| 

انتشرنا كالجراد، بقمصاننا البيضاء وبناطيلنا الرمادية، على مداخل القاعة الكبرى وممراتها في جمعية الخريجين، بعد غروب شمس ذلك النهار. كانت تلك محطتنا الثالثة، بعد خروجنا من ثانوية خيطان ظهرا، ومرورنا بمكتب «فتح» في الجابرية.
سقط الشهيد في روما، دفن في بيروت، الحياة في الكويت هادئة، لا نرى فيها صخبا، سوى ما يصلنا من تعليمات ومهمات، وايقاع اقدامنا على الارض وهي تسابقنا نحو عالم «الرجال والبنادق» لغسان كنفاني، التي انتهيت من قراءتها قبل ايام، وترك عنوانها ايقاعا في المخيلة.
لم نلتق ماجد ابوشرار، ولم نسمع عنه كثيرا، كما هي حال رفاقه في القيادة الفلسطينية، لكنه كان يلاحقنا بنظارته الطبية، من الملصق المعلق على الجدار، وتحملنا العبارة المرفقة، مسؤولية اكمال مسيرته.
خرج السفير السعودي غاضبا بعد مهاجمة مندوب الجبهة الشعبية مشروع الامير فهد، وهتفت جموع الشبيبة في نهاية القاعة بعصبية. هل هتفت انحيازا للمشروع ام للهجوم على المشروع؟ هل ننحاز إلى الهتاف ام إلى المهمة؟ اسئلة تلد اخرى، لم أجرؤ على طرحها خشية من اتهامي بعدم المعرفة.
حين انفض الحفل، خرجت من القاعة بكتاب «الخبز المر» الذي أوردت اسمه احدى الصحف الكويتية مع خبر الاغتيال، وصورة لماجد استقرت الى جانب صور اخرى، لشهداء آخرين، على جدار غرفتي المتهالك.
من غابة الصور المعلقة على الجدار كان يطل ماجد، تأخذني قصصه الى عالم من البؤس والامل، إلى الموت الذي يهب الحياة للآخرين، على ايقاع ميولنا الفطرية للاتحاد السوفياتي والشيوعية التي آمن بها واحبها.
لفت انتباهي، انه انتهى من كتابة قصصه، قبل ان اولد، وتشظى مغادرا مواقعه، مع التحاقي بالتنظيم الطالبي.
اوحى لي ولعي بالشعر والادب، وشيوع التنظيرات والثرثرة بين الفلسطينيين في الكويت، بقدرة الجميع على العمل التنظيمي والعمل السياسي، اللذين لم اكن اتقن التمييز بينهما، وقلة الذين يكتبون قصصا واشعارا لفقراء الفلسطينيين والثورة.
مع اتساع وعي الخسارة، مر في الذهن سؤال عن الفراغ الذي تركه ماجد، وقدرة الباقين على ملئه، ولم يخل الامر من شعور بانني سأساهم يوما ما، في ملء هذا الفراغ.
منذ ذلك الحين، صرت اقرب إلى من يعيش بشخصيتين، احداهما غارقة بفيض الوطنية الفتحوية، واخرى تاسرها مقاربات اليسار الطفولي للتصنيف الطبقي، وبين هذه وتلك، تلبستني فكرة ان ابناء الفقراء وحدهم، الذين يقاتلون، وابناء الاغنياء لا يفعلون إلا الكلام واللهاث خلف «صرعات» الأزياء.
ما عادت تغريني قراءة النشرات والمجلات والكراسات التي كنا نتداولها في اجتماعاتنا، ورحت اقرأ ما تقع عليه يداي من منشورات اليسار مثل «الحرية» و«الهدف» و«الطليعة» الكويتية، وادبيات الحزب الشيوعي الفلسطيني، الا ان الانحياز التنظيمي لفتح ورصاصتها الاولى، كان كافيا للجمع بين بدايات الوعيين الطبقي والوطني.
كنت القيت كتبي المدرسية ذات ظهيرة على احد مقاعد موقع الحراسة الخلفي في مكتب فتح، ورحت اتفحص مسدس الـ«14» كما كنا نسميه، لأبدأ نوبتي، حين لمحت بضعة اوراق مصورة القيت باهمال على احد المقاعد. وقد تبين لي حين اقتربت منها انها نص محاضرة القاها ماجد امام الطلبة الدارسين في الباكستان، خلال دورة عسكرية في جنوب لبنان .
