| 

التحولات التي تقوم بها سلطة الاحتلال على الأرض، والتحولات في داخل المجتمع، وعلاقات التبعية الاقتصادية المفروضة، وجشع «النيو ليبرالية» الخارجية والداخلية؛ هذا كله يعصف بالمجتمع الفلسطيني ويضيق الخناق على السواد الأعظم من مكوناته، وبخاصة الفئات الشابة التي قذف في وجهها تحديات كبيرة محفزة على المشاركة في تقرير المصير وفي حل المشكلات والأزمات.
تقوم دولة الاحتلال بتسريع وتيرة سرقة الأرض والبناء الاستيطاني في مسعى محموم لحسم السيطرة الكاملة وفرض نظام فصل عنصري (أبارتهايد). وكان من نتيجة ذلك تشريد وتهميش أجيال وفئات جديدة، وبخاصة في مدينة القدس ومحيطها والبلدة القديمة من مدينة الخليل ومنطقة الأغوار، ووضعتهم في حالة من اللااستقرار والضياع. وتتعرض منطقة النقب في أراضي 1948 لتطهير عرقي جديد تحت مسمى «مخطط برافر» التهجيري الذي صادقت عليه الكنيست في حزيران الماضي، ويهدف إلى مصادرة 800 ألف دونم من أراضي النقب، وتهجير 50 ألف فلسطيني، وهدم 40 قرية غير معترف بها.
إزاء هذه التحديات، ابتدعت مجموعات وحركات شبابية ولجان الدفاع عن الأرض ومناهضة الاستيطان والجدار أشكالا جديدة وغير نمطية من المقاومة فاجأت المحتلين، وذلك حين قام الشباب ببناء قرى رمزية في الأراضي المعرضة للمصادرة والنهب. فقد تم بناء قرى «باب الشمس» و«أحفاد يونس» و«الكرامة» في محيط مدينة القدس على الأراضي المصادرة، وقرية «المناطير» على أراضي قرية بورين المهددة بالمصادرة في محيط مدينة نابلس، وقرية «باب القمر» في يطا بمحافظة الخليل. وقد مكّن بناء القرى الرمزية الشبان والمقاومة الشعبية من انتزاع زمام المبادرة وتحقيق تفوق معنوي أجج حماسة الشبان، وأدى إلى نشر هذا النوع من المبادرة، وإلى انخراط أعداد كبيرة من الشبان والشابات في مقاومة الاستيطان الزاحف. مقابل ذلك، قدم هذا النموذج دولة الاحتلال بوجه أكثر قبحا وهي تزيل القرى الرمزية وتمارس التطهير العرقي.
صدام الشباب مع قوات الاحتلال أصبح أكثر احتداما، فقد فوجئت مجموعة المستعربين الإسرائيلية (قوات خاصة) مؤخرا بتصدي عشرات الشبان لمحاولتها اعتقال أحد الأسرى المحررين من داخل مخيم قلنديا قرب رام الله، ما دفعها إلى الاستنجاد بقوة من جيش الاحتلال قامت باقتحام المخيم لانقاذها، وأطلقت النار بغزارة على مئات الشبان الذين تصدوا لها، وكانت النتيجة استشهاد ثلاثة شبان وإصابة 19 شابا بجروح. كما لوحظت ظاهرة افتراق الشباب عن مسيرات الاحتجاج التقليدية داخل المدن، وتوجههم إلى مواقع قوات الاحتلال قرب معسكر «عوفر» في منطقة رام الله، وبوابة الفصل العنصري في قلنديا، وحواجز قوات الاحتلال داخل مدينة الخليل، وقرب قبر يوسف في مدينة نابلس. وفي الآونة الأخيرة، شهدت الأراضي الفلسطينية حادثتي قتل جنديين إسرائيليين في الخليل وقرب قلقيلية، وحادثة طعن مستوطنة داخل «مستوطنة بسغوت» في مدينة البيرة.
حالة الصدام والاشتباك مع سلطات الاحتلال ارتبطت أيضا بمقاومة سياسية، كإفشال زيارة شاؤول موفاز، الذي قاد عملية احتلال مدن الضفة عام 2002، لمدينة رام الله، والاحتجاج على زيارات وفود إسرائيلية أخرى، ومؤخرا الاحتجاج على تعزية رئيس السلطة بوفاة رجل الدين الإسرائيلي العنصري «عوفاديا يوسف». وسبق أن أفشلت حركة «شباب بنحب البلد» عددا من لقاءات التطبيع بين فلسطينيين وإسرائيليين في مدينة القدس وبيت جالا.
الموقف الشبابي من دولة الاحتلال يتجذر من زاوية رفض العملية السياسية والمفاوضات التي تستخدم لتعميق الاحتلال للأرض الفلسطينية، ولتكريس نظام الفصل العنصري (الابارتهايد). وقد شهدت مدن الضفة والقطاع ومناطق 48 احتجاجات شبابية وجماهيرية ضد المفاوضات وضد تراجع القيادة الفلسطينية عن شروط استئنافها.
في مواجهة مخطط التطهير العرقي في النقب، أسهمت المجموعات الشبابية بفعالية في الاحتجاجات المناهضة لهذا المخطط، وأظهرت جرأة لافتة في إعادة بناء قرية العراقيب التي هدمت 55 مرة وأعيد بناؤها بعد كل عملية هدم. وتساهم الشابات والمنظمات النسوية جنبا إلى جنب مع الحركات الشبابية في معركة الدفاع عن أبناء النقب وحقوقهم المشروعة في الأرض والإقامة. فكان عنوان إحدى الفعاليات «جبارات في وجه الجرافات». ويلاحظ أن معركة الدفاع عن مواطني النقب الذين يتعرضون للتطهير العرقي والتمييز العنصري حَفَّزَت الشبان والشابات على الارتقاء بدورهم تنظيميا وسياسيا ونضاليا.


