| 

خارج الفعل السياسي المباشر، قريباً من السياسة بمفهومها العام، نشأت حراكات اجتماعية ثقافية جديدة في الضفة الغربية. وإذا كانت السياسة بحكم التعريف هي إدارة توزيع القوى في مجتمع ما، فإن الحراكات التي حاولت أن تخرج من المجتمع ذاته وتعود إليه، تعمل في صلب السياسة، وإن لم يكن نقاشها هو الوصول إلى السلطة، بل تمكين المجتمع من سلطة ذاته، فلذلك ثمة خيط ناظم يحكم منطقها، متفقة بجميع تشكيلات هذه الحراكات - التي سنتناولها في التقرير - على العمل بمعزل عن التمويل، حيث يمكن للمجتمع أن ينتج ذاته من دون أجندات لا تشبهه. إنها محاولات للخروج من نقد التمويل إلى نقضه بالممارسة.
«إحياء العونة الفلسطينية، كما كان يعرفها شعبنا قبل أن تفسدها يد التمويل الأجنبي»، هكذا عرّف أحمد البيقاوي أحد مؤسسي فريق ساند، الذي تشّكل في سياق تحد واضح، فقد قامت مجموعة من الشباب بالضغط لإلغاء فاعلية غنائية في ذكرى ميلاد الشاعر محمود درويش برعاية شركات كبرى مثل شركة زوم ومدينة روابي، وتعود ملكيتها لرجل الأعمال بشار المصري الذي سبق أن اتهمته حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) بالتطبيع. وبعد استجابة المنظمين لهذه الضغوطات وإلغاء الحفل، كانت الضرورة تقتضي تقديم بديل من هذا الحفل، فتشكل فريق ساند داعياً لحفل غنائي بعنوان «ثقافتنا بوصلتنا» حضرها المئات من الفلسطينيين، موّل كل مشاهد منهم هذا الحفل من خلال سعر التذكرة، فيما تطوّع فريق كامل للقيام بجميع المهمات «اللوجستية»، كما حضرت الفرق الغنائية (دار قنديل، تراب، حق) بدون مقابل دعماً للفكرة. ويقول البيقاوي عن هذه الفاعلية: لقد شجعنا احتضان الناس وتفاعلهم معنا على الاستمرار، ما لاحظناه أن النّاس متعطشة للعمل خارج الأطر المؤسساتية التي أرهقها التمويل، لقد أدركنا أن الأوان قد حان لتغيير معادلة العمل التي طرأت واستقرت في مجتمعنا، وهي القائمة على «فكر بالتمويل ثم خطط ثم نفذ»، وبديلنا كان هو ما تعلمناه من تاريخ شعبنا «فكر مع الناس، ونفذ، وسيتبعك المال الذي يحتاجه النشاط، بقدر المال النظيف الذي يخرج من الناس ويعود إليهم من دون أن يملي شروطاً».
ثم تحرك فريق ساند إلى فاعلية أخرى مختلفة، حيث دعا المتطوعين إلى مساندة المزارع الفلسطيني «أبو جمال» الذي تواجه أرضه في منطقة اللّبن الشرقيّة اعتداءات متكررة من المستوطنين لمنعه من استصلاحها تمهيدا للسيّطرة عليها. هناك عمل متطوعو الفريق على تنظيف الأرض وزراعتها وبناء سلسلة من الحجارة لها، وتناولوا الغداء مع «أبو جمال»، وكان يمكنك أن ترى دموع «أبو جمال» تترقرق وهو يقول: هذه المرة الأولى التي لم أشعر فيها بأنني وحدي!
كان مشروع إعادة إحياء أغاني الانتفاضة الأولى تحت عنوان «غنّى الحجر» هو أحدث فاعليات فريق ساند، حيث نظم حفلا غنائيا للفنانة بوران سعدة والفنان سعيد طربيه في قصر رام الله الثقافي، وهناك استعاد الحفل روح الانتفاضة الأولى بأغانيها الحماسيّة. وأكد الفريق أن هذا الحفل «لم يكن من باب الاحتفاليات الرومنسيّة بالماضي والحنين الفلكلوري، بل هي تأكيد على الاتصال مع تلك الفترة وأننا امتداد لها ونستمد من روحها الطاقة اللازمة للاستمرار في الفعل المقاوم».


نادي زدني


يروي هادي الصدر أحد مؤسسي النادي - قصة البداية، حيث لم يخطر في بالهم وهم يجتمعون لمناقشة الكتب، أن لقاءهم هذا سيتحول صالونات قراءة في جميع أنحاء فلسطين. نادي زدني الذي بدأ نشاطاته الفعلية عام 2011 موجود اليوم في العديد من المدن الفلسطينية، حيث له فروع في رام الله ونابلس وطولكرم وبيت لحم والقدس وغزة وباقة الغربية وأم الفحم.
يعرّف النادي نفسه بأنه «ناد شبابي يهدف إلى النهوض بالمستوى الثقافي والمعرفي للشبان الفلسطينيين، وذلك للمساهمة في بناء حضارة عربية وإسلامية». ويضيف الصدر أنهم من أول يوم حددوا رفضهم للتمويل كمبدأ من مبادئهم الأساسية للعمل، وبذلك اعتمدت جميع نشاطاتهم على الجهود التطوعية، ولم تقتصر نشاطات النادي على صالونات القراءة، وإن كان هذا النشاط المركزي له، بل شمل مؤتمرات عدّة كلها حملت لافتات مكتوباً عليها «بدعم من الشعب الفلسطيني» في إشارة واضحة إلى مناكفة لافتات التمويل الأميركي المكتوب عليها «بدعم من الشعب الأميركي»!
يقول مؤسسو الفريق إن نشاطهم تنوع ما بين صالونات قراءة وندوات ومؤتمرات ودورات فكرية مكثّفة، بالإضافة للنشاط الالكتروني من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتابع النادي 20 ألف شخص عبر الفيسبوك وتويتر. وانبثقت من داخل فكرة النادي مشاريع فرعية أخرى، كمشروع «تنوين»، الذي يقول منسقه مجدي إبراهيم إنه يهدف إلى القضاء على غربة القارئ، حيث ينظم أوقاتا محددة في ساحات عامة وغالباً تكون داخل الجامعات ويلتقون بأعداد كبيرة لقراءة الكتب فرديا.
واتساقا مع هذه الأنشطة، خرجوا بفكرة المكتبة المتنقلة، حيث وضعوا مكتبة في الحافلات العامة لتكون بمتناول الرّكاب للقراءة، خلال تنقلهم بين مدن الضفة.


