| 

تمتاز محافظة قلقيلية بأن أراضيها لا تزال على تماس مع أراضي فلسطين المحتلة منذ العام 1948، فيها يلتقي الساحل مع الجبل، وهي نقطة التقاء بين مدن الضفة الغربية ومدن فلسطين التاريخية، مثل صفد وعكا وحيفا، إضافة إلى طولكرم ونابلس. وكانت قلقيلية قديما محطة بارزة للقوافل التجارية في أوقات السلم، أما في أوقات الحرب فكانت نقطة انطلاق الغزوات والمعارك الحربية التي تنطلق منها نحو مصر والشام.


التسمية


قلقيلية كنعانية الأصل، كما تشير الدراسات التاريخية، وقد ورد في الموسوعة الفلسطينية أنها ذُكرت في العهد القديم كإحدى «الجلجالات» الكثيرة التي جاء على ذكرها العهد القديم. والجلجال لفظ كنعاني الجذور أطلق على الحجارة المستديرة التي يكثر وجودها في فلسطين، ثم أطلق لاحقا على كل شيء مستدير، وعلى كل منطقة أو مدينة مدورة. ويُقال إن قلقيلية هي الجلجال المذكور في قائمة العموريين والكنعانيين وغيرهم. وذكر المؤرخون أن اسم قلقيلية الحالي يحتمل أن يكون قد اشتق من اسم قلعة رومانية كانت تُعرف باسم «كالكاليا»، وهي واحدة من الجلجالات الكنعانية التي أقيمت في فلسطين، ولا تزال المدينة تحتفظ باسمها على الرغم من هذه القرون التي مرّت عليها.


الجغرافيا: الحرف الأول بالتاريخ


يعد الموقع الجغرافي لقلقيلية حلقة وصل بين طرق تجارية ومراكز قوى سياسية، حيث تبعد عن ساحل البحر المتوسط نحو 14 كم، بخط مستقيم إلى جهة الشرق، وترتفع عن سطح البحر نحو 40 مترا في المنطقة السهلية الغربية، لتبدأ بالارتفاع التدريجي إلى جهة الشرق لتصل إلى 120 مترا في أعلى منطقة فيها، وهي منطقة صوفين. وتبعد قلقيلية عن القدس، نحو 75 كم، إلى جهة الشمال الغربي، وعلى مقربة من سكة الحديد الموصلة بين الشام ومصر. وبسبب طبيعتها الجميلة وقربها من البحر، وكثرة ينابيعها وآبار المياه فيها، كانت محطة الراحة للقوافل التجارية وقوافل الحجيج والجيوش، قبل أن تكمل مسيرها لوجهتها.
الكتابات التي تخصصت في الحديث عن قلقيلية وتاريخها تكاد تكون نادرة، لذلك فإن معظم الباحثين يستشهدون بما كتبه الشيخ محمد صالح الخطيب في كتابه «قلقيلية حتى عام 1942»، الذي كُرس للحديث عن تاريخ المدينة وعمرانها في الحقبتين الرومانية والإسلامية عبر تعداد الآثار التي تعود إلى هاتين الحقبتين الهامتين. وجاء في الكتاب: مما يدل على عمران قلقيلية القديم الآثار الرومانية والإسلامية التي كانت موجودة فيها، فمن الآثار الدالة على تاريخ قلقيلية الروماني بئر الماء القديمة، وبجانبها حوضان كبيران للماء منحوتان من الصخر وكانا يستخدمان لسقاية المواشي، وقد اندثرت هذه الآثار بعد بناء المركز الصحي في المدينة. كما توجد في المدينة قبور رومانية منحوتة من الحجر. ويشير الكتاب إلى أن الأتراك استغلوا سلطتهم وحكمهم لفلسطين لنهب ثرواتها، حيث جاء فيه: كان يأتي إلى قلقيلية في عهد الحكومة التركية بعض المنقبين عن الآثار، الذين كانوا يحفرون القبور ويخرجون منها قوارير وصلبانا رومانية وبعض الحلي الذهبية.


