| 

وصل الأمر بسلطات الاحتلال الى أنها منعت الشقيق من زيارة شقيقته، أو الابن من زيارة والديه، في عيد الفطر «السعيد»، بذريعة عدم الحصول على التصاريح اللازمة، قبل تدخل جهات فلسطينية لدى سلطات الاحتلال لتسمح لمثل هذه الحالات بالدخول إلى منطقة ما لثلاث ساعات ما بين الحادية عشرة صباحاً والثانية ظهراً من يوم العيد الأول فقط! يحدث ذلك في الجزء الجنوبي من قرية عزون عتمة، قرب قلقيلية، حيث تفصل البوابة الجنوبية تسع عائلات تتألف من قرابة الثمانين شخصاً، بينهم 25 طفلاً و4 مسنين فوق الثمانين، عن بقية القرية، أي عن ذويهم وأقاربهم، إضافة إلى المصانع والورش التي باتت معزولة أيضاً، ونراها تحتضر. وهذه ليست الحادثة الأبرز في عزون عتمة، التي فك الحصار جزئيا عنها قبل ثلاثة أعوام، ولا تزال تعاني بوابات عدة تقطِّع أوصالها منذ سبعة أعوام، لكن الجزء الجنوبي منها لا يزال تحت حصار بوابة يصفها عبد الكريم أيوب، أحد المعزولين خلفها، بـ«بوابة القهر والقتل والموت».
يكشف أيوب، وهو سكرتير المجلس القروي لعزون عتمة، أن إدخال كرتونة بيض من دكان عزون عتمة الواقع خارج البوابة التي تعزلهم عن بقية القرية، قد تحتاج إلى مفاوضات تستمر ساعات. ويقول: يعني إذا كنت أنا أو أي من أبنائي، نرغب في إدخال كرتونة بيض إلى منزلنا صيفاً ستتلف تحت أشعة الشمس قبل الحصول على إذن بإدخالها. ويضيف: أما إدخال اسطوانة غاز إلى المنزل فيتطلب تدخل الارتباط الفلسطيني في كثير من الأحيان، وهو الجهة المتخصصة بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي في هذه الخصوص، وأحياناً تتدخل مؤسسات حقوقية دولية وحتى إسرائيلية لحل المسألة، مشيراً إلى أن «المفاوضات تدور بين هذه الأطراف، وبيننا وبين جنود الاحتلال أيضاً، إلى تتجاوز أحياناً ما يزيد على عشر ساعات، لإدخال جرة الغاز»!
يؤكد أيوب أنه وبقية الثمانين فرداً بحاجة إلى تصاريح للخروج والعبور من منازلهم وإليها، أما الأطفال فإنهم بحاجة إلى نسخة مصورة عن هوية آبائهم وتصاريحهم، وأحياناً يصر الجنود على الهوية الأصلية للأب، وهو ما يحول دون توجه كثيرين منهم إلى المدارس، بل إنهم يفتشون حقائب الطلاب والطالبات من الأطفال واليافعين كل يوم مرتين في رحلتي الذهاب والإياب.
ويشير إلى تعذر عبور أي زائر إليهم من دون تصريح، حتى لو كان مسؤولاً في السلطة الفلسطينية، أو دبلوماسياً، أو حتى لو كان سياسيا أجنبيا بارزا. ويقول: إنهم يضيقون علينا كسكان ومنشآت لترحيلنا من جنوب عزون عتمة، لأن الثمانين شخصاً أو أقل بقليل هم من يحمون ثلاثة آلاف دونم من المصادرة.


شهادة وفاة!