وعلى الرغم من اهمية تحليله السياسي، لم اتوقف كثيرا عند اسهاب ماجد في الكلام على مرحلة انقضت، وتعددت الروايات عنها.
الا انني التفت إلى عبارته عن المقاتل الذي «يحمل بندقيته في يده... وظهره الى الحائط... ولا يرى من العالم الا قضيته» كان لها وقعها الى الحد الذي تخيلتني المعني الاول بها.
رايتها جسرا لتجسيد الالتزام بالشعب وقضيته، وصدق الانتماء، من دون معزوفات بلهاء، تتردد بمناسبة وغير مناسبة.
صارت عبارة ماجد مع الوقت قيمة مشتقة من منظومة مفاهيم اولية، تشكل ارضية وعي الفتى الذي كنته .
منذ ذلك الحين، تراودني الرغبة في الالتفات الى الخلف بحثا عن الجدار الذي صار اقرب الى المرآة، حينما تخطر في البال فكرة الانحياز إلى القضايا العادلة، وما اكثرها، في عالم الهرم المقلوب على راسه، وادرك اليوم اكثر من اي وقت مضى، كم كان ماجد المثقف قادرا على النفاذ، إلى عقول مستمعيه وايصال فكرته.
قادتنا بوصلة ماجد، الذي استقر فينا ضميرا، الى قلب دوامة التغيير الذي هبت رياحه من دمشق والبقاع، محمولا بنيات الاصلاح الطيبة، وانتهى إلى انشقاق دموي، تأكّل مع الزمن وتحوّل الى ذكرى مؤلمة.
قاد تلك الحركة الاقرب الى ماجد، والاكثر قربا لليسار، الذي تسلل الى وعينا، في غفلة اليمين، وصار نهجا. لم نسأل يومها اي موقف سيتخذه ماجد لو كان حيا، فقد ساهم حضوره الملتبس في اندفاعنا غير محسوب النتائج، ومساهماتنا البائسة، التي تحولت كرة ثلج جرفتنا الى دوامات الخطيئة.
حين بحثنا عن الجدار، في غمرة قصف المخيمات، وجدناه على الجانب الاخر، لندرك المنزلق الذي وقعنا فيه، ونكتشف باننا اضعنا البوصلة، وبتنا مطالبين باعتذار للاهل والشعب والثورة المغدورة.
كانت مناسبة اخرى لنكتشف، كم كنا بحاجة اليه، واي صفعة وجهها إلينا الموساد في ظرف استثنائي، بتحويله ماجد الى اشلاء مبعثرة، في احدى غرف روما.
افضى بنا اكتشافنا المتأخر، الى اكتشافات اخرى , تنبش في عصب النوستالجيا، مقالة لم نعرف عنها, محاضرة القاها ولم نطلع على ما فيها، روايات للذين عرفوه عن قرب، او التقاهم في الساعات الاخيرة التي سبقت استشهاده.
تشظى ماجد الفكرة، والجدار، والمرآة، صار علينا ان نبحث عن شظاياه فينا لنجدها، مرة بندقية نواصل بها مشروعه، واخرى حربا من اجل قرار مستقل، او انحياز للمحرومين.
غادرنا زمن الفصائل الى غير رجعة، لتتقاذفتنا دروب الصحافة والادب، وفضاءات الاسئلة، وما زال مذاق ذلك الخبز يتملكني, وتسكنني تلك العبارة.
ارى العالم قضايا مركبة، قابلة للتفكيك واعادة التركيب، بادوات المنهج العلمي الذي استخدمه ماجد يوما ما، ابحث عن جدران تصلح للاتكاء، ولا اجد غير جدار يتلوى كالثعبان على جسد الضفة .
غيبة الجدران التي ابحث عنها, امام حضرة الجدار النصل، يكفيان لايصالي الى اننا كنا فاصلة بين زمنين، وان معارك الزمن الجديد، التي تنتظر اجيالا اخرى من الفلسطينيين، تخاض بظهور مكشوفة، وصدور عارية .


كاتب وصحافي من الاردن.