حركات شبابية ضد القمع والفساد


طرح الحراك الشبابي الفلسطيني في السنوات الأخيرة قضايا فلسطينية شائكة، وحاول البحث عن طرائق جديدة للتعاطي معها. فكان التفاعل الشبابي مع قضية «أسرى الحرية» ملحوظا في كل الأماكن. وفي هذا السياق، أطلق الشبان والشابات صفحات ومجموعات عدة على شبكة التواصل الاجتماعي «فيسبوك» منها: «جائعون للحرية»، و«شباب من أجل الأسرى»، و«الحراك الشبابي للأسرى المحررين». وأقامت المجموعات الشبابية خيام الاعتصام التي دشنت حوارا مفتوحا مع المواطنين، ونظمت إضرابات رمزية عن الطعام تضامنا مع الأسرى. وطرح الحراك الشبابي قضية الانقسام الفلسطيني على بساط البحث، ورأى فيها خطرا يهدد وحدة الشعب والوطن، وحولها إلى قضية رأي عام متفاعلة وضاغطة على المستوى السياسي في المراكز المختلفة. وجاء التطور الأهم في صيغة ربط الوحدة الوطنية وتجاوز الانقسام بإعادة بناء مؤسسات السلطة والمنظمة على أسس ديمقراطية. إن المفاهيم المتداولة بين المجموعات الشبابية حول استعادة الوحدة تجاوزت مفهوم «الصفقة» بين التنظيمين الكبيرين، ونظام «الكوتا» والمحاصصة المعتمد منذ عقود، والذي عفا عليه الزمن بعد أن تحول إلى عنصر مكبل لعمل مؤسسات المنظمة.
«يا فلسطيني قاوم... يا فلسطيني تمرد»، مجموعة تعرف نفسها على «الفيسبوك» بأنها «تؤمن بأن الإرادة الشعبية يجب أن تفرض نفسها على كل القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية». هذه المجموعة تضم شبانا وشابات وناطقين إعلاميين من الضفة والقطاع وأراضي 1948 والأردن ولبنان ومصر وأوروبا وكندا وأميركا. وتطرح قضية مهمة هي مساهمة التجمعات الفلسطينية في صنع القرار الفلسطيني. غير أن هذا يحتاج إلى قوة ضاغطة ومتعاظمة على الأارض، أي يحتاج إلى ميزان قوى يترك بصماته على القرار. ويمكن القول إن الإعلان عن ناطقين إعلاميين كان سابقا للأنشطة التي يتعين ترويجها والدعاية لها عبر الناطقين. وهذا يضع العربة أمام الحصان، ويغلب العمل من فوق على حساب الفعل من تحت. وهناك مجموعات شبابية مناهضة للسلطة في الضفة الغربية، تعترض على سياساتها بمواقف أو باحتجاجات، يغلب عليها الرفض وتنقصها برامج ومهمات وفعل منظم. وعندما تتعرض لقمع فلسطيني يزداد الاحتقان ضد السلطة. حدث ذلك في مخيم عسكر في نابلس، فقد كان الرد على قتل أحد الشبان على يد أجهزة السلطة القيام بأعمال حرق وتدمير وردات فعل عنيفة. وحدث في رام الله في مسيرة الاحتجاج على استشهاد ثلاثة شبان من مخيم قلنديا على يد قوات الاحتلال.
في قطاع غزة، تنشط مجموعات شبابية مستقلة وأخرى تشكل امتدادا لحركة فتح وتنظيمات أخرى. حركة «تمرد على الظلم» أو «تمرد الفلسطينية» هي حركة مستنسخة عن «تمرد» المصرية. وقد أعلنت يوم 11 تشرين الثاني/ نوفمبر القادم «يوما وطنيا فلسطينيا ضد الانقسام والظلم والتفرد وتكميم الافواه والقهر». ويغلب عليها الطابع الإعلامي. وقبل ذلك، كان الحراك الشبابي في قطاع غزة فاعلا وواعدا، لكن القمع الذي تعرض له من قبل سلطة «حماس»، إضافة إلى محاولات الاستيعاب والتدخل من قبل الأجهزة الأمنية في الضفة، كبحا التطور الديمقراطي للحراك.

