| 

ثمة فرضية تبنّتها الصهيونية تقول إن التاريخ في أحد معانيه هو ماضٍ ممتد غير منقطع يتدفق في الحاضر فيصنع مضمونه. ومن هذه الفرضية ينطلق عصام سخنيني في مؤلّفه «الجريمة المقدّسة: الإبادة الجماعية من أيديولوجيا الكتاب العبري إلى المشروع الصهيوني» ليفنّد هذا الزعم جملة وتفصيلاً. وفي هذا الكتاب الصادر عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» يشير الباحث إلى أن الخطوط العريضة للمشروع الصهيوني وُسمت في مؤتمر بال عام 1897 الذي عقد برئاسة تيودورهيرتسل في تلك المدينة السويسرية التي حمل المؤتمر اسمها. وكان موعد عقد هذا المؤتمر دلالته من حيث انتمائه الزمني إلى حقبة تاريخية اتصفت بأنَّ الاستعمار الغربي كان يدخل في مرحلة تنافس جديدة بين أطرافه أدّت في النهاية إلى نشوب الحرب العالمية الأولى في عام 1914. وكان هذا التنافس قد ابتدأ مع دخول العالم ما يُسَمَّى عصر الاكتشافات الجغرافية منذ رحلة كريستوفر كولمبوس إلى القارة الجديدة وماتبعها من غزو بشري/عسكري (بريطاني، فرنسي، إسباني، برتغالي، هولندي) لتلك القارة علاوة على أستراليا وافريقيا ومناطق في شرق آسيا وأخرى في العالم العربي. ولم يكن منشئو الصهيونية بغائبين عن هذا التنافس المحتدم بين أطراف الاستعمار الغربي في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، فكان لهم بدورهم مشروعهم الهادف إلى نيل «حصّة» في المغانم التي سوف يسفر عنها هذا التنافس.
بناء على ذلك، يخلص عصام سخنيني إلى القول كانت المقولة الشائعة تدعي إن الصهيونية قد ولدت على فراش الاستعمار الغربي صحيحة، فإنه صحيح أيضًا القول إن الصهيونية، وهي تسعى كي تحوز نصيبًا في هذا التنافس، كان عليها أن تكون جزءًا من المنظومة الفكرية للحركة الاستعمارية وأن تستخدم أدواتها وتسير على وقع خطاها وتستفيد من تجاربها. بكلمة، كان على الصهيونية أن تتماهى تمامًا مع الحركة الاستعمارية الغربية.
ويمضي الكاتب قدمًا ليعتبر أن دخول الصهيونية في سوق التنافس الاستعماري، للحصول على حصة لها في مخرجاته، كان يتميز منذ البداية بلهجة مراضاة للكبار بأن حصتها لن تكون على حسابهم، وبأنَّ دورها، على العكس من ذلك، سوف يكون مكملاً لأدوارهم وعاملاً مساعدًا لتحقيق مطامعهم. وهذا ما يفهم تمامًا مما كتبه هيرتسل في كتابه «دولة اليهود» (الذي يرتقي في المنظومة الفكرية الصهيونية إلى رتبة المقدس) عن الفائدة التي تجنيها أوروبا من قيام دولة يهودية في فلسطين:
«سوف نشكل هنا كجزءًا من متراس لأوروبا ضد آسيا، ومخفرًا أماميًا للحضارة في مواجهة البربرية. وسوف نظل، كدولة، على تواصل مع كل أوروبا التي عليها أن تتكفل بوجودنا».
يرتدّ سخنيني إلى الماضي ليثبت مقولته، فيعود ليقارع تاريخ اليهود في الكتاب المقدّس، أو «الكتاب» فيلحّ على أن ماضي فلسطين أو تاريخها القديم ثري بتنوعه الأقوامي والديني والحضاري، فقد تعاقب على حقبه الكنعانيون والأدوميون والفلسطينيون القدامى والأشوريون والبابليون والفرس واليونان والرومان وعرب ما قبل الإسلام. كما شهد على الصعيد الديني اليهودية والمسيحية والإسلام، ث مورث عرب ما بعد الفتوحات الإسلامية ذلك الثراء والتنوع، فانصهر الجميع في بوتقة الحضارة العربية من دون أن تلغي هذه الحضارة حق الآخر المغاير في الاختلاف والتمايز الثقافي أو الديني أو الأقوامي. ويرى المؤلّف أن ذلك التاريخ الثري أباده واضعو الكتاب ومحرّروه عندما نسجوا حكاياتهم وأساطيرهم عن ماضٍ مشتهى لـ«إسرائيل» فاخترعوا لها تاريخًا لاهوتيًا في دوافعه ومراميه ومحتواه، وشطب من سجله ذلك التنوع الحضاري الذي ميّز المنطقة في تاريخها القديم. وقد صيغت حكايات عن إمبراطورية لـ«بني إسرائيل» تمتد من الفرات إلى النيل، وعن ملوك عظام حكموا تلك الإمبراطورية المزعومة، وأبطال أسطوريين ليس لهم وجود، أو جرى نفخهم وتعظيمهم ليكونوا كذلك.


