مات!
لم يُسمح لي بالذهاب مع والدي إلى المكان الأسطوري الذي تبعثرت فيه كلمات غسان. لزمت البيت منتظرة عودة أبي مساءً. كانت المرة الأولى التي أرى فيها دمع أبي، دمعاً محرقاً كدموع روايات فلسطين.
عندما مات غسان فقد أبي مصيراً كبيراً. فقد الحبيب والشقيق والأديب والراوي والمزارع والعودة!
هذا ما شعرت به. لكني كنت مخطئة. فغسان أبي لم يمت ولن يموت. بكى مرارة على فقدان الجسد والروح واحتضن منصهرا صور غسان وشخصه وأدبه وفكره، وسار بصمت يزرع غسان أينما حطت يداه.
جمع الصور والروايات والقصص والدعابات والرسومات وحفظها في خزانة مقدسة. خزانة أصبحت كنزا لا يمس. لا نجرؤ على لمسها أو فتح احد أبوابها لنختلس. خزانة متوسطة الحجم أودعت ركناً في غرفة نوم والدي، ركناً مواجهاً سرير أبي، تصبّحه وتمسّيه، تشرق عليه أملا بضرورة المضي للنهاية.
هذه الخزانة المتواضعة كانت خزانة ثيابي وأنا طفلة. متوسطة الارتفاع، تحوي قضيباً حديدياً لتعليق الثياب ورفوفاً. كانت أشبه بخزانة دمى. لم تخلُ ألعابنا «بيت بيوت» من استعمالها كمنزل نتجمع فيه صغاراً نفبرك الـ«قال» و«الآن».
عندما انتقل غسان إلى خزانتي تنفست الصعداء. أخيراً أصبح غسان جزءاً مني بعد أن كان يخص أبي فقط. أخيراً التحم غسان بالمكان الذي احتوى طفولتي.
وهكذا انتقل غسان إلى العيش معنا. عايشنا في كل لحظة من حياتنا. في كسوتنا وقوتنا ونجاحنا وفشلنا. يروي أبي لنا وكلنا آذان. أبي يقرأ ونحن نستمع. أبي يروي ونحن نتخيل. أبي يتذكر ونحن نصف المشاهد. وغسان هنا وهناك وفيما بعد وقبل والحين. لا أحد مثل غسان. لا أحد يضاهي غسان. ولن يأتي غير غسان.
هذا أبي. وهكذا صرنا نحن. أقر أننا في بعض الأحيان ضقنا ذرعاً من القصص ومن فيض غسان. لكن حب غسان أصبح أبدياً فينا وذكراه يومية. أنا لا «استشعر» هنا بل أقول الحقيقة. نحن نذكر اسم غسان يومياً منذ استشهاده. وليس هذا من خلال المؤسسة التي كان والدي من مؤسسيها «مؤسسة غسان كنفاني الثقافية»، بل لأن هذا الإنسان الأبدي سكن عظامنا وشراييننا وسطر أجسادنا وأصبح لنا لازمة.
رأس والدي «مؤسسة غسان كنفاني الثقافية» منذ نشأتها، كما أعاد تنقيح جميع روايات غسان وقصصه ومسرحياته. جمع مقالاته الأدبية والسياسية والاجتماعية وأصدرها في كتب جديدة. أعاد طباعة هذا الكنز الفلسطيني والعربي والعالمي عشرات المرات.
هذا الرجل الخفي الذي لم يكف عن زرع الثقة في نفس ابنته المصابة بالشلل ليلا ونهاراً لسنوات طويلة، هذا الرجل لن يكف أيضاً عن زرع غسان في كل طفل يؤم المؤسسة وفي نفس كل قارئ ومحدث وصحافي أينما وجد وفي كل قضية.
فاروق غندور، الملاك الحارس لغسان كنفاني. هذا كان لقب والدي خلال حياة غسان ولم يخنه بعد الممات!