| 

أعادت التظاهرات التي نظمها الفلسطينيون في أراضي 1948 في تموز وآب الماضيين، الحراك الشبابي في الداخل الى سؤالين: ما العمل؟ وكيف الاستمرارية؟ فأيام الغضب التي وقعت في 15 تموز والأول من آب وضعت قضية مخطط «برافر» الإسرائيلي الذي يستهدف أهل النقب على أولوية العمل والخطاب السياسيين ورفع الوعي في شأن المخطط لدى شرائح واسعة، إلا أن السؤال المطروح هو: لماذا لم يتحول هذا الحراك ضد المخطط الى حركة شعبية احتجاجية واسعة، وكيف تُفسر المشاركة الخجولة في مسيرة الذكرى الثالثة عشرة لهبة القدس والأقصى الأخيرة في قرية كفرمندا؟
بات جليا أن تشرين الأول 2000 كان نقطة تحول مفصلية عند العرب في الداخل عندما هبوا وانتفضوا مع اندلاع الانتفاضة الثانية في الضفة الغربية وقطاع غزة ليتوحد الدم الفلسطيني، إذ سقط ثلاثة عشر فلسطينيا من الداخل، وكان الزخم الأساسي له هو خروج الشبان بعشرات الآلاف الى الشارع في مواجهة مع الشرطة الإسرائيلية.
إن أحد أهم هذه التحولات كان صعود نجم الحركات والحراكات الشبابية المختلفة. ففي نظرة سريعة الى العقد الأخير، لم تخلُ بلدة عربية في الداخل من حركة شبابية أو طلابية أو وجود ناشطين من هذه البلدات في حركات شبابية، وشهد هذا الحراك نشاطا غير مسبوق ميّز حقبة «ما بعد الهبة» شهد فيه مدًا وجزرًا، وحقّق إنجازات عديدة كما واجهته انتكاسات وتراجعات. إلا أن هناك تطورا مهما لهذا الحراك، الأول تراكمي، إذ أفضت عملية العمل الشبابي في مراحل سابقة لإنتاج شريحة أوسع من الشباب الناشط مع قدرة على الفاعلية والمبادرة بشكل أكبر وأكثر تنوعا وتفرعًا على صعيد المواضيع والقضايا المُثارة والمعمول عليها. والثاني تجاوزي، والمقصود تجاوز الثقافة الكلاسيكية للعمل والأداء الشبابي الذي أنتجته بالأساس الأحزاب والحركات السياسية، إضافة لتجاوز (وليس إلغاء) الدور والسقف السياسي لهذه الأحزاب والحركات السياسية، التي تتمثل بلجنة المتابعة العُليا للجماهير العربية، لنرى نشاطات بادر إليها الشباب وسبقوا فيها الأحزاب خطابا وأداء وإبداعًا، وآخر مثال على ذلك ظهر في يومي غضب في رمضان، الأول دعت إليه لجنة المتابعة الا أن الشباب كان بطل هذا اليوم، والثاني قام ناشطون شبان في الجليل والنقب والمثلث بتنظيمه.
هناك مثال آخر للحراك الشبابي تجلى في عام 2011، حيث تم إحياء يوم الأرض وذكرى النكبة في أماكن مختلفة عن الأماكن المعهودة، إذ تم إحياء يوم الأرض في مدينة اللد في خطوة مهمة للدلالة على ما يتعرض له العرب هناك من مصادرة أراض وهدم بيوت. وفي ذكرى النكبة تم الذهاب بالآلاف الى مدينة يافا وعدم الاكتفاء فقط بالتوجه الى قرية مهجرة، وكان ذلك رسالة واضحة الى أن النكبة لم تحصل في القرى المهجرة وحدها بل هي مستمرة، ويافا مشروع لمدينة النهضة الثقافية والاقتصادية خسرها الفلسطينيون في النكبة.
في الإمكان تقسيم الحراك الشبابي في الداخل الفلسطيني الى ثلاثة محاور ومواقع: أولا، شباب الأحزاب والحركات السياسية في الجامعات والكليات. ثانيا، شباب مؤسسات المجتمع الأهلي والمدني. ثالثا، شباب الحركات الشبابية المستقلة والناشطون المستقلين. وهناك عدد من الأصوات تنادي بتنظيم العمل الشبابي وبناء التحالفات والتنسيق الفعال بين مختلف الأجسام الشبابية الفاعلة على الساحة من خلال مجلس شبابي جامع مع رؤية عمل واستراتيجية واضحة، وهناك من يرى عدم وجود حاجة لبناء هيكلية تنظيمية للحراك كونه سيتحول الى مبنى هرمي يحتكر الخبرة والمعرفة والتحكم باتخاذ القرارات.
