| 

لقلقيلية خصوصية تميزها من بقية المدن، ليس لقربها الجغرافي من الخط الأخضر فحسب، وليس لأنها «موطن الجوافة» أو المدينة المحاصرة بالكامل بجدار الفصل العنصري التي تشهد أعلى نسبة استيطان في الأراضي الفلسطينية، بل لأنها «أنجبت» شخصيات شكلت علامات فارقة في التاريخ الفلسطيني.
من أبرز هذه الشخصيات، الشهيد أبو علي إياد، واسمه الحقيقي وليد احمد نمر نصر الحسن، وهو من مواليد قلقيلية عام 1935. وقد أتم أبو علي إياد تحصيله الثانوي في قلقيلية، وحاز شهادة «المترك» (المتروكوليشن) في عام 1953، ثم عمل مدرسا لفترة وجيزة في مدارس قلقيلية وعزون. وبعد ذلك أنهى دورة تدريبية لإعداد المعلمين في بعقوبة في العراق عام 1954، وسافر إلى المملكة العربية السعودية ليعمل مدرساً منذ عام 1954 وحتى 1962. وفي عام 1962، وفور إعلان استقلال الجزائر، انتقل إليها ليعمل مدرساً ويسهم في حركة التعريب في هذا البلد العربي، وهو الذي انضم إلى العمل الثوري الفدائي منذ الإعلان عن انطلاق الثورة الفلسطينية في الفاتح من كانون الثاني 1965. وكُلّف في عام 1966 مهمة الإعداد للعمليات العسكرية في الأرض المحتلة انطلاقاً من الضفة الغربية، وأسهم في هذه الفترة مع الرئيس الراحل ياسر عرفات (أبو عمار) في تجنيد كثير من أبناء فلسطين لحركة فتح .
في هذه الفترة النضالية قاد أبو علي إياد، الهجوم على مستوطنة «بيت يوسف» في 25/4/1966، وكان هذا الهجوم، باعتراف قادة الاحتلال، من أعنف ما تعرضت له المستوطنات اليهودية حتى ذلك التاريخ. وفي الفترة ذاتها، قاد عمليات عدة، منها الهجوم على مستوطنات «هونين» و«المنارة» و«كفار جلعادي» وغيرها. وفي عام 1966، غادر أبو علي إياد إلى سوريا، ليقوم هناك بتدريب قوات العاصفة، لا سيما مجموعات الأشبال ورعايتهم في إطار الثورة الفلسطينية المسلحة.
في سوريا، وبالتحديد في معسكر الهامة المشهور، أصيب أبو علي إياد، اثر انفجار لغم في أثناء التدريب في إحدى عينيه وفي ساقه، التي استعاض عنها بعصاه التي ما زال لها ذكريات عند رفاقه الفدائيين. وعاد أبو علي إياد إلى الأردن عقب حرب حزيران 1967، وأوكلت إليه مهمة قيادة القوات الفلسطينية في عجلون، حيث نفذ خلال فترة وجوده في الأردن عمليات عسكرية عدة عبر نهر الأردن استهدفت معسكرات الاحتلال ومستوطناته. وفي 27/7/1971 استشهد أبو علي إياد في أحراج جرش وعجلون. ومن الألقاب التي أطلقها الرئيس «أبو عمار» عليه «عمروش فلسطين»، (وعمروش بطل من أبطال الثورة الجزائرية). وكان اللقب محبباً إلى قلبه شأنه شأن اللقب الآخر «بطل الجبل»، وهو الذي انتخب عضواً في اللجنة المركزية لحركة فتح في المؤتمر الثاني للحركة مع انه كان موجوداً خلال المؤتمر في المستشفى، كذلك كان عضواً في القيادة العامة لقوات العاصفة.