الإنكار والتحقيب الزائف


أما تلك المراحل التاريخية المتعددة التي مرت بها فلسطين في تاريخها القديم فقد أنكره االكتاب المقدس، وسدل عليها ستارًا من الغيب، واستعاض عنها بما تفتق عنه الخيال الكتابي من حكايات فصلت تاريخ فلسطين القديمة إلى مراحل هي حصرًا مراحل تاريخ «بني إسرائيل»؛ فهناك عصر الآباء، وعصر انقطاع عن فلسطين كان فيه «بنو إسرائيل» في مصر، وعصر الخروج من مصر، فالفتح والتوطن، وعصر القضاة بما فيه حكم شاول، وقيام المملكة الموحدة في زمن داود فسليمان، فعصر المملكتين بعد انقسام المملكة الموحّدة إلى يهودا والسامرة، فالنفي البابلي، فالعودة من النفي وعهد الهيكل الثاني. وإستنادًا إلى هذا التحقيب الزائف، امتدت هذه الصورة النمطية الدونية للفلسطينيين القدامى إلى الثقافة الأوروبية المعاصرة، فدخلت كلمة «فلستين» في لغتها لتحمل معاني تدل على قلة الشأن والوحشية والجهل. وبعض المعاني القاموسية في اللغة الإنكليزية لكلمة Philistine هي كما يلي: بليد، مبتذل وغالبًا ما يكون متزمتًا تحركه القيم المادية بدلاً من القيم العقلية، عدو طبيعي أو تقليدي ينتمي إلى طبقة محتقرة، يفتقد الأصالة والحساسية الأخلاقية، شخص جاهل تمامًا.
في سبيل البرهان على صدقية حججه يشير الباحث إلى أن تلك الحكايات التي نسجها كَتَبة الكتاب المقدس ما عادت لها أي قيمة علمية في نظر البحث العلمي الحديث؛ «فالرواة الكتابيون لم يكونوا معنيين في الحقيقة بالصدق التاريخي (...)، فهم في التاريخ الذي كتبوه، كانوا يتمسكون بوجهة نظرهم نحو الماضي»، ذلك أن مؤلفي الكتاب كانوا كتبة تاريخ استخدموا «أنماطًا أسلوبية لإبداع أدب عقائدي، فإن صدقية إنتاجهم تبقى موضع تساؤل»، أي أن ما فعله هؤلاء الكتبة هو أنهم أفرغوا فلسطين القديمة من أي مضمون أو معنى، وما فعلته الصهيونية هو أنها أسرت الماضي الفلسطيني وشحنت فضاءه بالأساطير. في هذا السياق، أضحى الفلسطينيون المعاصرون كائنات خارج المدار التاريخي بعدما جرى إقصاؤهم عنه. كذلك صادر الكتاب تاريخ فلسطين القديم وأخضعه لعملية إبادة منهجية جرّدته من محتواه الثري بتنوعه، وصاغ بدلاً منه تاريخًا مشوهًا احتكره «بنو إسرائيل»، ثم قام الفكر الصهيوني المعاصر، كامتداد لذلك، وسعى إلى إبادة استهدفت الهوية الفلسطينية بأن أنكرت على الفلسطينيين كونهم شعبًا صنعته مجموعة من العوامل، كان أكثرها فعلاً ومحوريةً ذاكرتهم التاريخية الجمعية.
على هذا النحو، استُكمِلَتْ إبادة التاريخ الفلسطيني لمصلحة تاريخ كتابي موبوء بالخرافات والأساطير بغزو لذاكرة المكان استهدف إبادة اسم فلسطين من الوجود. وأقدم الأسماء التي احتفظت بها ذاكرة التاريخ لهذه المنطقة التي تقع إلى الجنوب الغربي من سوريا هو «كنعان»، الذي يعود أقدم استخدام له (إلى أن تتكشف دلائل أخرى) إلى أواسط الألف الثالث قبل الميلاد، إذ تدل اللقى الأثرية المكتشفة على أن سكان المنطقة الواقعة إلى الشرق من البحر الأبيض المتوسط وامتدادًا إلى نهر الفرات كانوا يشيرون إليها آنذاك بلفظ «كنعان» (Canaan).


