| 

«بعد الهبة الجماهيرية في 15 آذار 2011، والطريقة التي جوبه بها تحرك الشبان تجاه قضية الانقسام، تواصل النشاط المجتمعي والسياسي، لكن بوتيرة متراجعة، وفي لحظة ما أظن أن الشبان الفلسطينيين فقدوا الأمل في القيادة السياسية الفلسطينية، وأصبح هناك توجه للقضايا الشخصية بشكل أكبر، وانخرط أغلب الشبان الناشطين في مشاريع وفاعليات بعيدة عن الواقع السياسي والمجتمعي عامة».
هكذا قوّم الكاتب وسام عويضة، أحد الناشطين في أحداث 15 آذار 2011، الحراك الشبابي في غزة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، معتبرا أن الأمر متعلق بفقدان الثقة والأمل، وبخاصة أن كل طرف ينظر بعين الشك إلى التحركات الشبابية، ويتهمها بالميل إلى جهة غير جهته. وبيّن عويضة أن الناشطين الشبان كانوا، في أكثر من مناسبة، وتجاه أكثر من قضية، يجابهون بالتشكيك في أهدافهم، وأحياناً بالقمع والتشديد عليهم، ومن ذلك التحرك ضد قانون «برافر» الذي يهدد بمصادرة عدد كبير جداً من الدونمات في أراضي النقب لمصلحة الاحتلال، وتجريد أهالي النقب العرب من حقهم فيها.


المبررات كثيرة


على الرغم من العقبات الكثيرة، يرى عويضة أن إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني، وإصلاح أوضاع الأطر التمثيلية الأخرى للشعب الفلسطيني، وخاصة منظمة التحرير ومؤسساتها وأطرها النقابية والذهاب إلى الانتخابات تجدد شرعية النخب الحاكمة على أساس إشراك النخب الشابة في دائرة صنع القرار، هي أكثر القضايا إلحاحاً لدى الشبان.
منذ 15 آذار 2011، بات وسام عريضة يميل إلى العمل على مشاريع بعيدة عن الواقع السياسي، حيث أصدر مع مجموعة من الشباب «مجلة 28» الأدبية الثقافية المتخصصة، لكنه حتى في المرات القليلة التي حضر فيها لقاءات تخص أهدافاً عامة وجد كثيراً من المبررات التي جعلته يحجم عن الاستمرار، ومنها تكرار أخطاء تحركات 15 آذار نفسها، كالتحزب، وضيق الأفق، وعدم طرح حلول جديدة.
من جهتها، تتفق الصحافية عروبة عثمان، الناشطة في حملة «يا فلسطيني قاوم»، مع عويضة بشأن تراجع الإيمان بالحراك الشبابي والشعبي، مع إشارتها إلى وجود عدد لا بأس به من التجمّعات الشبابية العاملة على مختلف الصعد الحياتية. وشرحت عثمان: إن شعور الشبان بأن هناك سيفاً مصلتاً على رقابهم تشهره سلطتا رام الله وغزة، عزّز إيمانهم بعدم قدرتهم على صناعة التغيير، ولو جزئياً، جراء العوامل المحيطة، وجو الإحباط العام. ولو عقدنا مقارنة بين ما يجب أن يكون وما نعيشه فعلياً، فسنجد هوّة كبيرة.


شعاراتية وتنظير


اعترفت عثمان بأن الحراك الشبابي الغزاوي لم يجتز حدود الشعاراتية والتنظير لوجود عجز في نقل الأفكار والمبادئ والحلول الجذرية للأزمات، من حيز الترديد والهتاف إلى حيز التنفيذ والتطبيق، لافتة إلى أن الخوف من مسألة الصراع مع السلطة، يحصر النشاط والفاعليات في العالم الافتراضي ويؤجل الميدان إلى حين ميسرة. ثم تحدثت عن معاناة الشبان من الإنهاك والتعب جراء ضغط الحياة، وغياب فرص العمل، وعدم استقرار الأوضاع الأمنية «وهذا كله يشغل تفكيرهم بالبحث عن مخرج أكثر من التفكير بتحرير الأقصى وعودة اللاجئين وغيره»، وقالت إن حملة «يا فلسطيني تمرد»، التي اضطرت إلى تغيير اسمها إلى «يا فلسطيني قاوم» بعد أن اتهمها البعض باستنساخ تجربة «تمرّد» المصرية، ظناً منهم أنها تدعو لإسقاط حركة حماس وإسقاط جميع قوى الإسلام السياسي في الوطن العربي، جزء من هذه الحالة العامة، وقالت: حملة «يا فلسطيني قاوم» حملة شبابية خالصة، وبحكم الواقع الفلسطيني المرير لم يتمكن روّادها من الالتقاء على أرض واحدة، لذلك اضطروا إلى الاجتماع والانطلاق من الفيسبوك كثائرين على سلطتي غزة ورام الله، باعتبارهما العائقين الرئيسين في طريق الوصول إلى فلسطين من البحر إلى النهر، وقد لاقت الحملة ترحيباً معقولاً، لكن ليس بالشكل الذي كانت تتوقعه.


ديموقراطية في وقت الحاجة!


