| 

تعتمد مدينة قلقيلية على القطاع التجاري وحركة التسوق، ما يشكل قرابة 40% من مجمل الدخل العام للمحافظة، وفق إحصاءات رسمية فلسطينية، بينما يشكل المتسوقون من خارج المحافظة القوى الشرائية الأساسية فيها، وبخاصة الفلسطينيين من داخل أراضي 1948 الذين حدّت الإجراءات الإسرائيلية من معابر وحواجز عسكرية وجدار فصل عنصري، من قدومهم للتسوق في المدينة، وبهذا المعنى فإن النشاط التجاري يعتمد اعتمادا كبيرا على سياسة فتح الأبواب وإغلاقها التي تتبعها سلطات الاحتلال الإسرائيلية في قلقيلية كغيرها من المناطق المحتلة.
تأثرت قلقيلية وأسواقها التجارية بهذه السياسة بشكل لم يسبق له مثيل، كانت مداخلها الثلاثة المفتوحة على الخط الأخضر مصدر قوة للسوق التجارية فيها، أكان المدخل الذي يصل قلقيلية بمدينة كفار سابا الإسرائيلية التي لا تبعد إلا مئات الأمتار عنها، أو الذي يصل قلقيلية بمدن عربية في داخل الخط الأخضر كالطيرة والطيبة وبعض «الكيبوتسات» اليهودية، أو المدخل الذي يصل قلقيلية بمدن وقرى عربية مثل جلجولية وكفر برا وكفر قاسم. لكن حالة الازدهار هذه لم تستمر فأغلق المدخل الغربي الموصل الى كفار سابا بذريعة اندلاع الانتفاضة الأولى في العام 1987، ومنع الجميع - عربا ويهودا - من المرور عبره. غير أن التجار وأصحاب المنشآت لم يستسلموا لهذا الإغلاق، فنقلوا بضاعتهم إلى المدخل الشمالي، حتى وقعت «هبة النفق» في العام 1996، فأصيب هذا المدخل بشلل وكساد حتى انتفاضة الأقصى، حيث دمر بالكامل وأصبح أثراً بعد عين جراء تجريفه بجرافات الاحتلال. ولم يكن مصير المدخل الجنوبي أفضل من غيره، فقد ناله القسط الأكبر من التدمير والتخريب في انتفاضة الأقصى، حيث قدر الخراب بملايين الشواكل.
بعد إغلاق المداخل الثلاثة وتخريبها بالكامل، أصبحت أنظار التجار تتجه نحو المدخل الشرقي لتعويض خسائرهم الفادحة، وهذا المدخل يصل مدينة قلقيلية بنابلس، لكنه بعيد عن نقاط التماس مع المناطق الموجودة في داخل الخط الأخضر. وبناء عليه ما عاد من السهل تدفق المشترين من هناك، ليس بسبب بعد المسافة جغرافيا فحسب، ولكن بسبب الحواجز العسكرية أيضا. وفي النهاية، حالت مجمل الإجراءات الاحتلالية دون استثمار هذا المدخل من ناحية اقتصادية، وهو ما دفع العديد من التجار في قلقيلية الى وصف الحال التي هم عليها الآن بـ«البدو الرحل»، فقوات الاحتلال تغلق المدخل تلو الآخر، بل تهدم بجرافاتها المحال التجارية التي أقاموها في المنطقة بعد إغلاق وتدمير المداخل التي تربطهم بالمناطق في داخل الخط الأخضر.
يقول إبراهيم نزال، رئيس غرفة تجارة وصناعة قلقيلية: تعتمد قلقيلية اعتمادا رئيسيا على المتسوقين من فلسطينيي الداخل، ولذلك لحقت بتجار المدينة خسائر كبيرة بسبب إغلاق المداخل. والقوة الشرائية في أسواق المدينة تكاد تكون معدومة. كما أن هناك أكثر من 600 محل تجاري أغلقت ملفاتها في الغرفة التجارية جراء الحصار والجدار والحواجز العسكرية وممارسات الشرطة الإسرائيلية تجاه المتسوقين القادمين من خارج المدينة.