خرافات الكهنوت


الصهيونية هي امتداد، بهذا المعنى، لخرافات الكهنوت، فقد اختارت من بين الأسماء الكتابية المتعددة اسم «أرض إسرائيل» لتطلقه على المكان، وهي في صدد استعمارها الإحلالي للذاكرة الجغرافية التاريخية. لم تكتف بذلك، بل جعلت من التاريخ شاهد زور كاذبًا. هكذا سعت الصهيونية إلى إقصاء اسم فلسطين من الذاكرة الجغرافية والتاريخية، وأحلت محله اسم أرض إسرائيل، وكان ذلك من منطلق يجعل التسمية ذات وظيفة سياسية/أيديولوجية غايتها إظهار صلة مزعومة ممتدة عبر التاريخ تربط اليهود بهذاالمكان في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.
انعكست هذه الصورة في مرآة تيودور هيرتسل، أبي الصهيونية الحديثة ورئيس أو لمؤتمر صهيوني عالمي (مؤتمربال) الذي كان يرى أن «دولة اليهود»، التي كان يعمل لها، ينبغي أن تمتد من الجبال المقابلة لقبادوقيا (غرب نهر الفرات في تركيا الحالية) إلى قناة السويس، وأحيانًا كان يدعو إلى أن تكون هذه الدولة ما بين النيل والفرات. ومن هنا جاء إلغاء ذاكرة المعالم الجغرافية، فأسماء المواقع الجغرافية في فلسطين، مدنًا أكانت أم قرى أم معالم طبيعية، هي جزء من الذاكرة التاريخية. فالماضي هنا، بكل ثرائه وتنوعه، يتجسد في هذه الأسماء. وورود اسم منها في العقل أو على اللسان يحفز الذاكرة على استحضار الماضي وإحيائه من جديد ليكون ماثلاً في الحاضر.
هذا الكتاب محاولة لمواجهة تزييف الذاكرة الحقيقية وطمسها وإحلال ذاكرة بديلة منها. لكن بعد سبعين سنة من عمليات التنقيب المكثفة في أرض إسرائيل، توصل علماء الآثار إلى مايلي: «إن أعمال الآباءجميعًا أسطورية، ونحن لم نقم في مصر، ولم نخرج منها، ولم نفتتح مدن هذه البلاد، وليس هناك ذكر لإمبراطورية داود وسليمان».
لا أدري لماذا ابتعد سخنيني عن المصدر، فالمزار قريب، وهو عند كمال الصليبي شيخ المؤرخين العرب في العصر الحديث. ففي كتابه «التوراة جاءت من جزيرة العرب»، زعزع كمال الصليبي أركان الفكر التوراتي فبحث في جغرافية التوراة عن أسس جديدة ليجد أن البيئة التاريخية للتوراة لم تكن في فلسطين بل في غرب شبه الجزيرة العربية في محاذاة البحر الأحمر وتحديدًا في بلاد السراة بين الطائف ومشارف اليمن، وهذا معناه أن بني إسرائيل من شعوب العرب البائدة، أي من شعوب الجاهلية الأولى، وإن الديانة اليهودية نشأت بين ظهرانيهم ثم امتدّت إلى العراق والشام ومصر.
يوازي الصليبي بين «التوراة» وما يسمّيه المسيحيون «العهد القديم» من الكتاب المقدّس، فيرى أن التوراة سجلٌ لأحداث تاريخية جرت في غرب شبه الجزيرة العربية وليس في فلسطين وتحديدًا في بلاد عسير الجغرافية أو بلاد السراة وهي منطقة كانت عظيمة الشأن لوقوعها عند نقطة التقاء الطرق الرئيسية لتجارة العالم القديم. في عسير الجغرافية القديمة كانت قبائل مختلفة تقطن في أجزاء مختلفة من البلاد. إحدى هذه القبائل هي»بنو إسرائيل» الذين قطنوا في (أرض «يهوذا») بين القرنين العاشر والخامس قبل الميلاد ومروا بتجربة تاريخية نادرة المثال ثم زالوا من الوجود مخلّفين وراءهم سجلاًّ كاملاً بالغ التفصيل لهذه التجربة. وما زال هذا السجل، وهو التوراة العبرية بمختلف أسفارها، موجودًا ومعروفًا إلى الوقت الحاضر.
إن مقولة الصليبي دحضٌ كامل للوعد التوراتي، ومن هنا كان على سخنيني الأخذ بها أو الاستناد إليها أو الإشارة إليها. لكن، والحق يقال، ها هو كتاب «الجريمة المقدّسة» يكمل ما شرع به رائد علم الآثار «الكتابي» وليم ألبرايت الذي قام بحملات تنقيب آثاريّة عدة في فلسطين تحت مظلة اعتقاده أن الكتاب وثيقة تاريخية، مؤمنًا بأن الكشف عن البقايا القديمة في فلسطين سوف يقدم برهانًا قاطعًا غير قابل للنقاش على الحقيقة التاريخية للحوادث التي تتصل بـ«الشعب اليهودي في أرضه».