في السياق ذاته، قال الإعلامي في قناة «الكتاب» الفضائية إبراهيم أبو جياب، الذي قاد حملة إعلامية لمناصرة الأسير سامر العيساوي خلال إضرابه عن الطعام في شباط 2013 الماضي تزامنًا مع عيد العشاق «فالنتين»: الحراك الشبابي في قطاع غزة واضح في كثير من القضايا، ولكن غياب الشبان عن اتخاذ القرار السياسي يجعل من أي تحرك خبرا في وسائل الإعلام أو مجرد تعبير عن الرأي. وبلهجة غاضبة، أضاف أبو جياب: إن استخدام حكومة غزة للديموقراطية في وقت الحاجة، وعدم وجود ديموقراطية حقيقية، هو السبب الرئيس وراء تراجع دور الشبان في التغيير، أذكر أنني كوّنت تجمعا شبابيا لرفض زيارة الرئيس أوباما الأخيرة إلى رام الله، فاتصلت الشرطة بي وقالت إن التجمع الذي تشرف عليه ممنوع من العمل على الرغم من أنني تقدمت بطلب مسبق نال الموافقة. أنا لم أفعل شيئا، ومع ذلك خرجت تظاهرات عديدة رفضت الزيارة ولكنها كانت تظاهرات حزبية وليست شعبية. وأكد أبو جياب ضرورة توعية الشبان ورفع درجة إدراكهم لدورهم في المجتمع مع استيعاب طاقاتهم في مؤسسات المجتمع المدني التي يجدر بها أن تكون مركبا يقل طموحاتهم إلى بر الأمان، وكذلك التخلص من الإرث الحزبي، والعمل على إجراء مراجعات كاملة، مع الضغط على صناع القرار في أحزابهم من أجل إعادة إنتاج مؤسساتهم الحزبية بما يتلاءم مع هذا العصر.


ردة الفعل العشوائية


يرى الناشط الحقوقي أحمد العديني أن الحراك الشبابي في قطاع غزة كان ولا يزال يفتقر إلى التنظيم والتخطيط والتلاحم والتواصل والتنسيق بين التشكيلات والمجموعات الشبابية التي تتفاعل على الساحة الفلسطينية، موضحا أن «جميع التحركات مبنية على ردة الفعل العشوائية الفردية، وليس على العمل الجماعي المخطط والمنظم». ولفت العديني إلى ضعف التجربة السياسية بشقيها النظري والعملي، فبقدر ما يكون الحراك الشبابي ناضجا في خبرته السياسية بقدر ما يسهل عليه تحقيق أهدافه ودفع عجلة تقدم مطالبه إلى الأمام». واعتبر أن «تكالب السلبيات الأمنية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية شكل منظومة مدمرة لمعظم طاقات الشباب فأفقدهم القدرة على التحليل الموضوعي والتفكير المنطقي والوعي النقدي والعمل الجمعي، وزاد من السلبية والخوف والتردد والانسحاب والتواكل والتكاسل وعدم الثقة بالنفس أو القدرة على اتخاذ القرار في قيادة دفة الحراك الشبابي لمواجهة من يحرمونهم حقوقهم؛ بما في ذلك تعامل الأحزاب معهم على أنهم تابعون، وتخلي منظمات المجتمع المدني عن دورها».


بناء إطار تنظيمي


رصد العديني مجموعة العقبات التي تقف عائقا أمام نهضة الحراك الشبابي الفلسطيني، ومنها: انحسار دور الشبان في الحياة السياسية، وانصراف الأجيال الشابة الجديدة عن الأحزاب والحركات السياسية وضعف وجودهم فيها، فانخراطهم بانتظام في داخل تلك الأحزاب والحركات محدود جدا قياسا على الدور المنوط بهم، إضافة إلى تركيبة المجتمع الفلسطيني التي تقوم على تعزيز سيطرة الكبار وتنظر بعين الريبة إلى أي محاولة للتجديد والتغيير، وغياب الممارسة الديموقراطية في معظم مؤسسات المجتمع وغيابها أيضا عن المناهج التعليمية والتربوية، وضعف الاهتمام الرسمي بالشبان، وازدياد مستوى الفقر وارتفاع تكاليف الحياة، وانتشار التعصب وغياب ثقافة الحوار، وطغيان قيم العشائرية والقبلية على المواطنة، وارتفاع نسبة الشباب العاطلين من العمل. ووجه العديني رسالة إلى الشبان قال فيها: إن ما تحتاجونه كقوة ضاغطة هو بناء إطار تنظيمي قادر على استيعاب فاعليات عملكم وضبطها بدأب وإصرار، ولا أتحدث هنا عن حزب سياسي للشباب على الرغم من كونه حقا ومطلبا مشروعا لكم، لكن ليس خلال هذه المرحلة الحساسة التي تمر بها قضيتنا الوطنية، فالساحة الفلسطينية مثقلة بأحزاب سياسية أصابها المرض والتشرذم وفقدت ثقة الجماهير، ولكن ما أقصده هو إطار يجمعكم يتم فيه تأهيلكم وتوعيتكم وتنظيمكم ثم تفريغكم في شرايين الأحزاب كدماء جديدة وطاقات متجددة تعينها على مواجهة أخطائها ومعالجة أمراضها، وإعادة صوغها بما سيلقي بظلاله على واقع النظام السياسي الفلسطيني بأكمله ليعاد صوغه من جديد كمدخل أساسي وضروري للمساهمة في إحياء القضية الوطنية وإعادة تعريف المشروع الوطني، بما يضمن الحفاظ على مشروعنا النضالي وصولا للحرية والاستقلال.


صحافية فلسطينية مقيمة في غزة.