أعلام الصحافة


اشتهرت قلقيلية بأعلامها في الصحافة، ومنهم إبراهيم الشنطي (1910 1979)، نجل يحيى الشنطي، الذي انتقل في بداية القرن الماضي إلى مدينة يافا للعمل فيها كتاجر للبرتقال. وإبراهيم الشنطي ولد في مدينة يافا، وتلقى دراسته الابتدائية في مدرسة دار العلوم فيها، قبل أن ينهي دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث نال الإجازة في العلوم السياسية عام 1932. وكان في اثناء دراسته الجامعية عضوا في جمعية العروة الوثقى، قبل أن ينضم إلى حزب الاستقلال بعد عودته الى فلسطين، حيث راح ينشر المقالات في جريدة «الجامعة الإسلامية» تحت عنوان: «حديث الشباب»، فيما أصدر في شباط 1934 جريدة «الدفاع»، وركز فيها على مهاجمة الاستعمار البريطاني.
وبادر إبراهيم الشنطي، اثر إعلان الاضراب العام في فلسطين عام 1936، إلى تأسيس الحرس الوطني، فاعتقلته سلطات الاحتلال البريطاني، وأودعته سجن عوجاء الحفير في النقب. عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية لزمت جريدة «الدفاع» جانب الحياد تجاه الأطراف المتحاربة. وفي ما بعد استقر الشنطي في القاهرة حيث أصدر في سنة 1953 مع أسعد داغر جريدة «القاهرة» التي استمرت في الصدور حتى عام 1957، حيث عاد إلى القدس ليتابع الكتابة في جريدة «الدفاع»، التي كانت قد عادت إلى الصدور في عام 1950. وبعد احتلال عام 1967 غادر القدس إلى عمان، حيث أعاد إصدار جريدة «الدفاع»، ثم انتخب في سنة 1969 نقيبا للصحافيين الأردنيين، إلا أن «الدفاع» توقفت عن الصدور في حزيران 1971 بقرار من الحكومة الأردنية. وتوفي الشنطي في عمان في 15/4/1979، ودفن فيها .
أما أكرم شريم، المولود في قلقيلية عام 1943، والذي نزل دمشق منذ عام 1948، حيث تلقى تعليمه فيها ثم انتسب إلى جامعتها وحصل على البكالوريوس في آداب اللغة العربية، فقد بدأ حياته العملية في مجلة «الطليعة» الدمشقية عام 1965، ثم انتقل إلى دار البعث وتابع عمله الصحافي فيها حتى عام 1980. ولشريم شأن بارز في تعزيز الحضور الفني للفلسطينيين في المنفى، حيث أنشأ المسرح الوطني الفلسطيني في دمشق عام 1972، وعرضت له فرقة هذا المسرح مسرحية «حكاية هذا الحي» في كل من دمشق وبغداد. ويعد شريم من كتّاب القصة القصيرة والمسرحية وأدب الأطفال، وكذلك الدراما التلفزيونية، حيث أخرج للتلفزيون العربي السوري عدداً من المسلسلات، أبرزها «أولاد بلدي» عام 1972، ثم «تجارب عائلية» و«حب واسمنت»، وأخيراً «أيام شامية» الذي حظي بشهرة عربية واسعة.
