| 

لا يمكن فهم أحوال فلسطينيي 1948 كما نفهم أحوال أي أقلية أخرى تعيش في دولة عادية. ففلسطينيو الداخل هم جزء من القضية الفلسطينية ومن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ولا يمكن، علمياً، التصدي لبحث أوضاعهم بالمنهج الوصفي أو السردي، بل يحتاج الأمر طريقة مختلفة في فهم واقعهم الذي اختلف تماماً عن واقع بقية الفلسطينيين، بعدما صاروا مجموعة غير مرحب بها في إسرائيل، وتحولوا، في الوقت نفسه، إلى مواطنين في الدولة الإسرائيلية الجديدة. هؤلاء الذين ظلوا في إسرائيل كان همّهم الأساس الأمن أولاً، أي عدم طردهم من أرضهم، فاضطروا إلى اتباع المسلك الحسن في البداية، وتعاون بعضهم مع السلطة الإسرائيلية تعاون المغلوب في دولة يحكمها «قانون الخوف». وهذا التعاون كان، في مضمونه، شكلاً من أشكال الغربة لا دليلاً على الانتماء قط. وفي هذا السياق ظهر ما يمكن أن نسميه «العربي الإسرائيلي». ومع ذلك فقد حافظ هؤلاء الفلسطينيون على لغتهم وعلى صلاتهم بالعالم العربي من خلال إذاعة صوت العرب وإذاعة دمشق بالدرجة الأولى. والمفارقة التي تحكمت بهم طوال فترة الحكم العسكري، وربما ما زالت حاضرة حتى اليوم، أن هؤلاء صاروا مواطنين في دولة تعلن نفسها أنها ليست دولتهم، بل هي دولة اليهود وحدهم. وفي هذا الميدان ناضل الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي كان إميل حبيبي أحد أبرز أركانه، في سبيل مساواة الفلسطينيين العرب بالمواطنين اليهود، ورفع الصوت عالياً ضد التمييز القومي. لكن هذا الحزب ذا التكوين العربي لم يتمكن من أن يطوِّر إيجاباً أي تعريف لفكرة المساواة. فالمساواة، بحسب كتابات أركانه، ومنهم إميل حبيبي، كانت تعني عدم التمييز فحسب. ولم يكتشف هذا الحزب أن المساواة الحقيقية هي تحويل إسرائيل من دولة لليهود إلى دولة لجميع المواطنين، وأن العرب في إسرائيل ليسوا مجموعة مهاجرة تطالب بالمساواة والاندماج، وإنما هم أصحاب البلاد الأصليين. وإذا كان من المحال تطبيق المساواة بين العرب واليهود في إسرائيل، فالسبب الجوهري والرئيس هو أن إسرائيل دولة كولونيالية إحلالية، والمساواة لا يمكن تحقيقها إلا بتحطيم الصفة الكولونيالية عنها. وبهذا المعنى فإن العامل القومي هو الأساس، وأي مساواة غير ممكنة ما دامت إسرائيل دولة يهودية أو دولة لليهود.
لم يكن إميل حبيبي ليكتشف هذه الأفكار قبل حرب حزيران/ يونيو 1967؛ فقد انغمر كلياً بالفكر الاشتراكي من الطراز السوفياتي الذي كان لا يقيم وزناً جدياً للعامل القومي. غير أن حرب 1967 شكلت نقطة تحول أساسية لدى فلسطينيي 1948، فقد التقى طرفا الوطن للمرة الأولى منذ النكبة، الأمر الذي أيقظ الوطنية الفلسطينية لدى عرب 1948، وبوعي تجاوز الفكر السياسي للحزب الشيوعي الإسرائيلي. وراحت النخبة السياسية الفلسطينية الجديدة تجهد لاكتشاف موقعها في إسرائيل وفي حركة التحرر الوطني الفلسطينية. وبدأت الكتابات تركز على مسألتين: الهوية القومية والمواطنة. وفي هذا الحقل من التفكير تصدى المفكرون الفلسطينيون في الداخل، وفي مقدمهم عزمي بشارة، لدراسة التناقض في قلب الهوية. فالمواطنة، في نهاية المطاف، هي المواطنة الإسرائيلية، وهي تتناقض تماماً مع الهوية العربية التي يحملها هؤلاء الفلسطينيون. وكان السؤال الذي يتضمن التناقض هو التالي: إذا كنا نريد المواطنة المتساوية، فهل نقبل أن يخدم أبناؤنا في الجيش الإسرائيلي الذي يقتل أهلنا في مخيمات لبنان؟ وإذا كنا عرباً فلسطينيين فهل نقبل أن تنضم منطقة المثلث مثلاً في المستقبل إلى الدولة الفلسطينية الموعودة؟