الآثار الإسلامية


من أبرز المعالم الإسلامية في قلقيلية المسجد العمري، حيث يذكر المؤرخون في كتبهم أن المدينة احتوت مسجدا صغيرا قبل النزول الأول لأهل صوفين إليها عام 1220 هجري، والنزول الثاني عام 1228 هجري، وذلك بعد أن دمرها الأتراك نهائيا في هذا العام. وكان المسجد القديم عبارة عن ايوانين كبيرين يقعان مكان الجزء الجنوبي الشرقي للمسجد الحالي، ولم يُعرف تاريخ بنائهما، وهما من أطلال العمران القديم للمدينة، الذي استمر حتى عام 900 للهجرة، حيث قام الشيخ حسن صبري، إمام المسجد، بعمل توسعة للمسجد وصرف من جيبه الخاص على بناء ثلاثة أيونات «عقود» أخرى في القسم الجنوبي من المسجد عام 1263 للهجرة. وقد بينت كتب التاريخ أن الذين سكنوا قلقيلية في فترة العمران الإسلامي جاؤوا مع الفتح العمري، ثم خربت وهجرها أهلها، وكان آخر عمرانها وخلوها من السكان عام 900 للهجرة. وتُجمع كتب التاريخ أن قلقيلية لم تشهد أي عمران بعد عام 900 للهجرة، حيث بقيت غير آهلة بالسكان أكثر من 320 عاما، أي حتى تاريخ 1220 للهجرة، ولا يعرف على وجه التحديد ما هو السبب في خرابها وهجران أهلها لها. ولكن من الأسباب التي يعزو لها أهالي قلقيلية هذا الخراب تفشي أحد الأمراض الفتاكة فيها في ذلك الوقت، ما اضطر أهلها إلى هجرانها تفاديا للإصابة بالعدوى والهلاك، حيث ترجح بعض الدراسات أن يكون سبب ذلك هو تفشي مرض الطاعون. لكن أهالي المدينة يرجحون سببا آخر لخراب المدينة طيلة 320 عاما، وهو الخوف من اللصوص وقطاع الطرق وانعدام الأمن إبان حكم الأتراك، لذا قرر أهل قلقيلية هجرة سهولها والتوجه للمعيشة في الجبال والأماكن العالية ليحصنوا أنفسهم ضد قطاع الطرق وبطش الولاة العثمانيين الذين كانوا يفرضون على الأهالي ضرائب لم يقررها الباب العالي، لذا التجأ الأهالي للعيش في الأماكن العالية التي تسمح لساكنيها بمراقبة سهول المدينة المكشوفة مثل كف اليد أمام جبالها، وتتيح لهم مراقبة كل حركة وأخذ الاحتياطات اللازمة، لا سيما في ظل انعدام الأمن بسبب غياب سلطة مركزية قوية، وتفشي الفقر والمجاعات. وبما أن قلقيلية كانت تمثل نقطة عبور، لذا كان الحل الأسلم لأهلها هو السكن في الجبال، وربما يفسر السيناريو الأخير تواجد أهالي قلقيلية في «خربة صوفين» التي تعلو رأس جبل وتمتاز بأنها محصنة بشكل جيد، وتوجد فيها قلعة قديمة حصينة، وهي تعتبر إحدى قرى بني صعب في العهد العثماني.


الأتراك يدمرون «صوفين» مرتين


تذكر كتب التاريخ أن الأتراك دمروا خربة صوفين مرتين، وأرغموا أهلها على النزول للعيش في سهول قلقيلية، حيث كان النزول الأول عام 1220 للهجرة، حين حطت في ذلك التاريخ قافلة الحجيج المعروفة بـ«المحمل الشامي» رحالها عند بئر النبع في قلقيلية، وأرسل قائدها العثماني يطلب زادا وجملا من القرى المجاورة لمساعدة القافلة على المضي في طريقها، فما كان من «صوفين» إلا أن ردت الرسول محملا بالجواب «سمعنا وعصينا»، حينها وصل خبر العصيان للوالي العثماني الذي أمر بمعاقبة أهالي صوفين في طريق العودة من الحج، وهذا ما حصل، حيث قام الجند الأتراك بتسليط مدافعهم ودكّ القرية فهدمت بيوت كثيرة، ولم يتوقف القصف إلا بعد رفع الأهالي للرايات البيضاء. وتقول الروايات المتوافرة عن هذه الحادثة إن هناك لَبسا قد حدث، حيث أن الرجل الذي رد «سمعنا وعصينا» ليس من القرية، وحاول الأهالي إصلاح الخطأ في حينه عبر اللحاق بالقافلة وتوضيح الموقف لكنهم تأخروا.
أما النزول الثاني لأهالي صوفين إلى قلقيلية، فكان عام 1228، عندما قام إبراهيم باشا بجمع الضرائب من نابلس والقدس، بطرق تعسفية فيها الشدة والعنف، ما اضطر شيخ منطقة بني صعب للعصيان والاحتماء والتحصن بقلعة صوفين، وهو الشيخ المعروف باسم «أبي عودة الجيوسي». وظلت صوفين عصية على السقوط أمام جند الأتراك، ما حدا بهم لطلب مدد عسكري بقيادة «شمدين آغا» القائد التركي الكردي الأصل، الذي قام بتدميرها وقتل الكثير من أهلها المتحصنين فيها، ولم يتركوها إلا بعد أن دمروها بشكل كامل واعتقلوا الشيخ الجيوسي.
رصد خبراء التاريخ ما يقرب من 30 بئرا شتوية، وبعض القبور المجهولة أصحابها، باستثناء قبر واحد ظل حتى حرب عام 1967، وكان يحمل اسم صاحبه «الشيخ صالح بن خير الدين صبري»، إضافة إلى نقوش في الصخور والمغارات والكهوف، وكان يوجد فيها بعض المساحات المرصوفة بالفسيفساء ومدافن محفورة في الصخور.


