| 

تُشعل العودة إلى مقاعد الدراسة في فلسطين الأحزان والذكريات، وتحرك الدموع الساكنة في عيون الأمهات، وتعيد «طرق» أبواب الجراح التي لم تلتئم. والصورة التي تتكرر في كل سنة عن العام الدراسي هي الوجع، ومغلفة بالغياب القسري للأحبة.
تبدأ رجاء محمد (14 عاماً) لملمة جراحها، في تمهيد لعودة جديدة إلى مقاعد الدراسة، فكل شيء تغير في حياتها والثابت الوحيد هو أحزانها ومشاهد قتل زميلتها رهام الورد أمام ناظريها.
تروي رجاء أوجاعها القديمة فتقول «في حوالي السابعة والثلاثين دقيقة صباح 18/10/2001، شعرنا بالخوف، فأصوات الدبابات الإسرائيلية التي كانت تطوق مدرسة الإبراهيميين في جنين، جعلتنا نبكي ونرتعد».
عندما رأت رهام زميلتها تحرير أبو عليا مصابة أسرعت لمساعدتها، غير أن رصاصة قاتلة أطلقها جنود الاحتلال كانت الأسرع في اقتحام صدر رهام.
ما زالت ذاكرة تحرير خصبة بالذكريات المؤلمة، وفق ابن خالها الصحافي محمود خلوف. فما عاشته من رعب، لا يمكن نسيانه، فهو انطبع في ذاكرتها ولن يختفي بسرعة.
تقول رجاء: تخرجنا في المدرسة نفسها، ولا أنسى آخر ما رسمته رهام على دفترها: صورة لدبابة إسرائيلية تصوب نيرانها نحو مدرستنا. وتسترسل أم علي، إحدى ساكنات الحي المتاخم للمدرسة حيث سقطت رهام بالقول: فتحت المدرسة أبوابها، لكنها تتفتح معها في كل عام جراح والدة رهام، فهي ترى زميلات ابنتها وقد انتقلن إلى جامعاتهن بحقائب جديدة وسيكبرن، ولكن رهام غائبة عنهن إلى الأبد.

باسل وعبير


يقول الشاب علاء الحسن: سيفتقد زملاء باسل محمد زكارنة (9 سنوات) إلى الأبد صديقهم الذي لن يدخل إلى المدرسة، فهم يتذكرون باسل الصغير الذي اخترقت رصاصات الاحتلال ظهره، كما مزقت صدر أمّه فاطمة وهشمت رأس شقيقته عبير. والثلاثة كانوا ضحايا عملية إسرائيلية شرق قباطية، وكانوا يعملون في مزرعتهم.
تملأ الحسرة قلوب أهالي البلدة الواقعة جنوب غرب جنين، فحادثة قتل الأم وأطفالها لا تغيب عن خيالات أطفالهم. أما الوالد محمد يوسف زكارنة الذي فقد زوجته وطفليه باسل وعبير فسيظل يتذكر موسم العودة إلى الدراسة بألم هائل، فابنه باسل لن يترفع من صف إلى صف، ولن تلتحق به عبير بعد سنتين.


سجود


لا تزال ذاكرة أحمد تركي (49 عاماً) جريحة وهي تروي أحداث الجمعة السوداء، فيربط بين ما تعرضت له صغيرته سجود (7 سنوات) التي كانت تستعد للدخول إلى صفها الثاني، وما كانت تتمناه العائلة. فسجود التي دخلت سنة 2001 إلى أولى سنواتها الدراسية، كان يفترض أن تنتقل برفقة خالتها إلى مدرسة أخرى. غير أن رصاصاً إسرائيلياً من العيار الثقيل كان الأسرع في إصابة جسدها إصابات قاتلة.
يروي الأب: قبل أسبوعين من استشهادها كنا نستعد لشراء زي مدرسي جديد لها. واتفقت سجود وشقيقها نائل الذي أصيب بالرصاص ذاته على تخصيص جزء من مصروفهما اليومي لشراء لوازم المدرسة. يسترجع نائل ذكرياته مع شقيقته الراحلة فيقول: كنا عادة نذهب إلى السوق معاً، أما اليوم فقد انتهى كل شيء. يقاطع نائل البكاء، قبل أن يصف اللحظات التي كان فيها يدرّس سجود ويشجعها على تعلم حروف الهجاء.
يستجمع الأب ذكرياته القديمة ليصف لنا لحظة استشهاد ابنته أمام ناظريه. فقد طلبت منه أن يطلعها على الدمار الذي أحدثته آليات الاحتلال لحانوت «أبو الدوم» الذي كان يعد واحداً من معالم مركز جنين التجاري ويتابع: اصطحبت سجود إلى السوق واشترينا الخبز قبل أن نكون هدفاً لرصاص دبابة إسرائيلية أطلقت النار علينا، لأفقد ابنتي, ويختم: لو أن سجود نجت من رصاص الاحتلال، لانتقلت اليوم إلى الجامعة.
لا يختلف حال محمد أمين عودة (13 عاما)، الذي سقط في قرية برقين المجاورة لجنين، كثيراً عن سابقيه، فلن يكون في إمكانه مشاهدة ما فعلته الدبابة التي أطلقت على رأسه رصاصة قاتلة، قبل عشرة أيام من بدء العام الدراسي، ولن يتمكن من حمل حقيبته مرة أخرى، فقد رحل محمد بسرعة كوالده الذي مات بهدوء قبله بأربعة أشهر، تاركاً ستة أطفال أكبرهم محمد.