يقول أيوب: منذ أكثر من سبع سنوات ونحن نعاني، فنحن في سجن بعد العاشرة مساء، وفي حال أغلقت البوابة الرئيسة التي فتحت قبل أشهر فقط، تبات كل عزون عتمة، وليس جزؤها الجنوبي فقط محاصرة من جميع الجهات ما بين جدار وأسيجة المستوطنات، حيث مستوطنات «أورنيت» و«شعاري تكفا» و«الكانا» تحيط بالقرية التي أقيمت على أراضيها، وتحطم جميع أشكال الحياة فيها، وتعد بمثابة «شهادة وفاة» لهذه القرية الزراعية البسيطة بعد أن حاصرتها وانتزعت معظم أراضيها. هذه المستوطنات باتت تشكل حدود القرية الثابتة التي تمنع أية عملية توسع في البناء، وتسببت ببناء جدار الفصل العنصري الذي يحيط بالقرية من الجهات الأربع بذريعة توفير الحماية الأمنية للمستوطنين، فأصبحت البلدة سجناً يفتح ويغلق من خلال البوابات. والكارثة في البوابة الجنوبية لعزون عتمة، أنها تعزل القرية عن أراضيها الزراعية، وتعزل قرابة الثمانين شخصاً خلفها. وخلال زيارتنا إلى حيث تقع البوابة المقيتة، وحيث رفع الجنود أسلحتهم تجاهنا وطالبونا بعدم التصوير، و«إلا»..! كان الستيني على قادوس، يغادر منزله عبر البوابة باتجاه بقية القرية، وهو يتمتم، وكأنه يشتم ويلعن ما آلت إليه الأمور قبل أن يقول: ممنوع إدخال الطحين والسكر والخبز والبيض والغاز، وممنوع على أولادي القاطنين في القرية الوصول إلى المنزل الذين ولدوا فيه. بإمكانكم تخيل مثل هذه الأوضاع التي لربما لا تحدث إلا هنا! ولقادوس تسعة أبناء خارج البوابة، أربعة منهم حصلوا على تصاريح، ويزورون والديهم بعد الخضوع لتفتيش مذل كجميع الراغبين في العبور إلى الجهة المعزولة من عزون عتمة، أما الخمسة الآخرون فإنهم ممنوع من الوصول إلى بيت العائلة، تحت ذرائع أمنية مختلفة، والغريب أن بعضهم يقيم خارج البلاد، ويأتي مرة كل عامين أو ثلاثة، ومع ذلك يمنع من الوصول إلى بيت العائلة.
يكشف قادوس أن الثمانين شخصاً محاصرون بين بوابتين: البوابة الجنوبية التي تفصلهم عن بقية القرية، وبوابة أخرى باتجاه الجنوب، تفصلهم عن مئات دونمات معزولة خلفها، ويتطلب الوصول إليها، تصاريح تختلف عن التصاريح التي تمكنهم من الوصول إلى المنازل والأراضي المعزولة خلف البوابة الجنوبية الأولى!


جدران وثلاث بوابات


يقول النائب في المجلس التشريعي عن قلقيلية، ووزير الزراعة، وليد عساف: المحاصرون خلف البوابة الجنوبية يعانون مرارة ما بعدها مرارة، فإدخال كسرة خبز إلى منازلهم يحتاج إلى ساعات من التفاوض مع الجنود، بل إن الأطفال والنساء والشيوخ يتعرضون لتفتيش مذل أحياناً وهم يغادرون منازلهم، أو يدخلون إليها، إضافة إلى فقدان «الأمان الصحي»، فقد قضى عدد منهم بسبب تعنت جنود الاحتلال، ورفضهم خروج بعض المرضى إلى سيارة الإسعاف التي كانت تنتظرهم في القرية. هناك أيضاً معاناة طلبة المدارس، والمزارعين الذين يحتاجون إلى تصاريح للوصول إلى أراضيهم، وان من يحالفه الحظ بالحصول على تصريح يقضي نصف يومه على البوابة الجنوبية المقيتة. إنهم في معازل بكل ما تحمل الكلمة من معنى. وهناك جدار آخر خلف منازلهم، بمعنى ثمة ثلاثة جدران، بثلاث بوابات في عزون عتمة. ويضيف عساف: هناك ضغط كبير على سكان المنطقة الجنوبية، وعموم عزون عتمة، لإفراغ أراضيهم من سكانها، وتسهيل مهمة ضمها للمستوطنات المحيطة، كاشفاً عن أن إحصاءات فلسطينية تشير إلى هجرة أكثر من 13 ألفاً من سكان محافظة قلقيلية في السنوات الثماني الأخيرة، إلى محافظات أخرى في الضفة الغربية، أو خارج الأراضي الفلسطينية.
يروي سكان المنطقة الجنوبية في عزون عتمة حكايات مأساوية عدة، من بينها وفاة شاب قبل عامين جراء مماطلة الجنود على البوابة في فتحها لنقله إلى المستشفى بعد أن أصيب جراء انقلاب جرار زراعي ما بعد العاشرة مساء. فقد أصيب بجراح بالغة وبقي لساعات أمام البوابة، بينما كان الأهالي يتوسلون الجنود من أجل فتحها، لكنهم ماطلوا طويلاً، فتوفي في مستشفى بقلقيلية بعد ساعات من المماطلة. ومن الحكايات التي يرددها الأهالي، احتجاز عريس وضربه وتكبيل يديه بعد احتجاجه على قيام جنود الاحتلال الإسرائيلي بتفتيش عروسه لدى مرورها عند البوابة وهي في فستان زفافها.