من بين مؤسسي الصحافة الفلسطينية الشيخ عبدالله القلقيلي الذي أنهى دراسته الابتدائية في مدرسة بلدته الحكومية، وفي عام 1912 قصد مصر والتحق بالأزهر ونال الشهادة الأهلية، ثم التحق بكلية الآداب بالجامعة المصرية. وفي عام 1919 عاد إلى فلسطين، وعين مدرسا للدين واللغة العربية وآدابها في المدرسة العامرية، كما عمل مدرسا للغة العربية وآدابها في مدرسة الفرير في القدس. في عام 1925 أصدر جريدة «الصراط المستقيم»، وظلت تصدر حتى نكبة عام 1948، حيث لجأ إلى دمشق، وعمل مدرسا في ثانوية درعا، ثم مدرساً في إحدى مدارس الحكومة بدمشق، بينما واظب على نشر المقالات في جريدة «الكوكب» بمصر، وجريدة «ألف باء» لصاحبها يوسف العيسى، كما أسند له منصب الافتاء وظل يشغله إلى أن تقاعد سنة 1967. ومن الصحافيين الفلسطينيين محمد القلقيلي، المتخرج من جامعة الأزهر، والذي شغل منصب رئيس بلدية قلقيلية لسنوات، بعد أن كان تتلمذ على الشيخ الأمام محمد عبده. وقد أصدر القلقيلي جريدة «الكواكب» في القاهرة، عام 1916، واستمرت حتى عام 1919، وكان يكتب فيها عددٌ من أعلام الصحافة المصرية والعربية بينهم: أحمد شاكر الكرمي وعادل زعيتر ومحمد علي الطاهر وأمين سعيد، وسليمان التاحي الفاروقي وحنا خليل دكرت، واسكندر الخوري البيتجالي، وخليل بيدس، صاحب أول رواية فلسطينية بعنوان: «الوارث».
في الإطار نفسه، تأتي مسيرة الصحافي هاشم السبع، الذي أصدر جريدة «الصريح»، في الأردن. وهو من مواليد قلقيلية عام 1912، وتلقى تعليمه الابتدائي فيها، قبل أن يلتحق بمدرسة النجاح الثانوية في نابلس، التي كانت في ذلك الوقت مشعلاً للنضال ومنطلقاً للثورة، وفيها ظهرت إبداعاته الإنشائية والخطابية، حيث بدأ يكتب مقالاته الصحافية الأولى، ونشرت له صحيفتا «فتى العرب» و«ألف وباء» السوريتان باكورة أعماله. وقلقيلية التي اشتهرت ببيارات البرتقال، اشتهرت أيضاً بأنها منبع الصحافيين أمثال محمد القلقيلي صاحب جريدة «الكوكب» المصرية، وأيوب صبري محرر «الوطن» المصرية، وإبراهيم الشنطي صاحب جريدة «الدفاع»، وعبد الله القلقيلي صاحب «الصراط المستقيم»، إضافة إلى الصحافي هاشم السبع صاحب «نداء الأرض» و«الصريح». وفي السنوات الأولى للانتداب البريطاني، شارك هاشم السبع بنفسه وبقلمه في فعاليات الثورة التي تمثلت في التظاهرات والاحتجاجات، وكان في تلك الفترة معجبا بشخصية الثائر الفلسطيني المعروف باسم «أبو جلدة»، حيث ساهم في تقديم العون له بالمال والسلاح، ولكن هذا التأييد أدى إلى اعتقاله في سجن عكا ليخرج بعد ذلك بكفالة بسبب حداثة سنّه، وبعد خروجه من السجن شارك في المؤتمرات الطالبية التي عقدت في القدس وحيفا ويافا، فألقي القبض على بعض قادة الطلبة، وهرب إلى سوريا، وهناك ألقي عليه القبض وأعيد مقيّداً إلى قلقيلية.
في عام 1934 توجه إلى يافا ليعمل في سلك التعليم، حيث عمل في البداية معلما في مدرسة النهضة الإسلامية، ثم أسس مدرسة الفلاح، التي زارها بعد شهور الأديب والمؤرخ مصطفى الدباغ لتقديم المدرسة ومنح الترخيص لها، وحدث أن سأل أحد التلاميذ عن أعظم رجل في العالم، فأجاب التلميذ دون تردد «أبو جلدة»، عند ذلك توجه الدباغ إلى هاشم السبع قائلا وبروحٍ ساخرة: «يبدو أن تلاميذك يعرفون التاريخ جيداً يا أستاذ هاشم»، وأُغلِقت المدرسة بعد هذه الحادثة. وترك السبع التعليم، الذي لم يلب طموحاته المتأججة، وعاد إلى الصحافة من جديد، وأصدر مع مسعود جميل وأكرم الخالدي ونجيب فرنجية صحيفة «الحرية»، كما أصدر مع مسعود جميل مجلة «نداء الأرض». وأصدر بعدها منفردا مجلة «الصريح». وظلت الصريح تصدر في يافا أولا ثم في جنين إلى أن حدثت النكبة عام 1948، فتوقفت حتى عام 1951، ثم عادت إلى الصدور بعد أن عاد من القاهرة.