قصة بشرى


لم تكن الطالبة بشرى ناجي، (17 عاماً)، التي كانت تستعد لامتحانات الثانوية العامة التجريبية تعلم أنها ستسقط شهيدة خلال دراستها مادة اللغة العربية، في قلب منزل عائلتها بمخيم جنين، مثلما لم يكن في حسابات عائلتها أن رصاصة قناص إسرائيلي ستسرع إلى رأسها، تنشر أجزاء من مخها ودمها في غرفتها وعلى كتابها.
تروي والداتها رقية (65 عاماً) وقد سيطر عليها البكاء: كنا في البيت، وسمعنا أن الجيش قد اقتحم المخيم. كانت بشرى تدرس في غرفتها، وبجوارها ابنة أختها، فأسرعت لنقلها إلى غرفة المطبخ، وعادت إلى القراءة.
تتابع الوالدة: دخلت للاطمئنان عن بشرى، فوجدتها ممدة على الأرض والدم ينزف من رأسها، فصرخت: راحت بشرى. أخذت الأم تصرخ على جنود الاحتلال الذين طوقوا المنزل لكنهم لم يعيروها أي انتباه، واستمروا في وحشيتهم، وطالبوا عائلة بشرى بإخلاء المنزل.
وفق روايات الجيران، فإن رصاصة القناص الحاقدة دخلت من نافذة الغرفة المفتوحة التي كانت بشرى تدرس فيها، واخترقت الثلاجة، ولم يسمع أحد صوت إطلاق نار، ما يدل على أنها بكاتم صوت، ثم أعاق جيش الاحتلال سيارة الإسعاف، ولم يسمحوا بإخراج جثة بشرى من المنزل، إلا بعد أن كشفوا عن وجهها، ولاحقاً حطّموا إنارة منزل عائلتها.


دموع لا تجف


لا تزال أحزان أميرة فقهاء ساخنة، وتستذكر دموعها السخية قصة ابنها جمال عبد الناصر فقهاء الذي نالت منه رصاصة احتلالية في 26 شباط 2009، في يرزا، المجاورة لطوباس، حينما كان في نزهة ربيعية هو ورفاقه.
تقول الوالدة: «أحسست في ذلك اليوم الأسود أن قلبي تحرك من مكانه، وأن شيئاً ثقيلاً كتم نَفَسي، ولم أعرف بخبر استشهاد جمال إلا في وقت متأخر، ولو أنهم أخبروني عن مكان استشهاده الدقيق، لذهبت في كل يوم إليه. وأحتفظ بتلفونه الذي كان مبللاً بالدم، وبملابسه وبكتبه، وبدراجته الهوائية».
تواصل الأم إحياء ذكرى ميلاد ابنها في الأول من آب من كل سنة، فتصنع الحلوى وتوزعه على رفاقه، وتذهب إلى قبره، وتتألم عند افتتاح العام الدراسي حين تستذكر فلذة كبدها.


أرقام


وفق إحصاءات رسمية صادرة عن وزارة التربية والتعليم، فإن في فلسطين 1,136 مليون طالب وطالبة و62 ألف معلم ومعلمة و2753 مدرسة 2059 مدرسة في المحافظات الشمالية أي في الضفة الغربية و694 في المحافظات الجنوبية أي في قطاع غزة. ويبلغ عدد المدارس التي تشرف عليها الحكومة 2038 مدرسة، وهناك 344 تشرف عليها وكالة الغوث (الأونروا)، و371 يشرف عليها القطاع الأهلي والقطاع الخاص.
وأشارت الإحصاءات إلى أن الطالبات الإناث يشكلن 50,4% من مجموع الطلبة في المراحل كلها لترتفع هذه النسبة إلى 54,9% في المرحلة الثانوية من مجموع طلاب المرحلة الثانوية. وأظهرت أن معدل عدد الطلبة لكل معلم في فلسطين بلغ 21,6 طالبا/معلما بواقع 20,7 طالبا لكل معلم في المدارس الحكومية، و28 طالباً لكل معلـــــم في مدارس الوكــــــــــــالة، و16,3 في المدارس الخاصة. وبحسب بيانات الوزارة، فقد سقط 1167 من الطلبة والمعلمين شهداء، فيما أصيب 5446 آخرون في أثناء وجودهم في مدارسهم وجامعاتهم، أو في طريقهم إليها. كما واجه 847 طالباً ومعلماً السر.


* صحافي فلسطيني.