| 

منذ عدة أعوام، لا يخفي المسؤولون في إسرائيل بمناسبة وبغير مناسبة أن الغاية القصوى لأي تسوية للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني هي ترسيخ إسرائيل كـ«دولة يهودية وديموقراطية»، وتكريس كينونتها «وطنا قوميا للشعب اليهودي». وهذا ما تؤكده الوزيرة المسؤولة عن ملف المفاوضات في الحكومة الإسرائيلية تسيبي ليفني شأنها شأن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. لذا، فقد بادرت ليفني أخيراً بصفتها وزيرة العدل أيضاً، إلى تكليف البروفسور روت غابيزون، أستاذة الحقوق في الجامعة العبرية في القدس، بمهمة إعداد بديل لمشروع قانون دستوري جديد ينص على أن «إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي»، وطرحه في الكنيست نائبان من حزبي «الليكود» و«البيت اليهودي». ومعروف أنه في الاتفاق الائتلافي مع هذا الحزب الأخير، تعهد نتنياهو بأن تعمل حكومته الجديدة على سن قانون كهذا خلال الدورة الحالية للكنيست.
ليس من المبالغة القول إن إلحاح زعماء إسرائيل على يهودية الدولة لم يعد مجرّد مناورة تكتيكية بل بات يشكّل مطلباً استراتيجياً ويحظى بدعم الولايات المتحدة. ولعل أحد أهم أهداف هذا الإلحاح هو فرض حل لموضوع هوية إسرائيل كدولة يهودية، وأساساً في مقابل الفلسطينيين في الداخل، لا سيما في ضوء رفع سقف مطالبهم في الأعوام القليلة الفائتة، والتي يقف في صلبها مطلب الاعتراف بهم كمجموعة أصلانية قومية صاحبة حقوق جماعية على رأسها حق تقرير المصير، والذي طرحه التيار القومي المتمثل في حزب التجمع الوطني الديموقراطي في أواسط تسعينيات القرن العشرين الفائت، بعد أن صاغه المفكر عزمي بشارة من الناحيتين النظرية والتطبيقية، وأصبح منذ ذلك الوقت مطروحاً بقوة في جدول أعمال فلسطينيي 1948 وقواهم السياسية ومنظمات مجتمعهم المدني.
وتعتبر النُخب الإسرائيلية، بما في ذلك المحسوبة على تيار الوسط - اليسار، أن رفع سقف مطالب الفلسطينيين في الداخل يعبّر عن تطرّف مواقف هؤلاء الفلسطينيين.
ما زلنا نذكر مثلاً العنوان الذي تصدّر الصفحة الأولى في صحيفة «معاريف» في أحد أيام شهر آذار/ مارس 2007 وكان فحواه: «رئيس الشاباك (جهاز الأمن العام الإسرائيلي): تطرّف خطير للعرب في إسرائيل». وتحدّث متن الخبر عن «مداولة مغلقة أجراها رئيس الحكومة (إيهود أولمرت) مع رجالات الشاباك الكبار حول الأقلية العربية في إسرائيل، ومدى تعاطفهم مع الدولة الآخذ في الانحسار، وصعود جهات تآمرية في صفوف العرب والأخطار المترتبة على ذلك». وعلى وجه التحديد، اقتبست «معاريف» من أقوال «الشاباك» ما يلي: «إنّ ما يبعث على القلق خاصة هو ظاهرة وثائق التصوّر المستقبلي، التي تكثر لدى النخب المتعددة بين العرب في إسرائيل، والقاسم المشترك في ما بينها أنها ترى في إسرائيل دولة جميع مواطنيها لا دولة يهودية. إنّ هذه الاتجاهات التآمرية التي تبديها النخب يمكنها أن تحدّد توجّهاً عاماً وأن تجتذب وراءها الجموع». كذلك فإن حزب «الليكود» اعتبر في حينه تلك الوثائق في منزلة «إرهاب كلاميّ سامّ» ضد إسرائيل يتوازى مع «الإرهاب العنيف والفتّاك».


«احتلال الأرض العربية»!