اعتقل السبع مرات عديدة في سجن صرفند عام 1936 وعتليت عام 1937 وسجن القلعة في القدس عام 1949. وقد كتب عن حياته في كتابه «ذكريات صحفي مضطهد»، قبل أن يتوفى عام 1957.
بعيدا عن عالم الصحافة، حظي الشيخ أحمد الداعور، من قلقيلية، وهو من متخرجي الأزهر، بشهرة واسعة لأنه كان مسؤولاً عن فرع حزب التحرير المحظور في الأردن، حيث ألقي القبض عليه عام 1969، بعد محاولة الحزب الاستيلاء على الحكم، وحكم عليه بالإعدام ثم ألغي الحكم. والشيخ الداعور عايش ثورة 1936، وعايش حربي 1948 و1967، وهو من مواليد عام 1909، والتحق بالأزهر عام 1930، وتخرج بالشهادة العالمية في الأزهر عام 1934، والتقى هنالك الشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير.
ترشح الداعور للانتخابات النيابية إبان الحكم الأردني للضفة الغربية، في عام 1954، وفاز بالنيابة عن منطقة طولكرم وقلقيلية، ثم ترشح للانتخابات عام 1956، وفاز فيها قبل أن يلقى عليه القبض ويحكم بالإعدام اثر انكشاف محاولته الانقلاب على الحكم الأردني عام 1968، قبل صدور عفو خاص عنه من الملك الحسين بن طلال عام 1971، وتوفي عام 2001.
من الشخصيات البارزة أيضا في قلقيلية، شخصية نسوية كان لها حضورها الفاعل، وهي نائلة هاشم صبري، المولودة عام 1944، وهي كاتبة، ومن أعمالها: «ومضة في ظلام» (1972)، و«فلسطينية سأبقى» (1979)، و«كواكب النساء» (1978)، و«هذه أمتي» (1980).
ليس من السهل حصر الشخصيات «القلقيلية» المؤثرة في التاريخ الفلسطيني المعاصر، ولكن تمكن الإشارة إلى الكاتب والمناضل ممدوح نوفل الذي ولد في قلقيلية عام 1944، وتلقى علومه الابتدائية والثانوية فيها ثم التحق بدار المعلمين وعمل مدرسا في مدارس الضفة الغربية. وانخرط في العمل الحزبي والسياسي مبكرا، فانتمى إلى حركة القوميين العرب في سنة 1961.
ترك نوفل التدريس بعد هزيمة حزيران 1967، والتحق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وساهم في تأسيس الجناح العسكري للجبهة في الأردن العام 1968. ثم انشق على الجبهة وساهم في تأسيس الجبهة الديموقراطية، في شباط 1969، وتولى قيادة قطاع عسكري فيها، كما تولى مهمة قائد قواتها العسكرية من عام 1972 وحتى 1988، وكان عضوا في لجنتها المركزية ومكتبها السياسي.
غادر نوفل لبنان إلى تونس في أيلول 1988، وساهم في تأسيس الاتحاد الديموقراطي الفلسطيني «فدا»، قبل أن يعود إلى الضفة الغربية عام 1996، حيث عيّن عضوا في المجلس الأعلى للأمن القومي الفلسطيني، ومستشارا للرئيس عرفات للشؤون الداخلية إلى أن توفي في سنة 2006 في الأردن.


صحافية فلسطينية تقيم في رام الله.