شبكة قدس الإخبارية


يعتبر موقع شبكة قدس أول مجتمع إخباري فلسطيني، تقوم عليه مجموعة من الشبان الفلسطينيين يتخذون من الإعلام منبراً للتعبير الحرّ عن صورة فلسطين كاملةً، ولتحقيق هذا الشعار يتوزع المراسلون على كل مناطق الوطن، وتعالج مواد الموقع كل أماكن وجود الفلسطينيين. يعمل أعضاء فريق شبكة قدس تطوعيا ليتحرروا من شروط المموّل، وباستقلالية ليتحرروا من شروط الحزب. وقبل تطورها إلى موقع الكتروني، بدأت شبكة قدس في آذار 2011 كصفحة على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، متخذة من إعلام الناس شعاراً.
خلال العامين التاليين، انبثقت عن الصفحة عدة صفحات متخصصة في الاستيطان والأسرى وغيرها. وفي ذكرى تأسيسها الأولى عام 2012، وصل عدد المتابعين للصفحة الرئيسية إلى أكثر من 179 ألفاً، وحققت أكثر من 400 مليون مشاهدة خلال عام، و100 مليون مشاهدة يومية. أما اليوم، فيزيد عدد المتابعين للصفحة الرئيسية عن 500 ألف شخص، ويصل مجمل المتابعين في جميع صفحات الشبكة إلى ما يقارب مليون شخص. ويعني ذلك أن يصنع الناس إعلامهم بأنفسهم، يستخدمونه كوسيلة تمكين، ويتقوى هو بمشاركاتهم. وبذلك يتحول الموقع الاخباري لمجتمع افتراضي مفتوح للناس لتبادل المواد الإعلامية والآراء بكامل الحرية تحت سقف الهوية الفلسطينية الجامعة، ويتاح ذلك في الموقع من خلال الانضمام إلى فريق الشبكة.
تقدم الشبكة ملفات شهرية تعالج قضايا وطنية بأسلوب إعلامي جديد، فكانت السّباقة في إثارة قضية النقب، حيث نظمت أسبوعاً كاملا يعرّف بقضية النقب من خلال ملف حمل اسم «النقب.. المواجهات اليومية». ومجرد إلقاء نظرة سريعة على عناوين الملفات التي أطلقتها الشبكة يمكن تكوين فكرة واضحة عن الروح التي تعمل من خلالها، فهناك ملف «التمويل الأجنبي وصناعة الشباب»، وملف «حكايات البنادق»، وملف «مكافحة التمرد» ..الخ. كما أنها شاركت كمنظم رئيسي في الفعاليات الالكترونية التي أقيمت سابقا؛ الأولى كانت لنصرة الأسرى في إضرابهم عن الطعام، والثانية عبر اليوم الالكتروني ضد المفاوضات، وبذلك تحاول الشبكة تقديم مفهوم مغاير للعمل الصحافي، حيث تشتبك الصحافة مع قضايا المجتمع وتنحاز لها وتحمل مقولاتها دون أن تفقد من مهنيتها.
تقول هنادي القواسمي، مديرة تحرير موقع شبكة قدس الإخبارية: إن الشبكة تطمح لتشجيع إعلام فلسطيني شبابيّ حرّ لا يخاف من طرق المواضيع المغلقة، وينحاز أساسا لقضايا الناس والمقاومة. وتضيف: إن وعينا بهذا التعريف للصحافة جاء على النقيض من محاولات الأكاديميا لتقديم الصحافة كمهنة حيادية، يكتفي فيها الصحافي بنقل الوقائع دون المشاركة فيها. في سياق منطقة محتلة، فإن من واجب كل المهن أن تنحاز، ولكنه انحياز لا يخسرها مضمونها الاحترافي.


فلسطيني الفاعليّة


كتب ماكس نورداو ـ وهو أحد المقربين لثيودور هرتزل - مقالة بعنوان «يهود العضلات»، كان ينشد من خلالها إقامة نموذج يعيد الاعتبار إلى اليهودي، وذلك من أجل محاكاته من قبل الرجال اليهود، كوسيلة لخلق نموذج جسدي ليهود ما بعد الشتات، أي لليهود الذين سيقيمون مشروع الدولة الصهيونية. وأسس نورداو لاحقاً نادياً رياضياً في برلين لتشجيع اللياقة البدنية للشباب اليهودي باسم «بار كوخبا»، وهو بطل آخر ثورة يهودية ضد الرومان بحسب الأسطورة. ويختتم نورداو مقالته بعبارة: «فليزدهر النادي الجمبازي الرياضي اليهودي، وليتكلل بالنجاح، ويغدو مثالاً يحتذى في مناحي الحياة اليهودية كلها».


باحث وصحافي مقيم في رام الله.