تشهد صفوف الفلسطينيين في الداخل منذ سنة 2012 حراكاً تشترك فيه أحزابهم وسلطاتهم المحلية ومنظمات المجتمع المدني لإحباط ما بات يعرف باسم «مخطط برافر». ومن المتوقع أن يقوم جميع هؤلاء ببذل مزيد من الجهود في غضون الفترة المقبلة، سواء على مستوى الكفاح الشعبي، أو على مستوى تجنيد حملات تضامن عالمية من الخارج ترغم إسرائيل على تغيير المسار الذي اختارت أن تمضي فيه لتنفيذ المخطط، وهو مسار تحويله قانوناً رسمياً. ويقضي «مخطط برافر» بمصادرة أكثر من 500 ألف دونم من أصل 600 ألف دونم يملكها العرب الأصلانيون في النقب، وترفض الحكومة الإسرائيلية تسجيل ملكيتهم عليها. ويتضمن حشر هؤلاء العرب الذين يبلغ عددهم نحو 200 ألف نسمة في أقل من 100 ألف دونم تشكل أدنى من واحد بالمئة من المساحة الإجمالية لتلك المنطقة.
بطبيعة الحال لا يرتبط هذا المخطط بحاضر وجود العرب ومستقبلهم في منطقة النقب فحسب، بل ينطوي على انعكاسات خطرة تتعلق بجوهر المعركة على الأرض بين الفلسطينيين في الداخل ودولة إسرائيل أيضاً. ونشير في هذا الشأن إلى أن كل ما بقي من الأراضي الخاصة التي كان يملكها فلسطينيو 1948 في منطقتي الجليل والمثلث لا يزيد عن 650 ألف دونم. من هنا رأت «لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في الداخل» أن «مخطط برافر» يعتبر أكبر مخطط كولونيالي صهيوني يستهدف وجودهم منذ نكبة 1948، وأن معركة النقب تُشكل بالتالي معركة فاصلة على ما تبقى من أراض عربية، بعد أن سيطرت المؤسسة الإسرائيلية على أراضي الجليل والمثلث والمدن الساحلية على مرّ الأعوام.


المعارك إذ تُفرض


يجب أن نقرأ ما تقدّم في ارتباط مباشر مع السياسة الكولونيالية الإسرائيلية الداخلية. ويمكن القول إنّ إسرائيل تسير، منذ أن اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية وما أعقبها من تحرّك سياسي وشعبي للفلسطينيين في الداخل (في تشرين الأول/ أكتوبر 2000)، في طريق تعميق هذه السياسة. وفي إثر الانسحاب الأحادي الجانب من غزة، في خريف 2005، أشير إلى أنّ السيطرة والتمييز تجاه الفلسطينيين في الداخل يسيران في منحى التعاظم والتفاقم. ويكفي أن نورد عدة أمثلة من الأعوام القليلة الفائتة لإثبات صحّة هذا الحكم:
- أولاً، هُناك النقاش المستمر لـ«المشكلة الديموغرافية»، والذي يولّد سَيلاً من المبادرات الرامية إلى إقصاء الفلسطينيين من الحياة الإسرائيلية العامة. وتشمل هذه المبادرات الاقتراحات الداعية إلى «تبادل سكاني» بين المستوطنات (في الضفة الغربية) ومنطقة المثلث (داخل الخط الأخضر) والتي سيتعيّن في نطاقها على الفلسطينيين في المثلث أن يدفعوا مكانتهم المدنية ثمنًا لجريمة المستوطنات التي أقامتها إسرائيل.
- ثانياً، هناك خطط متعددة سبق أن طرحت لمنطقة النقب - ومنها خطة «مجلس الأمن القومي الإسرائيلي» - تدعو إلى إخلاء قسري لقرى البدو القائمة في معظمها على أراضي آبائهم وأجدادهم.
- ثالثاً، هناك أنظمة حالات الطوارئ التي تحظر منذ عدة أعوام تجسيد أحد حقوق المواطن الأساسية جداً، وهو جمع شمل عائلات مواطنين عرب من إسرائيل مع فلسطينيين (زوجات وأزواج) من المناطق الفلسطينية المحتلة سنة 1967، والتي لم يسعف التوجه إلى المحكمة العليا في درء أو حتى تحجيم لدغتها العنصرية.
غير أنّ هذه الذرائع الواهية والكاذبة تخفي وراءها العنصرية العميقة لـ«الدولة الإثنوقراطية» (وهو مصطلح سبق أن سكّه الباحث الإسرائيلي أورن يفتاحئيل مع باحثين آخرين لتوصيف «الديموقراطية الإسرائيلية») والتي تعمل من دون كلل، وبشكل غير ديموقراطي، على تعميق السيطرة اليهودية وسط إقصاء وحرمان السكان الفلسطينيين في الداخل من الحقوق القومية ومن موارد القوة والأراضي العامة. ومع أن صفوف الفلسطينيين في الداخل تشهد في الآونة الأخيرة حراكات متعددة تمهّد الأرضية لمعركتهم المؤجلة هذه، إلا أن هذه الحراكات ما زالت موسمية ولا تتسبب بحركة جماهيرية مدججة بفاعلية قوى من القاعدة الشعبية. غير أن تجربة الكفاح الفلسطيني في الداخل أثبتت أن مثل هذه الحركة الجماهيرية سرعان ما تظهر لحظة المعارك التي تُفرض فرضاً، كما يمكن أن يحدث في ما يتعلق بموضوع تكريس الهوية اليهودية لإسرائيل، أو بموضوع احتلال آخر ما تبقى من أرض عربية خاصة في النقب.