 
ملاحظات واستنتاجات


في ضوء هذه الحراكات الشبابية ذات الفاعليات المتنوعة، يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
ـ الاحتلال الذي أراد تفكيك مكونات الشعب الفلسطيني والاستفراد بكل موقع وجعله يواجه مصيره منفردا، قوبل بانفتاح المكونات على بعضها البعض عبر نضال مشترك ومن أجل أهداف مشتركة. ورفضت المجموعات الشبابية الاعتراف بالاسوار والحدود والأسلاك بين الضفة والقطاع وأراضي 48 والخارج. ثقافة الكل الفلسطيني الجديدة القديمة تطلقها مجموعات وحركات شبابية، وكان هذا بمثابة تطور وانجاز كبير.
ـ إن طبيعة الاحتلال الكولونيالية الاقصائية والعنصرية تضعف الاستقطاب الاجتماعي الداخلي وتساهم في تمييع النضال الداخلي. وتتفنن الاتجاهات الليبرالية الفلسطينية في التماهي والاختلاط مع الحركات السياسية والجماهيرية عبر خطاب سياسي واجتماعي مزدوج. وقد أدى ذلك إلى استمرار تغليب النضال الوطني على النضال الاجتماعي، لتكون المحصلة عدم تجذير الموقف والبرنامج السياسي الوطني. وفي غياب البرامج الاجتماعية الملتزمة بمصالح السواد الأعظم من المجتمع، تظل الليبرالية بكل شرائحها في مركز القرار.
ـ الطابع العفوي والتلقائي للمجموعات الشبابية والتعامل بردة الفعل يجعلها عرضة للاحباط أو الاستيعاب والاستخدام وعدم التطور، ويحول دون تحولها إلى حركات اجتماعية لها أهداف وبرامج وتستند إلى قوة نابعة من محاولة تحقيق المطالب والأهداف. ويعود الطابع العفوي أولا إلى إفلاس التنظيمات السياسية التي لا تزال تستحوذ على الحيز العام. وهنا، يشير آخر استطلاع للرأي إلى أن 62% من الشباب عبروا عن عدم ثقتهم بأي من الأحزاب والتنظيمات القائمة. ويعود ثانيا إلى ضعف تدخل المستوى الثقافي الفلسطيني الملتزم بالقضايا العامة، خلافا لتجربة أميركا اللاتينية التي كان للمستوى الثقافي والأكاديمي فيها دور مميز في نشر الوعي بالتحديات الناجمة عن علاقات التبعية والسياسة «النيو ليبرالية» المحلية. والأهم أنه كان للمستوى الثقافي دور ملموس في الانتقال من الوعي بالتحديات إلى بناء حركات اجتماعية تباشر الانفضاض عن علاقات التبعية والانخراط في عملية التحويل الاجتماعي.
ـ النضال المطلبي الفلسطيني في مجال التعليم والصحة والمحاماة والعمل وفي مجال حرية المرأة وإزالة كافة أشكال التمييز ضدها، في حالة انتعاش ملحوظ، لكن انتعاش لا يزال مكبلا بأطر وهيئات نقابية بيروقراطية شائخة وتخضع للمستوى السياسي وللأساليب والخطابات التي عفا عنها الزمن. ولم تتمكن القاعدة الاجتماعية من تصويب الخلل عبر انبثاق أجسام جديدة تنطلق من مصالح القاعدة الاجتماعية وتتحرر من هيمنة المستوى السياسي بمواقفه الكاسرة للمطالب. ويعود ذلك أيضا لضعف المستوى الفكري وعدم تدخل المستوى الثقافي والأكاديمي، وعدم الإفادة من خبرات وتجارب الشعوب الأخرى.


* كاتب فلسطيني مقيم في رام الله.