******


إميل حبيبي كان قيدوم الشيوعيين الفلسطينيين في مناطق 1948، وهو الذي حمل مشقة الجدال الفكري والسياسي مع الاتجاهات السياسية الجديدة، التي وإن حفظت للحزب الشيوعي دوره ومكانته، إلا أنها صارت تنظر إليه كحزب شاخ وصار جزءاً من مرحلة انتهت برجالها وآرائها وطرائق نضالها. وإميل كان مشبعاً بالسياسة، وقد عاش حياته السياسية غاضباً أحياناً وساخراً في معظم الأحايين، لأنه كان يعتقد أنه يناضل في سبيل شعبه وفي سبيل العدالة والمساواة، لكن شعبه كثيراً ما ارتاب بمواقف حزبه. ففي البدايات الأولى كان المخيال الفلاحي يصدّق أن الشيوعيين ملحدون ومنحلون خلقياً، ثم جاء موقف الشيوعيين المؤيد لقرار التقسيم في سنة 1947 ليمنح خصومهم سلاحاً في حملة الطِراد المقدسة ضدهم. وكم كان شاقاً على إميل حبيبي الذي وقف ضد التقسيم ثم اضطر إلى الدفاع عنه إذعاناً لموقف الاتحاد السوفياتي، ولم يجرؤ على اتخاذ الموقف الذي اتخذه رئيف خوري في هذا الشأن.
كان إميل يسعى كي يعترف به الفلسطينيون أديباً فلسطينياً، لا كأديب إسرائيلي من «الأقلية الفلسطينية». وربما كان أسعد أيام حياته حين أصدرت منظمة التحرير الفلسطينية أعماله الأدبية، ولا سيما رواية «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل»، وحين تسلم وسام القدس للثقافة والفنون في سنة 1990. لكنه حين تسلم جائزة إسرائيل للإبداع من يد يتسحاق شمير في سنة 1992 كان كمن يبدد أدبه في الهباء الفلسطيني. والموت كان الهاجس الراعب لإميل حبيبي ولغزه المحيّر. ومع ذلك لم يتجه إلى الفلسفة بل إلى الأدب، لأن الأدب كان الملجأ الذي أعان هذه الروح القلقة على السكينة، وهذه الهوية الممزقة على الالتحام وعلى مواجهة آلام الانشطار.