بين التوجه الأول الداعي الى التنظيم والتنسيق لبناء جسم شبابي جامع وتمثيلي ومهني، والتوجه الثاني الداعي لأن يكون العمل الشبابي حرا وعفويا ومفتوحا أمام أي شخص من دون بيروقراطيات تنظيمية مسبقة، تُطرح العديد من الأسئلة التي لم يتم خوض النقاش فيها كما يجب حتى الآن: أليس الشبان العرب في الداخل بحاجة إلى جسم معين يجمعهم على مختلف انتماءاتهم ومشاربهم ويكون عنوانا ليس سياسيا فقط ضد الخدمة المدنية الاسرائيلية ومحاولات التجنيد وغيرها من ثوابت وطنية أصبحت واضحة لمعظم جيل الشباب، بل أيضا يعمل على احتياجات الشباب المختلفة (توجيه أكاديمي مثلا وغيرها)؟ من الناحية الأخرى، لماذا يجب تنظيم الحراك الشبابي، خصوصا انه يتكون من تيارات وتوجهات في داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل؟ أليس من الأفضل ترك الأمور على ما هي والاجتماع والعمل المشترك يكون على قضايا عينية لكل مجموعة أو حركات؟ وعلى ذلك عدة أمثلة ناجحة مثل الائتلاف الشبابي ضد الخدمة المدنية، الأيام البديلة لإحياء المناسبات الوطنية، «جائعون للحرية» دعما لمعركة الأمعاء الخاوية للأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام في السجون الاسرائيلية، ومؤخرا التصدي لمخطط «برافر».
من الصعب التكهّن بمصير حركة الاحتجاج على مخطط «برافر» الحديثة الولادة، فهي أمام تحديات جمة على عدة مستويات: فهل نجاح يومي الغضب في شهري تموز وآب من خلال تقديم نموذج بديل للتظاهرات التي تقرها القيادة التقليدية كفيل بنجاح التظاهرات القادمة التي كانت الفكرة الأساسية لها هي المواجهة وإغلاق الشوارع والمفارق؟ وهل يمكننا القول إن هناك حراكا واحدا ضد «برافر»؟ المتابع للحراك الأخير يعلم أن هناك نوعا من الانقسام الجغرافي أيضا في الحراك الشبابي الأخير ضد «برافر» بين نقب وجليل، فإلى أي مدى يتم العمل على توسيع حركة الاحتجاج هذه إن كان من خلال تجنيد ناشطين جدد في هذا الحراك أو من خلال الشرائح المجتمعية؟ أضف إلى ذلك المتطلبات والمستلزمات المادية لمثل هذه الأمور التي تبقي حركة الاحتجاج حية، وأيضا هل يملك الحراك الشبابي خطة عمل واضحة لقيادة حركة الاحتجاج؟ هل بإمكانه ذلك في ظل ظروف شباب يتعلم في الجامعات أو يعمل ولديه برامج وأنشطة عديدة أخرى؟ هل تم العمل بشكل مدروس لتجنيد وسائل الإعلام المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني لهذا الحراك؟ وماذا مع الأحزاب؟ ففي أيام الغضب الأخيرة قاطعت بعض الحركات السياسية بالكامل، وهناك من دعم شكليا، وهناك من دعم فعليا، فكيف سيكون شكل المواجهة القادمة؟
أسئلة تطرح للمرحلة المقبلة، خصوصا أن هناك شعورا أن الحراك هدأ بعد أحداث الأول من آب وهو أمر صحيح وله عدة أسباب متعلقة بعمل الحراك نفسه، وأيضا لأسباب موضوعية مثل انشغال الناس والحركات السياسية والناشطين الشبان بانتخابات السلطات المحلية في 22 تشرين الأول الحالي، وحالة «الهدوء» هذه كانت واضحة جدا في مسيرة الذكرى الثالثة عشرة لهبة القدس والأقصى التي مرت عادية وتقليدية وبمشاركة خجولة مقارنة مع سنوات سابقة، لا سيما أن العين كانت بعد الأول من آب على الأول من تشرين الأول.
لكن هناك من يدعي أنه لا لزوم لجلد الذات أكثر من اللزوم، وقد يكون هذا الهدوء هو هدوء ما قبل العاصفة، بالإضافة إلى أن من غير المفهوم كيف أن الحراك الشبابي بإمكانه تحريك الشارع الفلسطيني في الداخل وتحويل حركة الاحتجاج الى حركة احتجاج شعبية واسعة، فهناك دور أساسي ومركزي للأحزاب والحركات العربية إذا قررت جدياً تبني القضية إلى أبعد الحدود.
عموما، الحركات الاحتجاجية لا تولد بين ليلة وضحاها. صحيح أن للشباب شأناً أساسياً فيها وهو وقودها، وفي الثورات العربية كان محركها أيضا، لكن حتى الثورات العربية لم تندلع فجأة، بل سبقتها أحداث ومسببات وعملية تراكمية، ولربما يكون مخطط «برافر» الذي يعتبر أكبر مشروع يستهدف العرب المواطنين في إسرائيل منذ قيامها كمشروع مصادرة أرض بمئات آلاف الدونمات وترحيل عشرات آلاف السكان الأصليين في النقب، هو القضية التي ينتفض العرب لأجلها في وجه الدولة الاستعمارية ليس على مخطط «برافر» وحده بل على سياسات الفصل العنصري المتزايدة تجاههم، وهذا يتطلب أكبر وحدة سياسية بين مجمل الحركات والتيارات السياسية والمجتمعية المختلفة، ويقع على الحراك الشبابي مسؤولية الدفع نحو هذا الاتجاه وبناء عملية تراكمية في الاتجاه الصحيح. ففي العديد من الأحيان تنفجر الأمور من دون التخطيط لها كما حصل في تشرين الأول 2000. السؤال هو: هل سنكون جاهزين لحسن إدارة المواجهة المقبلة؟!


صحافي وناشط من الداخل.