القطاعات الإنتاجية


يشهد القطاع الصناعي في قلقيلية خسائر كبيرة، نتيجة الإجراءات الإسرائيلية التعسفية على المعابر التجارية عند إدخال المواد الخام التي تشكل 90% من المواد المستوردة من الخارج. وقال نزال: تشكل المعابر الإسرائيلية العائق الأكبر أمام النمو الاقتصادي في محافظة قلقيلية، وفي زيادة التكلفة في المنتج بسبب النقل وعمليات التخليص، ونفقات نقل البضائع من المعبر الإسرائيلي إلى قلقيلية، كما تعاني مصانع المحافظة إشكاليات كبيرة في عمليات التصدير، بسبب إجراءات الاحتلال التعسفية. وللقطاع الزراعي شأن حيوي في اقتصاد قلقيلية، حيث يبلغ عدد المشاتل فيها 45 مشتلاً، تمثل 60% من مجمل المشاتل الزراعية في فلسطين، بالإضافة إلى 65% من مجمل إنتاج الشتول على مستوى فلسطين، وتشغل نسبة كبيرة من الأيدي العاملة من أبناء المحافظة.
وكان من أخطر آثار جدار الفصل في أهالي مدينة قلقيلية، مصادرة 20 ألف دونم من أخصب أراضيها المزروعة بالزيتون والحمضيات والفواكه والخضروات، المكشوفة أو المحمية. وقد رافق هذه الإجراءات منع مئات المواطنين من ممارسة أعمالهم الزراعية بسبب فقدان مساحات واسعة من أراضيهم لأغراض استيطانية، أو عزل أراضيهم خلف جدار الفصل العنصري، ومنعهم من الوصول إليها، أو بسبب فقدان المزارعين القدرة التسويقية، أكان ذلك في داخل المدينة بسبب تأزم الأوضاع الاقتصادية، أو خارجها نتيجة عدم القدرة على تصدير المحاصيل الزراعية بصورة طبيعية الى أسواق المدن الأخرى.


الأيدي العاملة


يبلغ عدد عمال قلقيلية أكثر من عشرة آلاف عامل، منهم 1900 يعملون في أراضي 1948 (داخل الخط الأخضر)، وثلاثة آلاف يعملون في المستوطنات بالضفة الغربية، وأربعة آلاف في السوق المحلية، إلا أنه، بالمقارنة مع عدد سكان المحافظة، فإن البطالة تراوح بين 30 35%، ما زاد من نسبة الفقر التي وصلت إلى أكثر من 60%، حسب آخر إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، التي أشارت إلى أن محافظة قلقيلية تحتل المرتبة الأولى على مستوى فلسطين من حيث ارتفاع نسبة البطالة.
تؤكد بلدية قلقيلية أن الخسائر الاقتصادية للقطاعات المختلفة في المدينة تصل إلى عشرات ملايين الدولارات تكبدتها نتيجة الحصار الاقتصادي الذي كان جدار الفصل العنصري السبب الرئيسي فيه. وبحسب تقديرات البلدية، فإن هذه الخسائر نجمت تحديدا عن مصادرة آلاف الدونمات الزراعية لبناء الجدار، أو إتلاف مساحات زراعية أخرى من دون مصادرتها، إلى جانب تدمير عدد كبير من الآبار الارتوازية وأحواض المياه في المنطقة. وكان لالتفاف جدار الفصل العنصري حول المدينة ومحاصرته لها من جهاتها الأربع أسوأ تأثير تسبب في تفاقم نسب الفقر والبطالة بين السكان. وأشارت البلدية في تقرير حديث لها، إلى أن من الصعب، في ظل عدم قدرتها على تنفيذ مشاريع تجارية واستثمارية وترفيهية في المناطق المصنفة «ج»، التي تشكل ما نسبته 60% من أراضي الضفة الغربية، تنشيط الوضع الاقتصادي داخل المدينة أو تحسينه. وأضاف التقرير: على الرغم من الاقتصاد السيئ، فإن أسعار الأراضي مرتفعة جدا مقارنة بمدن الضفة الغربية بسبب محدودية الأراضي في المناطق المصنفة «أ»، فقلة الأراضي جعلت شكل المدينة يبدو كالمخيم، وهي بالفعل من أكثر المناطق كثافة سكانية إذ إن مساحة المدينة البالغة 4,25 كم مربع يعيش عليها 50 ألف نسمة تقريبا. في ظل الحصار الإسرائيلي الخانق على قلقيلية، والذي طال مفاصل الاقتصاد كلها، دعا العميد ربيح الخندقجي، محافظ قلقيلية، المانحين إلى التحرك السريع لمواجهة هذه الأوضاع، مؤكدا أن المحافظة تسعى جاهدة لحل هذه الأزمة بجميع وسائل الضغط السلمية، عبر التخلص من تبعية الاقتصاد الفلسطيني للإسرائيلي، وتنظيف منتجات الأسواق الفلسطينية من المنتج الإسرائيلي وتشجيع الاستثمار الفلسطيني، وفتح آفاق جديدة في الصناعة والتجارة. فيما يرى خبراء اقتصاديون أن الحل الوحيد لمعالجة أزمة البطالة والكثافة السكانية يكمن في توسعة حدود المدينة، وتوسعة المخطط الهيكلي لها، وهذا لن يتم إلا من خلال إزالة جدار الفصل العنصري وخلق حالة من التواصل بين المدينة والقرى القريبة منها وتمكين المواطنين من الوصول الى أراضيهم الزراعية بحرية من دون أي قيود، إضافة إلى العمل الجاد على تشجيع الاستثمارات العربية والدولية في المدينة.


* صحافي مقيم في رام الله.