عائلات قلقيلية


بحسب العديد من المؤرخين، تنحدر عائلات قلقيلية من أكثر من مكان، مثل كفر قاسم في أراضي 1948، أو من أكثر من بلد عربي مثل الحجاز ومصر واليمن والعراق. ويرجح الأستاذ محمد عبده في كتابه «الجوهرة النقية في انساب العشائر القلقيلية»، أن آل عطية وأصلهم من قرية برير قضاء غزة، من أقدم العائلات التي سكنت قلقيلية، وكانت توجد باسمهم بركة عطية وسدرة عطية. وهناك آل حمدان والهرشية المنحدرون من آل قراقع، وبعض العائلات المصرية كانوا يقطنون قلقيلية قبل نزول أهل صوفين بسنوات قليلة.


المقامات والخرب


يجمع أهالي قلقيلية على كثرة المقامات والخرب في مدينتهم، وما زالوا حتى أيامنا هذه ينذرون النذور بإضاءة قناديل الزيت فيها في مناسبات الميلاد والنجاح ورجوع الغائب. ومن أبرز هذه المقامات «أبو الجود»، وأشهر الخرب طفسة وأفقاس وقسطنطينية وغيرها. وعن هذه المقامات، كتب المدون فادي محسن في «تاريخ فلسطين» يقول حول مقام «أبو الجود»: يقع على جبل إلى الشرق من قرية فرعتا في الطريق إلى تل وكفر قدوم، وهو عبارة عن بناء من الحجر والطين أو الشيد والطين، مربع الشكل له قبة ومحراب، وهو إسلامي، ويعتقد البعض أن ولياً من أولياء الله اسمه «أبو الجود» كان يعتكف فيه للعبادة، كما توجد على بابه بئر ماء. وكان الناس يزورون المقام ويضيئونه ويصلون فيه وكان مفروشا وبه شباك واحد صغير يطل على جهة الغرب وبابه على جهة الشمال. ورممه في السبعينيات الشيخ عمر عبد القادر (متوفى عام 1979) إمام مسجد قرية اماتين.
وبحسب فادي محسن، فإن هذا المقام يقابله مقام إلى جهة الشرق عند قرية تل، ومقام آخر على قمة جبل سليمان الفارسي إلى الجنوب الشرقي، وآخر يدعى الشيخ عطا في قرية حجة إلى الغرب، وأبو سعيد في جينصافوط إلى الشمال الغربي، وكل من هذه المقامات تقابلها مقامات أخرى. ورغم أن بعض هذه المقامات سميت بأسماء أناس صالحين، وبعضها يحوي أضرحة، إلا أنها منتشرة في كل أنحاء فلسطين. ويعتقد، وهذا هو الأرجح، إنها كانت تستعمل للبريد في زمن الحكم الإسلامي، وبعد بسط نفوذ الدول الإسلامية على كل أرض فلسطين وبداية تعرضها للحملات الصليبية. فكان المقام يستعمل لطلب النجدة، وذلك أنه في حالة طلب النجدة من أي مكان في فلسطين كان متعارفا بين الناس أنه يتم بإشعال النار بطريقه متفق عليها، وكان على كل جبل واحد من هذه المقامات، فيشعل من يراه من المقام الآخر النار بالطريقة نفسها وهكذا حتى تصل الرسالة إلى أماكن وجود الجند فيتجهون للنجدة. كما كان مكان استراحة لحملة الرسائل من القادة إلى رؤساء جندهم. تقول أمينة الطويل من قلقيلية: كان الذهاب إلى مقام «أبو الجود» حدثا مهما في عائلتي، حين كنا نأخذ الطعام والحلويات والزيت لإضاءة المقام في الأحداث السعيدة الهامة في العائلة. وعلى الرغم من أن المقام لا يبعد عن بيت الطويل سوى 10 دقائق مشيا على الأقدام، وتطل نوافذ البيت على المقام، إلا أن أهالي قلقيلية، وكذلك جميع الفلسطينيين، لا يستطيعون الوصول إليه كما في السابق بعد أن سيطر المستوطنون الإسرائيليون عليه مدعين أنه معبد يهودي قديم! وتقول الطويل: منذ عام 2003 لا يسمح لأهالي قلقيلية أو أي فلسطيني بزيارة المقام الذي يعتبر جزءا من المدينة، والذي تربينا على الذهاب مع أجدادنا للاهتمام به، فالمستوطنون يدعون أنه معبد يعود لليهود قديما، لكن هذا السبب عار من الصحة. والصحيح أن المكان مطل على المدينة، لذلك سيطروا عليه.


* صحافية مقيمة في مدينة رام الله.