طلبة المدارس


يؤكد عزمي صدقين رئيس المجلس القروي لعزون عتمة «أن المعاناة الأكبر من نصيب طلبة المدارس الذين يمرون كل يوم عبر البوابة، ويضطرون الى فتح حقائبهم وتفتيشها، وكذلك بالنسبة الى المعلمين الذين يحملون تصاريح خاصة ويضطرون لمعايشة هذا المشهد يومياً». ويشير صدقي إلى وجه آخر لمعاناة طلبة المدارس ويتمثل في المياه العادمة التي تخلفها مستوطنة «شعاري تكفاه» والتي تنساب إلى ساحة المدرسة باستمرار، ويقول: مياه المجاري تنساب وتدفق على المدرسة بشكل متقطع ومتكرر مما يؤثر سلباً على سير العملية التعليمية في المدرسة، حيث لا يتمكن طلبة المدرسة من التحرك أو ممارسة النشاطات المختلفة بسبب تلك المياه ذات الروائح الكريهة. ويلفت إلى أنه قبل أسبوعين بدأ فصل جديد من المعاناة، حيث أخرت قوات الاحتلال توقيت فتح بوابات جدار الفصل العنصري من الرابعة والثلاثين دقيقة فجراً حتى الخامسة والثلاثين دقيقة، ما يعيق حركة المزارعين والعمال ويحدث تكدساً بشرياً عند البوابة، وسط فصول طويلة من الإذلال على هذه البوابات، وبخاصة الجنوبيتين الأولى والثانية.


استيطان ومصادرة أراض


وفق إحصاءات رسمية لمحافظة قلقيلية، فإن مساحات شاسعة من أراضي المحافظة صوردت لمصلحة المستوطنات، وبخاصة تلك القريبة من الخط الأخضر، بين الأراضي الفلسطينية المحتلة بين العام 1967، والأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1948. ويبلغ عدد المستوطنات والبؤر 22 مستوطنة وبؤرة، يقطنها 29274 مستوطنا، ويبلغ مجموع مساحة المستوطنات 177 دونماً، بينما يبلغ مجموع مساحة القواعد العسكرية الإسرائيلية 27 دونماً. ومع احتلال العام 1967، ملأت المستوطنات والمعسكرات والطرق الالتفافية أراضي قلقيلية، بحماية وتسهيل من قوات الاحتلال، ويشاهد تجمع مستوطنات «شمرون» و«قدميم» في محافظة قلقيلية، وهي تخنق البلدات والقرى وتعصرها، وتحرم الفلسطينيين من مياههم، بل وتزكم الأنوف الفلسطينية بالهواء الملوث والروائح النتنة، وتنهك الجسد الفلسطيني بالأمراض والأوبئة، وتحول البيارات والكروم والمزارع والمحميات الطبيعية إلى مكاره صحية، والمزارع الفلسطيني إلى عامل نفايات وحطاب بعد تحطيم فأسه ومحراثه.
أما عن الجدار العنصري، فقد أوضحت الإحصاءات أن طوله القائم يبلغ 47331 مترا، والطول المخطط له 44742 مترا، وأن مساحة المناطق المعزولة بفعل الجدار 6244 دونماً. ففي محافظة قلقيلية يشكل ما اقتطعه الجدار منها حوالى 12% من حجمها الكلي، وعليه تم عزل 20 ألف دونم من أراضيها الخصبة والمزروعة بشتى أنواع المزروعات. أما عدد الآبار المعزولة من محافظة قلقيلية، فيبلغ 22 بئرا، طاقتها الإنتاجية (2,361,000 مليون كوب) سنوياً، فيما بلغ عدد المزارعين المتضررين 10 آلاف مزارع قابلين للزيادة، وبخاصة بعد أن تم تدمير أكثر من 35 ألف متر من أنابيب شبكة الري الرئيسة للزراعة، وتجريف 10 آلاف دونم زراعي، وتم اقتلاع 83 آلاف شجرة زيتون من الرومي والمعمر وأشجار الحمضيات، وفق إحصائيات محافظة قلقيلية. واللافت في ظاهرة الاستيطان في محافظة قلقيلية، كما يقول الناشط في قضايا الاستيطان محمد زيد، أن عدد المستوطنات والمستوطنين قارب على التساوي مع البلدات والقرى وعدد الفلسطينيين في المحافظة. وأضاف: عدد المستوطنات بين كبيرة وصغيرة يفوق 25 مستوطنة، بينما عدد البلدات والقرى في المحافظة 33 بلدة وقرية وخربة، وعدد المستوطنين يزيد على 85 ألف مستوطن، وعدد سكان المحافظة حسب الإحصاء الأخير يبلغ 91 الف مواطن. ويوجد في المحافظة مستوطنات مثل «الفيه منشه» و«كدوميم»، ويفوق عدد سكانها بلدات عريقة من حيث القدم، مثل حبلة وعزون عتمة.
يتابع زيد قائلا: كما أن المنشآت الصناعية في المستوطنات وقدرتها الإنتاجية تفوق جميع التجمعات الفلسطينية، فالتجمعات الفلسطينية تعيش الفقر في كل مقومات الحياة بينما المستوطنات يراعى فيها النمو الطبيعي والمرافق العامة، وأقيمت فيها معاهد دراسية كما هو الحال في مستوطنة «كدوميم» التي تمتد في جميع الجهات وقرية كفر قدوم التي أقيمت على أراضيها، ويناضل أهلها من أجل فتح المدخل الرئيسي للتواصل مع العالم الخارجي.