******


يُقال إن سيرة السياسي هي روايته الختامية ونهايته المهيبة. والتاريخ الشخصي لإميل حبيبي هو نفسه تاريخ الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم بعد نكبة 1948. وإميل حبيبي كائن سياسي بالدرجة الأولى، بل إن جلده منسوج بالسياسة تماماً. وحين أدركته حرفة الأدب كان مدفوعاً إلى التعبير عما لا يمكنه أن يعبّر عنه بالسياسة جراء قيودها الكثيرة. والأدب لدى إميل حبيبي مجرد وسيلة للبوح بما لا يمكن البوح به في الحياة اليومية. ومع ذلك فقد تبوّأ مكانة مرموقة في الأدب الفلسطيني المعاصر، ولا سيما بعدما أصدر في سنة 1974 رواية «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل»، وهي درّة رواياته وجوهرة إنجازه الأدبي، وفيها يستعيد تجربة الفرار إلى لبنان في سنة 1948، ثم العودة إلى حيفا، ولقائه المأساوي مع مدينته الخاوية. وإميل حبيبي، في هذه الرواية، هو «المتشائل» نفسه، أي الفرد الممزق والمنقسم على ذاته، والمنشطر بين انتمائه إلى شعبه الذي تحول إلى أقلية في وطنه التاريخي، والانتماء إلى دولة غريبة صارت «دولته». و«المتشائل» هو الإنسان المهزوم الذي عاش طوال عمره وهو يرجو مَن هزمه أن يتصالح معه ويعترف به.
كانت حياته مثل «عيد المساخر» لدى اليهود؛ في كل سهرة له قناع, والسخرية لدى إميل حبيبي كانت قناعاً لعدم الطمأنينة التي لم تعرف سبيلاً إلى قلبه قط. وقد أوجز إميل حبيبي سيرته السياسية في رواية «المتشائل» (1974) وفي الحكاية المسرحية «لكع بن لكع» (1980). أما سيرته الذاتية فوضعها في رواية «إخطية» (1985) وفي رواية «خرافية سرايا بنت الغول» (1991). وكانت جميع كتاباته الروائية أو القصصية أو السياسية أو السجالية أو النقدية مثل «سداسية الأيام الستة» (قصص ـ 1969)، و«نحو عالم بلا أقفاص» (مقالات ـ 1993) عبارة عن نص واحد يتكرر دائماً. والمحور الأساس هو إميل حبيبي نفسه بأقنعته المختلفة، الذي يتصدى للدفاع عن أفكاره وآرائه ومواقفه المثيرة لمجادلات وسجالات لا تنتهي.


******


تعلّق بميخائيل غورباتشوف، ورأى فيه منقذاً للشيوعية وللاتحاد السوفياتي، وراح يدافع عن سياسته وأفكاره ولا سيما البريسترويكا والغلاسنوست. وأثار هذا الأمر خلافات حادة مع قادة الحزب الشيوعي الإسرائيلي الآخرين، فجعل من صفحات جريدة «الاتحاد» منبراً لمواجهة خصومه الرفاق، فأُقيل من رئاسة تحرير «الاتحاد» في نيسان/ أبريل 1989. فما كان منه إلا أن استقال من مناصبه الحزبية في أيار/ مايو 1989. وفي 19/8/1991 استقال من الحزب نهائياً، وهو اليوم الذي وقع فيه الانقلاب على غورباتشوف، وقال: «لم أشعر بأن عالمي قد تهدّم فوق رأسي إلا في يوم الاثنين 19/8/1991 حين وقع الانقلاب العسكري في موسكو ضد التغييرات الديموقراطية الإنسانية التي تحققت تحت قيادة ميخائيل غورباتشوف» (راجع: نحو عالم بلا أقفاص، ص 48).
كان خروجه من جريدة «الاتحاد» بداية موته. أما سقوط غورباتشوف واستقالته النهائية من الحزب الشيوعي الإسرائيلي فكانتا آخر خطوتين قبل موته الجسدي. فجريدة «الاتحاد» والحزب كانا الرداء الواقي له في مواجهة خصومه. وبعد أن فقدهما بات عارياً تماماً، فغمرته الخيبة والمرارة، خصوصاً عندما نعته الحزب بـ«الخائن»، وكتب الشيوعيون على حوائط مدينة الناصرة حتى بعد موته، شعارات مثل: «لا لذكرى الخائن». والمقصود ليس الخيانة الوطنية كما يفهمها الفلسطينيون في الشتات، بل خيانة الحزب وسياسته المعادية لغورباتشوف وللبريسترويكا. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن إميل حبيبي، لمزيد من إثارة الزوابع في وجهه، قبِل أن يتسلم جائزة إسرائيل للإبداع من يد يتسحاق شمير في 19/3/1992 في الذكرى الرابعة والأربعين لقيام إسرائيل، وكانت هذه آخر زوابعه قبل أن يدهمه الموت في 2/5/1996.